الرئيسية » مقالات » العراق: بين دولة العشيرة، والدولة المدنية الديمقراطية..!؟2-2

العراق: بين دولة العشيرة، والدولة المدنية الديمقراطية..!؟2-2

العشيرة العراقية الحاضنة الإجتماعية “الجديدة” للأحزاب السياسية في العراق، وبالذات منهم احزاب الإسلام السياسي؛ بات نجمها اليوم، يتصاعد بسرعة صاروخية، فاقت في قدراتها ما كانت عليه في الأيام الخوالي؛ يوم كان للنظام القبلي العشائري حظوة معروفة في المجتمع العراقي، حينما كانت العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية هي السائدة على الصعيد الإقتصادي في تلك المرحلة، ويوم كانت السلطة الأبوية لرئيس العشيرة في المجالين الإجتماعي والإقتصادي هي المهيمنة على جموع الفلاحين في الرقعة الزراعية ، وأغلبهم من أبناء العشيرة التي ينتمي لها رئيس العشيرة نفسه، حيث كانت غالبية اراضي الدولة الزراعية الواقعة تحت تصرف الفلاحين الفعلي، مسجلة تفويضاً بأسم رئيس العشيرة ومثبتة في دوائر الطابو الحكومية بهذا الشكل، وهذا ما أكسب المؤسسة العشائرية، مممثلة برئيس العشيرة وحاشيته، سلطة معنوية أبوية، وإقتصادية مباشرة على فقراء الفلاحين، مدعومة بقوة الدولة، مممثلة بسلطة الحكومة من جهة، وبدعم وتأييد المؤسسة الدينية المحلية من جهة أخرى..!

وحتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958، كانت القوى السياسية في العهد الملكي، تضع في مقدمة أهدافها كسب تأييد أصوات الفلاحين في الإنتخابات من خلال مؤسسة العشيرة الخاضعة لنفوذ رؤساء العشائر، الذين كان يتمثل العديد منهم وبإرادة ملكية، أعضاءً في “مجلس الأعيان”، الرديف المصاحب لمجلس النواب يومذاك، حيث العديد من رجال السياسة ممن يطرحون أسمائهم، في سجلات محافظات غير محافظاتهم، بعد أن يضمنوا تأييد شيوخ العشائر ومسؤولي المحافظة من رجال الدولة، بغرض جمع العدد الكافي من أصوات الفلاحين، اللازم لتأهيلهم لعضوية مجلس النواب..!

فكانت أحزاب السلطة التقليدية، تولي العشائر، ومن خلال رؤسائها، أهمية إستثنائية لإنتمائهم الى تلك الأحزاب، إذ كان التنافس شديداً بينها، وعن طريق المغريات المختلفة، التي تصل حد المصاهرة بعض الأحيان، مع عوائل بعض رؤساء العشائر، للفوز بتأييد عشائرهم في دعم تلك الأحزاب أثناء الإنتخابات بهدف تشكيل الحكومة القادمة..!

ولعل مثالَي حزب الإتحاد الدستوري برئاسة نوري السعيد، وحزب الأمة برئاسة صالح جبر، على وجه التخصيص، والى حد ما، الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يضم نخبة غير قليلة، من السراكيل وبعض رؤساء العشائر الصغيرة، كما في الفرات الأوسط على سبيل المثال، كانت من البراهين الساطعة على ما يمثله النظام العشائري القبلي يومذاك، من نفوذ سياسي وإجتماعي على مستوى الدولة، في نفس الوقت الذي شكل فيه هذا النظام، القاعدة الأقتصادية للنظام السياسي، وأحد أهم العوامل المعرقلة على طريق تطور العراق الإقتصادي والإجتماعي..!

رغم التصدع والإنحلال اللذين أصابا المنظومة العشائرية بعد تفتيت قاعدتها الإقتصادية بتشريع قوانين الإصلاح الزراعي خلال ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، تجري اليوم محاولات غير قليلة من قبل قيادات بعض الأحزاب الحاكمة أو المنخرطة في العملية السياسية، لنفث الروح من جديد، في منظومة العشيرة العراقية بإتجاهين؛ ديني طائفي _ مذهبي، من خلال تعميق الطائفية المذهبية الدينية، ومحاولة التركيز على تفعيل التقاليد والمشاعر الدينية بشكل يتجاوز المظاهر الإعتيادية المألوفة؛ وإداري تنظيمي سلطوي؛ عن طريق تشكيل “جديد” غير مبني على اساس المصالح الإقتصادية المشتركة لأبناء العشيرة، والفلاحين منهم على وجه الخصوص، كما هو متعارف عليه حسب، بقدر ما كونه عبارة عن تنظيم هلامي مبني على بقايا العلاقات البطرياركية، التي تحكمها العادات والتقاليد من مخلفات النظام الإقطاعي الأبوي، والتي لا تربطها أي صلة بكل ما يشاع عن السعي من أجل بناء دولة القانون أوالدولة المدنية الديمقراطية، ويمكن تمثله، وعلى سبيل المجاز، وكأنما هو بديل للمنظمات النقابية الفلاحية المعرفة ب (الجمعيات الفلاحية) التي رافق تأسيسها صدور أول قانون للإصلاح الزراعي في ثورة الرابع عشر من تموز/1958، ولكنه غير ذلك، ويتميز عنها بأنه إقتصر على رؤساء القبائل والعشائر بالذات، ولا يمت بصلة لأبناء العشائر انفسهم من الفلاحين الذين يمتهنون الزراعة فعليا، وقلما يجد المرء بين جمهرة أعضاء تلك “المجالس” من الحضور من يمت بصلة الى الفلاحين..!

مما لا شك فيه، أن السيد رئيس الوزراء وحزبه المشارك في الحكومة (حزب الدعوة الاسلامية)، على سبيل المثال، وهي الجهة الرئيسة في الترويج لمنظمة العشيرة وتشكيلاتها الجديدة، وتحت تسمية ما يدعى ب “مجالس الإسناد”، ترد على منتقديها بكونها تستند على خلفية دستورية في تأسيسها لمثل تلك التنظيمات العشائرية معولة في ذلك على النص الدستوري/ الفقرة: ثالثاً من المادة (43) من الدستور العراقي الدائم لعام/2005 (*)، إلا أنه، ورغم وجود هذا النص، فإن الأمر من حيث الجوهر، يتعارض مع الواقع الحضاري لتشكيلة المجتمع العراقي، وتتجسد فيه دعوة بإتجاه العودة الى تقاليد وأسس النظام القبلي العشائري، بهدف تكريسه رديفاً للنظام المدني القائم، الذي أرسى دعائمه وأسسه ، المجتمع العراقي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وبعد أن تعزز ذلك بإلغاء نظام دعاوي العشائر بموجب المرسوم الجمهوري رقم 56 لسنة 1958 والمنشور في الوقائع العراقية عدد/ 3 بتأريخ 3/8/1958 ، وبعد ان تم تشريع القانون المدني رقم 40 / 1951 ، والتشريعات الأخرى، مثل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1961 وما سبقه من قانون العقوبات البغدادي لسنة 1919 وقانون اصول المحاكمات الجزائية البغدادي في عام 1923. ومن جانب آخر فإن تشكيل مثل هذه “المجالس” يفتقر الى سنده وغطائه القانوني، حيث ليس هناك من نص دستوري خاص أو قانون محدد يمكن الركون اليه عند تأسيس مثل هذه “المجالس” أو يحكم نشاطها..!؟

السؤال المحير على مستوى “العملية السياسية الجديدة والعراق الجديد” ، وإرتباطاً بكل ما تعلنه تلك القوى السياسية الحاكمة أو سواها، من تطلعاتٍ لبناء العراق الجديد؛ ذي السمة الحضارية المدنية الديمقراطية التعددية، وهي نفسها التي أسهمت في إعادة الروح الى منظومة “العشيرة” و”القبيلة” الميتة سياسيا، من خلال حشر نص المادة /43 الفقرة/ثانياً في الدستور الدائم/2005 المشار اليها في أعلاه، في الوقت الذي تدرك فيه أغلبيتها وبالذات القوى ذات المنهج الديني الطائفي بمختلف أصنافه، والذي بات يرتدي اللباس المدني الحضاري، سعة التناقض بين النظام القبلي العشائري والنظام المدني الحضاري – رغم ما يقال حول قيم الاول الانسانية -، وذلك من حيث الأسس والقواعد والأنظمة القانونية والتشريعية والتعليمية، ومن حيث التعامل المدني اليومي مع قضايا حيوية مثل الحياة الأسرية، والنظر الى حقوق المرأة، والقضايا الجزائية، وقضايا حقوق الإنسان بالذات، وأمور أخرى كثيرة. فالى أي مدى يمكن التوفيق بين المنظومتين، خاصة وأن الدستور نفسه يبطن غير قليل من اللامتجانسات من النصوص الخلافية والمتعارضة والتي بُني الدستور طبقاً لمصالح مشرعيها..!؟؟

وها هو السيد رئيس الوزراء، والأمين العام لحزب الدعوة الاسلامية المشارك الرئيسي في الحكومة، في مقدمة المنادين اليوم، الى ضرورة إجراء التعديلات على الدستور، مقراً وحسب قوله : “اضطررنا الى المحاصصة والديموقراطية التوافقية لان النفوس كانت مثقلة بالخوف والتهميش لم يكن امامنا خيار سوى التوافق والمبدأ السيء المحاصصة”.(1)

ولا غبار على ذلك، ولكن إدراك هذه الحقيقة، وإن جاء متأخراً، لا يشكل أساساً صالحاً لبناء المجتمع المدني على أساس “قبلي – عشائري”، رغم ما يشار اليه من مرجعية دستورية كما مر ذكره ، والذي يفترض أن تكون من ضمن النصوص الدستورية التي ينبغي شمولها بالإلغاء، لتعارضها مع مفهوم (المجتمع المدني) الحضاري الذي ما إنفكت الجهة التي تدعو اليه، منذ فترة شروعها بتشكيل ما يسمى ب “مجالس الإسناد” ومؤتمرات مجالس “رؤوساء العشائر”، وكأن العراق يعيش فترة العشرينات أو الثلاثينات من القرن الماضي وما قبلها، فأي تناقض هذا..؟!

ومع ذلك ومن خلال الدعوات المتواصلة لعقد ما يسمى بمؤتمرات “مجالس رؤساء العشائر”، ، والتي تلقى التأييد والدعم التام من قبل حزب الدعوة الإسلامية بوجه خاص، فلا يمكن ان يفهم من ذلك، أن هذه المجالس، من حيث الإنتماء الى عضويتها، تشمل أو تمثل جماهير الفلاحين، أو طبقة إجتماعية معينة؛ فهي في حقيقتها عبارة عن تجمعات صورية لكل من يجد أن “لقبه” ينخرط تحت لافتة اسم العشيرة المعينة، كمرجعية جديدة، ولا يجمع بين منتسبيها ما يوحد مصالحهم، كصلة إقتصادية أو حتى زمانية أو مكانية، فهي رغم ما يعلن عنها بأنها مجالس لرؤساء العشائر، بإعتبارها ممثلة لتلك العشائر؛ فهي يمكن أن تضم بين صفوفها أي من الأشخاص ممن يعلن عن نفسه حاملاً لأسم العشيرة المقصودة، بإعتباره الرابط “الجديد” بين المواطنين، ممن ينتسبون الى تلك العشيرة إفتراضا، ويراد منها أن تكون صلة للوصل بين الفرد “إبن العشيرة” والدولة، كبديل جديد يعيد الناس الى ما جبلت عليه أيام نظام دعاوي العشائر، طبقاً لإصولها وأنسابها العشائرية ..!؟

مجالس الإسناد العشائرية لا يمكن أن تكون أكثر من تجمعات جماهيرية ساندة لمن يتحكم بقيادتها وتمويلها، ومن يحركها طبقاً لمتطلبات العملية السياسية في وضعها الراهن وإرتباطاً بما تمليه المصالح الحزبية والسياسية الخاصة؛ فهي تجمعات لا تمت الى بنية العشيرة المتعارف عليها وهيكليتها الحقيقية بشيء، إلا بما يوحيه أسم العشيرة المتوارث عبر الأجيال من تواجد معنوي للعشيرة، وبما يعكسه من تبجيل وقدسية على مثل تلك التجمعات، ليخرج بها من صورتها الشكلية المفتعلة الى الحقيقة الوهمية، وكأنها كيانات إجتماعية، لها من الإعتبار ما لغيرها من مكونات المجتمع المدني الحضاري الحقيقية، من حيث التجذر والإنحدار، رغم ما للعشيرة في زمنها، من قيم وتقاليد تتناسب مع مجتمع العشيرة يومذاك، ومع ما يكنه لها المجتمع تأريخياً من إحترام وتقدير..!؟؟

إن لإرتباط تشكل مثل تلك “المجالس” برأس سلطة الحكومة وقيادة الحزب السياسي المشارك بالحكم من جانب ، وإفتقادها لأسباب ومسوغات تأسيسها، ناهيك عن فقدانها لما ينظم ذلك التأسيس من أنظمة داخلية أو بحكم من قانون أوتشريع مؤسساتي يعمل كغطاء شرعي لوجودها، ويحدد شروط وأهداف تأسيسها بإعتبارها تمثل مصالح عامة مشتركة لسائر أبناء المجتمع، وبالتالي فهي لا تخرج بعيداً عن تطلعات حزبية خالصة، تدخل في نهاية الأمر في إطار المصالح الخاصة لتلك القوى السياسية أو الحزب السياسي المعين..!

ولهذا السبب، فقد جابه تأسيس هذه ” المجالس” منذ البداية، معارضة واضحة من قبل العديد من القوى والأحزاب السياسية الأخرى، بما فيها قوى حليفة لحزب الدعوة نفسه ومن المشاركين في الحكومة..!(2)

لا غرابة في الأمر لو إقترنت الدعوة لتجمع رؤوساء العشائر والقبائل من خلال الجهد الحزبي المدني الصرف حسب، ولكن ليس من خلال إضفاء الصفة الرسمية على تلك “التشكيلات” ذات الطابع العشائري ، وكأنها البديل الجديد والمرجعية المدعومة من قبل ذي الشأن السلطوي، للمواطن العراقي ذي الأصول العشائرية، بدلاً عن مؤساسته النقابية أو الإجتماعية الديمقراطية المدنية والحضارية، ليجد نفسه أخيراً محكوماً بأحكام وسنن وتقاليد وعادات النظام العشائري القبلي، وتابعاً لقانون العشيرة في مجمل شؤونه وشؤون إسرته في الحياة المدنية..!؟

فلا عجب والحال، أن تُركن جانباً منظمات المجتمع المدني، وهي التي خصها الدستور بنص خاص(المادة/43 أولاً)، وأن لا تحضى بنفس الحضوة والدعم المادي والمعنوي التي تنالها مجالس “رؤساء العشائر”؛ كما وليس عصياً على الفهم حالة التناقض الصارخة بين الدعوة الى “دولة القانون” من جهة والعمل المتواتر الى تأسيس مجالس “رؤساء العشائر”، التي تفتقد للغطاء القانوني، ومدى إنعكاس ذلك سلباً على الحياة المدنية، وخاصة الأسرية منها، على سكان المدن بالذات من جهة أخرى..!!(3)

ولعل ظاهرة جموع الفلاحين الذين هاجروا الى مشارف المدن، تاركين اراضيهم الزراعية بعد الخراب الذي لحق بالزراعة، حيث تركوا ” ديرة ” العشيرة، وإفترشوا الأرصفة، أو على حد قول أحدهم ساخراً: “باعوا الهويشات وكعدوا بالجادات”، تشكل أحدى المظاهر التي تشجع المنحى الذي توجه اليه السيد رئيس الحكومة الحالية وحزبه بهذا الإتجاه..!؟

نتيجة للخراب الصناعي في عموم البلاد، أن حال ذلك دون إنخراط هذه الأعداد الغفيرة من الفلاحين وإنصهارها في مجال العمل الصناعي والخدمي وإنقطاع صلتها بواقعها الإقتصادي السابق للسبب المذكور، ولهذا كانت الوتيرة العالية من نسب البطالة في المدن، أغلبها ذات أصول فلاحية، وقد ترافق ذلك بشيوع ظاهرة الإلتجاء الى الإحتكام الى سنن وأحكام القبيلة وأعرافها في حل النزاعات والأحداث بين المواطنين، وكما يجري الترويج له علناً، على حساب الأنظمة والشرائع والقوانين المدنية الحضارية، وهذا ما يتلمسه المرء نتائجه في السنوات الأخيرة، كما مشار اليه في الرابط (3) أدناه على سبيل المثال..!؟

لا عجب إذن، إذا ما تحولت تلك “المجالس العشائرية” الجديدة الى مراكز لإستقطاب الألوف من الفلاحين العاطلين عن العمل، والتي تغص بهم المدن العراقية كمرجعية جديدة، وتحت تأثير الرابطة القبلية والطائفية المذهبية الدينية، وهيمنة رؤوساء القبائل من خلال تلك المجالس، أن يجري التعامل معهم كإحتياطي بشري، لضمان موقفهم المساند في اللعبة السياسية، خاصة بعد أن ضاقت سبل العودة لهذا الجيش الكبير من الفلاحين العاطلين الى اراضيهم الزراعية، وبعد أن وجدوا الطرق مسدودة أمامهم للإنخراط في قطاعي الصناعة والخدمات لخرابهما. مما وضعهم في حالة من التهميش الإجتماعي، وفي منأى عن الإرتباط بالمجتمع المدني ومنظماته الديمقراطية الإجتماعية العصرية بما فيها الأحزاب ذات الطابع المدني العلماني، مما قد لا يغير من ولائاتهم القديمة بإتجاهات أخرى..!؟

وهكذا تظل البطالة “حاضنتهم” الوحيدة، طالما ظلت حالة الإقتصاد العراقي – زراعياً وصناعياً وخدمياً- تراوح في مكانها الحالي من الجمود والخراب ؛ وبالنتيجة، لا غرابة أن يقف وراء وجود هذه الفئة “المهمشة” إجتماعياً، والتي من السابق لأوانه أن يحسم مصيرها الطبقي الإجتماعي قريباً، حيث يرتبط أمر ذلك بما ستؤول اليه حالة الإقتصاد العراقي نفسه؛ أقول لا غرابة أن تقف النجاحات التي تتوقعها بعض القوى السياسية، ومنها قوى الإسلام السياسي بمختلف تياراته خصوصاً، في لعبتها السياسية الإنتخابية القادمة وراء هذه الفئة..!

كما ولا يمكن إغفال تأثير تلك الفئة في مجمل العملية السياسية عموماً، أونسيان ما تمخضت عنه النتائج الإنتخابية للمرات السابقة، وبالذات ما أسفرت عنه نتائج إنتخابات المحافظات، بسبب حجمها الكبير بين مكونات المجتمع العراقي، منظوراً له بالخصوص، من خلال التضخم السكاني الكبير الذي شهدته المدن العراقية في المحافظات على حساب المناطق الريفية، في الفترة التي أعقبت الإحتلال وخلال سنوات الحصار وبسبب الخراب الزراعي، وهذا ما دفع بالبعض من السياسيين المشاركين في السلطة الحالية، الى التعجيل بتشكيل منظماتهم “السياسية” الجديدة، سواء بما يدعى ب”المجالس العشائرية”، أو منظمات “الوسط” ، معولين في ذلك على حجم تلك الفئة المهمشة من السكان، والتي تنتشر بكثافة في مقرات الأحزاب الدينية، مشكلة جماهير هذه الأحزاب، وتزدحم بها المساجد والحسينيات، ومن بقايا منظمة العشيرة..!؟

ولعل من نافل القول الإشارة الى أن معظم جمهور أحزاب الإسلام السياسي أو غالبيته مبني على هذا الأساس، لما لإرتباط هذا الجمهور بالموروث الإيماني والعادات والتقاليد العشائرية، المتحكمة منذ أجيال مضت بثقافته السائدة، أكثر مما هو مرتبط ببرامج تلك الأحزاب السياسية..!

أما على الصعيد السياسي، فالأمر سيبدو أكثر جلاءً ووضوحاً إذا ما إستعاد المرء ذاكرة التأريخ، منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية في اوائل العشرينات من القرن الماضي مروراً بتأريخ أنظمة الحكم التي تناوبت على إدارتها حتى اليوم، ليرى تهافت جميع تلك الإدارات على دعم وإسناد منظومة “العشيرة”، كمؤسسة إجتماعية – إقتصادية، لتجد فيها – تلك الإدارات – سنداً داعماً لها في صراعها السياسي – الطبقي على صعيد المجتمع؛ وهذا ما يدفع للتساؤل؛ إذا ما ستكون ” دولة العشيرة الديمقراطية”، هي البديل ( للدولة المدنية الديمقراطية المنشودة )، ومؤسساتها الحضارية العصرية، أم أن القادم من الأيام سيرينا أشكالاً جديدة من أنظمة الحكم ونماذج غير معهودة لفدراليات من نمط خاص، وكأن الأمر سعي لتحديث الماضي بما يتطابق وطموحات الحاضر..؟؟!

(*) نص الفقرة ثاثاً من المادة / 43من الدستور الدائم: “تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون وتعزز قيمها الانسانية النبيلة بما يسهم في تطوير المجتمع وتمنع الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان.”
(1) http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=41758  
(2)   http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=26807
(3) http://arabic.cnn.com/2009/entertainment/6/2/honor.killing/index.html