الرئيسية » التاريخ » التجذر التاريخي للأمة الكوردية

التجذر التاريخي للأمة الكوردية

في تناولنا لأخطر وأهم موضوع يتصل بتاريخ الحضارة الموغل في القدم موثقا وبالاستناد إلى دراسات وأبحاث أثرية منهجية ومعللة , كان لابد من وجود من يقف متسائلا عن صحة ومصداقية المعلومات والسير الوردة في هذه الدراسات , وبخاصة فيما يتعلق بأصول وأسلاف الكورد , ودورهم في تاريخ الحضارة الإنسانية , نظرا لما شاب هذا الدور من تعتيم وإغماض متعمدين من جهة, ولما للبحث التاريخي والأثري من خصوصية بالغة تستوجب التدقيق والمراجعة والتأني , وهو ما دعا إليه في مقابلته المسهبة التي أجرتها لافا خالد مع صديق الطفولة الفنان ” بشار العيسى” , ولكنه أنكر أن تكون للكورد ” حضارة عمرها عشرة آلاف عام , وأن يشكل الهوريون والميتانيون والكاشيون .. أسلافا للكورد .. ” دون أن يذكر أي سند علمي يعضد رفضه هذا , مع أن الدراسات الحديثة تثبت ما ذهب إليه الباحث الأثري الألماني ” شتاين هاوزن” , مستندا إلى دراسة قامت بها ” جامعة هايدنبرغ , وبعثتها الأثرية الألمانية على أحد روافد الفرات “دشتا سروجى” , عام 9372/, ونشرت تفاصيل الموقع “نيفالي تشوري” في المجلة الألمانية ” فكر وفن ” العدد/61/, والذي ترجم إلى العربية عام 1989/ ونشرته مجلة الحوار الفصلية التي يصدرها حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا, حيث يضم هذا الموقع التاريخي العظيم مستوطنة كردية – كما نص الباحثون – وجدت النور والحضارة منذ 8200/ ق.م, وهو ما ثبتناه في سلسلة ” التجذر التاريخي , إلى جانب الدراسة الموثقة من البعثة الأثرية الأمريكية إلى منطقة ديريك , والتي نقبت عن متوطنة ” حموكر” لتقر بلغة سكانها في شمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا الحالية “الكوردية” , في بحث البعثة التي نشرتها مجلة الكومبيوتر الصادرة في دمشق, هذه المستوطنة الكوردية الخالصة أقدم من ” نيفالي ” بثماني مئة من السنين عددا, ليصل عمرها إلى أحد عشر ألف عام, دون أن يدفعنا إلى ذلك ادعاء فارغ أو تلمس لعظمة واهمة ومفقودة , تعوض عن نقص أو يأس أو تسييس للتاريخ كما يفعل الآخرون , وما نقله جهابذة العلماء والمؤرخين حول كردية الهوريين وصلتهم بالسوباريين والكاشيين ومعاصرتهم للكردوخ أو بقردا او النايريين والميتانيين, ممن ذكرهم الباحث الأثري الإيطالي ” جورجيو بوتشيلاتي “, ومعاونته ” ماريو كيلي بوتشيللاتي ” , فقد وقفوا- كما نوهنا في بحث سابق – على عاصمتهم ” أوركيش – موزان..”منذ عام 1989/ هؤلاء الجهابذة الذين أشبعوا حضارة هذه الأمة بحثا وتنقيبا, من أمثال ” سبايزر ,ومار, وهوزينغ ,وسيد قمني والميجرسون, ونيكيتين, وسيد عبد الرحيم, وبوتشيللاتي و آ.ولسون … ليأتي ما نقله هؤلاء دراسة وعلما, مما لم يكن زعما ولا وهما , بل كان بحثا تاريخيا خالصا, بدوافع علمية ومنهجية تثبت عراقة هذه الأمة وتجذرها التاريخي وهي تتصل بعمق, بالقبائل والشعوب الآرية والهند أوربية, ممن شكلوا قوامها وعمق انتمائها إلى المجموعة الآريانية الجبلية الزاغروسية, منذ آلاف السنين, مما يقطع بعراقتها وأصالة وجودها , على الرغم من القانون الطبيعي الذي ينتاب الأمم والشعوب والحضارات من تبادل وتناوب , وفتوة ورشد, وفتور ومآل إلى الانحسار.. فالحيوية والتجدد والتفرع بقوة.. كشجرة عظيمة باسقة الفروع عميقة الجذر, مما لا يعيب ولا يمس بامتدادها واستمرارها في الحياة, دون الأخذ بأي طابع استعلائي أو عنصري, ثبت عقمه وفشله وخواؤه, والنفخ في قربه المشروخة أو العزف على أوتاره المضروبة وهو ما نتجنب الوقوع في أوضاره ومثالبه القميئة والمعراة علميا وأخلاقيا .
ولقد صممنا – في رؤية منهجية سابقة – أن نقف على العرض الأثري الميداني الذي دام عدة ساعات برفقة أثرية , وشرح مصور مستفيض في العاصمة ” موزان – أوركيش-“, وما شهدناه من آثار البعثة وحفائرها في تلك التلة الأثرية الطويلة الضخمة على مدى عشرين عاما من الحفر الهادئ والدقيق , وما أهيل عليه من أغطية بلاستيكية وقماشية صائنة وسميكة , تحفظ الآثار المكتشفة من عوامل الطبيعة , بعد أن أزيحت التربة المتراكمة عليها منذ منتصف الألف الرابعة ق. ملتكل كما يقول بوتشيللاتي” واحدة من أقدم الحضارات في سوريا القديمة, وأن هذه التلة المكتشفة هي أثر واضح لمدينة مزدهرة بشكل كامل بحوالي /3500/ ق .م, وأنها كانت أصلا في ذلك الوقت موقع المعبد الكبير, الذي أعطى المدينة شخصيتها في تاريخها اللاحق, حيث ينتهي تاريخ المدينةفي الوقت الذي اختفى فيه الهوريون تماما من التاريخ – مع ظهور الفتح الميتاني العظيم- في الربع الأول من الأفية الأولى ق.م ..” موزان بوصفها أوركيش , الدليل السياحي –بوتشيللاتي ص/1/..” وهذا التاريخ الأخير المقرر فيه بروز التحول الميتاني يتأخر في الزمن عن بعثة النبي الهوري “إبراهيم عليه السلام” بنحو 750 عاما, حيث كانت عقيدته التوحيدية قد ترسخت إلى حد بعيد في المنطقة , إذ لم تتمكن ” الحقبة الآثورية اللاحقة كما يقول الباحث منأن تؤثر قيد أنملة في العقيدة التوحيدية الهورية ” والتي جاء الإسلام تتمة فعلية موسعةلها , ومن خلال أولاد وأحفاد إبراهيم ” ذرية بعضها من بعض “, وقد اهتم المنقبون الأمريكان من الأصول الإيطالية والألمان – على مدى هذه السنين من الوصول إلى مداخل القصر الملكي ومرافقه, وبعض ساحاته واستراحاته ومواقد القصر, ومستلزمات دور الحاشية والخدم والحراس والمحيطين بالبلاط, في تدرج دقيق للعصور, وضعت في لوحات معدنية مصورة بعناية , في طابع مخططات تشرح مراحل العمل الأثري وخطواته العلمية الدقيقة , مستخدمين أدق الوسائل التنقيبية الحديثة , وأكثرها إحاطة بهذا الموروث التراثي العظيم , بالإضافة إلى الوصول إلى بعض المعالم الحضارية والحياتية المتعلقة بنمط العيش والرفاه المتجلى في المدرج الهوري المفضي إلى ساحة مسرح ضخم كشف النقاب عن بعض معالمه بحجارته الكلسية البيضاء والضخمة, منتهية إلى نحو عشرة أمتار تحت المستوى الفعلي للتلة,إلى جانب المجرور المائي الحجري المؤدي إلى متنفسات آجرية دقيقة البناء والرصف بحيث تحول لونها المحمر إلى لون رمادي دون أن يفقد صلادته ومتانة مادته , ودقة متناهية في الرصف الهندسي , ” كما أن لوحات العرض الكبيرة – والتي وضعتها البعثة الأثرية-تروي على التوالي ما في المعبد والقصر ..” دون أن تصل إلى الأعماق المقدرة , والتي لا يزال البحث فيها جاريا و” يمكن للزائر أن يفتح غطاء اللوحات المعدنية المعدة, وكأنه يقلب صفحات كتاب , أو يبحث في محتويات فهرس ” ولكنه فهرس حي وكتاب ميداني مقروء بعناية فوق تلة فسيحة قابعة في شرق مدينة العلماء والأدباء والشعراء “عامودا ” في حضن سهل فسيح مترامي الأطراف يتكئ على سفح سلسلة جبلية عظيمة تصل إلى أعماق طوروس, ليمتد هذا السهل الفسيح إلى قلعة الهوريين ومسرحهم العملاق غربا في جبال عفرين وشرقا إلى طوز خور ماتو ” مدينة الهوريين كما يقول العلامة المؤرخ كمال أحمد مظهر” , حيث يوضح في دراسته التي أحلنا إليها في بحث عائدية كركوك الكوردستانية في كتابه الموثق” كركوك وتوابعها”, وفي بحث خاص كون ” لفظة خور منصرفة إلى حور وكلتا اللفظتين هما مما أطلقه الساميون على الهور والهوريين , وماتو تعني المدينة , أي مدينة الهوريين ..”,وقد تمكن علماء البعثة الأثرية من العثور على “اللقى والألواح والفخاريات التي لايزال البحث حولها مستمرا, وهو مشروع ذو طبيعة تجريبية صمم ليكون مرنا ومتجاوبا بمنهجية علمية تتناسب مع حاجة التغيير مع توفر مزيد من المكتشفات ” كما يقول مسؤول التنقيب والبحث, ومهما حاولنا أن نقرب هذه اللقى الأثرية والمواقع الضخمة الحية والمعثورعليها كشاهد تاريخي شاخص , فإن ذلك لا يغني عن الوصول إلى الموقع, والوقوف بين يدي حضارة شامخة كانت مجهولة إلى حد كبير , وقد آثرنا أن ننقل مخطط المعبد والقصر وأيام أوركيش الأخيرة بشكل مبسط كما ورد في نتائج البعثة الأثرية , بما يعطي فكرة أولية عن الجهود المبذولة , دون أن نغفل أهمية الزيارة الميدانية لمعرفة التفاصيل والإحاطة بها وحجم العمل المتبقى, لإتمام عمل بحثي لا يمكن أن يتكامل إلا مع المجهود العلمي الجماعي, بصبر العلماء ومثابرتهم وتواصلهم .
وفيما يلي مخطط أولي مبسط للموقع :
المعبد :
1 – في مواجهة القرون . 2 – المنظر من عين الطائر . 3 – في مواجهة السمو . 4 – الارتقاء العظيم . 5- معبد الأسد .
القصر :
6 – تسليط الأضواء على القصر . 7 – النزول إلى العالم السفلي . 8 – المشي في جناح خدمة القصـــــر. 9 – جناح الاستقبال في القصر . 10 – القصر الساكن .
أيام أوركيش الأخيرة :
11 – التحول الميتاني العظيم . 12 – منطقة خدمة المعبد . 13 – المدينة من الأعلى . 14 – عودة إلى الحاضر ( موزان/ أوركيش ) .