الرئيسية » مقالات » على هامش انتخابات الرئاسة الايرانية

على هامش انتخابات الرئاسة الايرانية


إن ما هو مشترك بين كل أنظمة الاستبداد، وخاصة أنظمة الاستبداد الديني، هو إصرار أقطابها على أن أنظمتهم تتميز بصفة الخلود والثبات ولا تتغير ولها مباركة من الخالق، ولا تتعرض لأي تهديد يزعزعها أو يطيح بها. ولا يشذ النظام الاستبدادي الديني الحاكم في إيران، الذي يتستر بعباءة التطرف الديني، عن ذلك. فبعد ثلاثة عقود من تربّع المتطرفين من رجال الدين على السلطة في طهران، وتصريحاتهم المتكررة والأكاذيب حول قوة النظام واستقراره وتلوحيهم بالقدرات النووية والعسكرية، يُفاجأ العالم بعد إعلان نتائج انتخابات رئاسة الجمهورية في إيران، بهذا الزخم الشعبي الهائل الرافض لتزوير الانتخابات والرافض لهذا النظام ورموزه. إنه لمؤشر على أن وسط شعبي إيراني واسع يرفض هذا النظام الذي يدّعي الخلود، وإن القاعدة الشعبية للنظام أضحت هشة وينتابها النخر، وأن الأرض تميد تحت أقدام هؤلاء الحكام المولعين بالاستبداد الديني. ولعل ما يؤكد ذلك هو ردود الفعل الهمجية والهوجاء لهذا النظام ضد من بادر إلى الاحتجاج على التزوير ونتائج الانتخابات، ناهيك عن سلسلة الإضرابات العمالية والاحتجاجات الطلابية والنسائية الواسعة التي سبقت ذلك.
سوابق تاريخية
لقد شرع التيار الديني المتطرف منذ الأيام الأولى التي تلت انهيار نظام الشاه في مطلع عام 1979 إلى ترتيب الأوراق كي يشيّد سلطة أزلية له. فقد قام التيار المذهبي المتطرف وعلى عجل بإجراء انتخابات للمجلس التأسيسي لصياغة دستور البلاد. وأعقب ذلك انتخاب مجلس الشورى الإسلامي. وحصل أنصار التطرف الديني على أغلبية بفعل تشبثهم بالشخصية الكاريزماتية للراحل الخميني الذي تعاظم نفوذه بعد الثورة، ومع قدر غير قليل من التزوير، كي يمرروا دستوراً للبلاد على مقاسهم ويؤمن ديمومة حكمهم. ففرض الدستور نظام “ولاية الفقيه” الثيوقراطي الذي حصر كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والجيش والشرطة والأمن والإعلام وحتى تعيين السفراء، وقدر غير قليل من القدرات المالية بيد “المرشد الديني – ولي الفقيه” غير المنتخب من قبل الشعب. وهذا يحدث لأول مرة في إيران


مشهد قديم – جديد لبلطجية النظام الإيراني وحملة الهراوات لقمع أي فكر أو تيار مخالف للحكم الديني المتشدد. المشاهد من الأحداث الأخيرة بعد الانتخابات وصورة الهجوم على الطلبة في جامعة طهران
حيث قام رجل دين بتولي كل مقاليد الأمور في البلاد. ونص الدستور أيضاً على تشكيل “مجلس الخبراء” و “هيئة حراسة الدستور”، وجل أعضائهما من رجال الدين المعينين من قبل ولي الفقيه “رهبر”. وتتحدد مهمات هذين المجلسين في الوقوف بوجه تسرب أي فرد يخالف ولي الفقيه أو أن يسعى إلى تغيير في الدستور. وهذا ما جرى عندما حاول أول رئيس للجمهورية الاسلامية أبو الحسن بني صدر(حصل على 80% من الأصوات) الحد من نفوذ رجال الدين، ولكنه جوبه بهذه القوانين التي أدت إلى إزاحته والنفاذ بجلده بهروبه من إيران.
ولم يقف هذا التيار المتشدد عند هذه النصوص التي تؤمن احتكار السلطة من قبل الطاقم الديني المتشدد، بل راح يُشكل ميليشيات مسلحة، الحرس الثوري، وعصابات مسلحة “چماقداران – حملة الهراوات” بدراجاتهم البخارية التي أصبحت بعد الثورة ظاهرة متميزة لقمع نشاط كل الأحزاب وملاحقة وتصفية منتسبيها. وهذا النهج ما هو إلاّ إحياء لممارسات مماثلة نفذها أسلافهم في عهد مصدق حيث قاموا بحملة اغتيالات شملت وزير خارجية الزعيم الوطني مصدق وهو الدكتور حسين فاطمي، علاوة على مشاركتهم الفعالة في إسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق ومطاردة انصاره في الانقلاب الذي نفذته وكالة المخابرات المركزية من أجل إرجاع الشاه في عام 1952 بعد هروبه إلى بغداد. وبدّل رجال الدين المتطرفون على عجل مهنتهم بعد الثورة الإيرانية المغدورة، وانتقلوا من مهنة الوعظ في المساجد والحسينيات إلى تبوء مناصب حساسة في الحكم وفي دوائر الشرطة والمخابرات والجيش والحرس وفرق التحقيق والتعذيب والمحاكم الصورية غير الخاضعة لأية معايير من القانون المدني. وبذلك تحوّلت الدولة برمتها إلى نظام ديني متطرف هو الأسوء مقارنة بالاستبداد الشاهنشاهي. وقام هؤلاء بالتحريض وشن الحروب والتصفيات في مناطق عديدة من البلاد تقطنها المكونات غير الفارسية في كردستان وتركمن صحرا وخوزستان حيث تسكنه أغلبية عربية.
وجاء غزو صدام حسين لإيران ليشدد من قبضة هذا التيار على مرافق الدولة والنشاط السياسي والاقتصادي في البلاد وتصفية أي مظهر من مظاهر الحريات السياسية والفردية والشخصية في المجتمع. وتصاعد هذ النهج أثناء الحرب ليؤدي إلى تصفيات واعدامات بالجملة لقادة ومنتسبي الحركات السياسية الإيرانية بحيث لم يعد هناك أي حزب قادر على النشاط السياسي في البلاد، مما دفع الغالبية منها إلى الهجرة إلى الخارج. ووصل الأمر إلى حد اتهام أحزاب سياسية عريقة باتهامات باطلة كما حصل بالنسبة لحزب توده إيران الذي اتهم قادته وكوادر له من الضباط في الجيش الإيراني ممن ساهموا بردع غزو صدام وتحرير الأراضي الإيرانية من سطوته، بالتجسس لصالح الاتحاد السوفييتي مما أدى إلى موجة من التعذيب الرهيب والتصفية العشوائية لغالبية قادته وكوادره العسكرية والمدنية. واستمر هذا النهج ليتحول إلى نهج ثابت قائم على التصفيات الجسدية والاعدامات التي شملت غالبية منتسبي الأحزاب السياسية ديمقراطية كانت أم وطنية وقومية وليبرالية ودينية معارضة تحت ذريعة تنظيف السجون من المعتقلين وبدعوى”محاربتهم لله”. واشتد ذلك على وجه الخصوص بعد مطالبة العديد من هذه الأحزاب بوقف الحرب وهذه المجزرة الرهيبة والجلوس إلى مائدة المفاوضات طبقاً لقرارات الأمم المتحدة. كما طال هذا الإرهاب منتسبي المذاهب الأخرى من مسلمين وبهائيين وغيرهم ممن تعرضوا للسجون والإبادة. وفي أثناء الحرب توجه التيار المتطرف إلى تعزيز تشكيلاته المسلحة، فقد وضع الجيش الإيراني في خانة الظنون ليحل محله الحرس الثوري الذي فاق الجيش بعدده وعدته، وتحوّل الآن إلى أضخم قوة بوليسية عسكرية وقمعية في البلاد، بل وتحول إلى حزب سياسي غير معلن له مكتب سياسي يخطط لنجدة ولي الفقيه وبنفذ أوامره في داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى تحوله إلى مافيا اقتصادية تدخل في المنافسات الاقتصادية وفي أهم القطاعات وهي الصناعة البترولية. وتم إسناد هذا الحرس بتشكيلات “التعبئة” وفيالق وتشكيلات مسلحة أصبحت وظيفتها الأساسية الحفاظ على سلطة أبدية للمتطرفين وضمان تحكمهم بالوضع الداخلي ضد أي خطر يهدد سلطتهم في الداخل، وتنفيذ خطط التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تماماً كما حصل عندنا في العراق عندما تفنن النظام السابق بتشكيل الحرس الجمهوري والخاص وفيلق القدس وفدائيي صدام والجيش الشعبي وغيره لنفس الهدف.
وهكذا ولت في مهب الريح كل الآمال والشعارات التي رفعها المواطن الإيراني أثناء ثورة عام 1979 والمتمثلة بالحرية والعدالة واحترام القانون والمساواة بين المواطنين كبديل لاستبداد الشاه. وطغى الاستبداد المذهبي الذي بدا أشد دماراً وقسوة من سابقه. فهو لم يقض على الفقر، بل ضاعفه عبر هدر موارد الدولة، ولم يقض على الفساد الاجتماعي والإداري والمالي وانتشار المخدرات والدعارة بل زادها تفاقماً، ولم يجلب السلام مع جيرانه ومع العالم بل وضع إيران في زاوية التطرف والعزلة الدولية والتدخل الفظ في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بلافتات طائفية لا تجلب سوى التطاحن والصراعات العبثية. ولكن بعد ثلاثة عقود من طغيان هذا الاستبداد ولد جيل جديد يشكل الشباب منه حوالي نصف سكان إيران، هذا الجيل الذي لم يشهد أية مظاهر إيجابية من هذا النظام واحتكاره لكل مرافق الحياة في المجتمع. وهنا يكمن العامل الرئيس في الرفض العارم للشبيبة والنساء على وجه الخصوص لهذا النمط من الحكم ومطالبتهم بالتغيير.
معوقات أمام التغيير
لقد تعذر على المعارضة المدنية وحتى الدينية في إحداث تغيير في طبيعة النظام، بسبب غياب الأدوات الديمقراطية له، وبسبب حجم ماكنة البطش التي أسسها المتطرفون، وتبعثر وعدم تعاون القوى المطالبة بإرساء أركان دولة القانون في إيران. ولم يبق أمام الشعب من خيار سوى التوجه لإحداث تغيير بالاستناد إلى تيارات داخل النظام نفسه بعد أن برزت بوادر تشقق وتناقضات في داخله. وهكذا جرت عدة محاولات من باطن هذا النظام من أجل الإصلاح وترميم جزئي لتوفير قدر من احترام الحقوق المدنية ووقف الفساد في المجتمع ودرء احتمالات انهيار النظام نفسه. وكان أول من نادى بذلك الشخصية الثانية في المؤسسة المذهبية الحاكمة وهو آية الله حسن علي منتظري. فقد حذّر هذا الرجل من جوانب سلبية خطيرة في النظام، ولكن جوبه بالرفض والتكفير ونزعت عنه صفة الوريث للمرشد آية الله الخميني كي يتسنى لفريق التطرف الاحتفاظ بسلطته ونهجه إلى الأبد كما يحلم. وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية تنفس الشعب الإيراني الصعداء بعد هذه المجزرة الرهيبة وانتظر الإصلاح بعد كل الضحايا التي قدمها. ولكن لم يكن هناك امكانية للإصلاح بعد أن شكلت المؤسسة المذهبية الحاكمة مصالح اقتصادية وسياسية لها في هيكل الدولة ومريدين لها في المجتمع، ناهيك عن إجراء عدد غير قليل من التغييرات حتى في الدستور الذي يؤمن احتكارهم للسلطة. وقام هذا الحكم بتركيز السلطة عبر إلغاء منصب رئيس الوزراء، إضافة إلى تأسيس هيئات غير دستورية لتشديد قبضته على الدولة ومرافقها، حيث تم تشكيل “هيئة تشخيص مصلحة النظام” التي أوكلت إلى أحد أقطاب هذا التيار وهو هاشمي رفسنجاني.
ولكن كل هذه التدابير لم تمنع من بروز شخص من داخل المؤسسة نفسها وهو رجل الدين محمد خاتمي ليفاجأ المتطرفين الذين لم يستعدوا للتزوير المطلوب، ويفوز بنسبة كاسحة في انتخابات رئاسة الجمهورية، ويعلن برنامجاً “إصلاحياً” يخفف من القيود الثقيلة على الحريات ويفتح بصيص من الأمل لدى المواطن الإيراني بإحداث تغيير ما في النظام السياسي. ولكن الرئيس الجديد فشل في تنفيذ وعوده الإصلاحية بسبب قيود الدستور الذي وضع كل مصائر البلاد بيد المرشد غير المنتخب ويتجاهل رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة من قبل الشعب. كما أن السيد محمد خاتمي تفادى المواجهة مع المؤسسة المتطرفة “خوفاً” من انهيار النظام الديني. ولم يستند خاتمي إلى القاعدة الشعبية التي انتخبته ويعبئها من أجل إحداث الاصلاح المطلوب في النظام السياسي، أي في مبدأ ولاية الفقيه الذي يعيق المؤسسات المنتخبة من قبل الشعب في أن تلعب دورها المنشود في الأصلاح وبناء دولة ديمقراطية عصرية لا دولة “الديمقراطية الدينية” كما يصفها المتطرفون. وبذلك انعزل السيد محمد خاتمي عن الجماهير التي انتخبته، وفشل في تطبيق برنامجه الإصلاحي في ظل صدامات عنيفة وقمع لأنصاره من قبل مؤسسات القمع التي تمتثل لإرادة المرشد السيد علي خامنئي.
ومن الطبيعي أن يؤدي عدم تحقيق هذه الوعود الإصلاحية إلى قدر من اليأس والسلبية لدى المواطن الإيراني لأمد معين. وهذا ما شهدناه بعد انتهاء مدة فترة رئاسة السيد محمد خاتمي لمنصب الرئاسة. ولكن ذلك لم يؤد إلى إخماد جذوة التغيير والتجديد التي عُرف بها الإيرانيون منذ ثورتهم الديمقراطية الأولى “ثورة المشروطة” في عام 1905 ومروراً بفرض الشعب الإيراني المرحوم الدكتور محمد مصدق رئيساً للوزراء على الرغم من إعفائه من قبل الشاه، واضطرار الشاه إلى الهروب إلى بغداد تحت ضغط الشارع الإيراني. ثم أعقبتها تلك الملحمة الشعبية التي أدت إلى انهيار النظام الشاهنشاهي في إيران في عام 1979.
جذوة الثورة الإيرانية لا تخمد
بالطبع هناك ظرف موضوعي اجتماعي اقتصادي وسياسي داخلي يساعد على عدم خمود جذوة الاصلاح والتغيير والحرية والديمقراطية، وتحرك الشارع الإيراني من أجل إحداث تغيير في النظام الحاكم. فالوضع الاقتصادي تردى بشكل جدي في فترة رئاسة محمود أحمدي نژاد الذي يلقى كل الدعم من ولي الفقيه علي خامنئي. ففي خلال أربعة سنوات من حكمه بلغ مجموع الإيرانيين الذين يعيشون دون خط الفقر 20 مليون نسمة. وبلغ التضخم معدل 25%، والدين الخارجي 26 – 28 مليار دولار. وتراجع الانتاج الداخلي الصناعي والزراعي بسبب دعم حكومة نژاد الواسع للقطاع وللرأسمال التجاري، وفتح الأبواب للاستيراد الأجنبي على حساب الانتاج المحلي خاصة في فترة ارتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية. فالاقتصاد الإيراني تحوّل إلى اقتصاد البازار والدلالة بذريعة وجود النفط الذي تستطيع إيران بوارداته أن تشتري الغذاء وما تحتاجه دون أن تعتمد على صناعة محلية تجلب المشاكل والأضرابات العمالية!!. هذه العقلية تذكرنا بذرائع نوري السعيد حول التردد في بناء مؤسسات صناعية محلية في العراق كي لا يقع النظام في مشاكل ودوامة الإضرابات العمالية!!.
وهذا ما أدى إلى ارتفاع حجم البطالة بوتيرة متسارعة وانهيارات في الصناعة الوطنية، والارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية لمعيشة المواطن الإيراني والذي بلغ 45% في الأشهر الأخيرة، مما ترك آثاراً اجتماعية سلبية خطيرة على الإيرانيين وحفزهم على التصدي لهذه السياسة عبر النشاط السياسي والأضرابي، وخاصة العمالي، الذي تعاظم في ظل حكومة محمود أحمدي نژاد. ومما زاد الطين بلة أن هذا الرئيس قام بجملة من الإجراءات، وبإيعاز من المرشد علي خامنئي، مثل الخصحصة العشوائية لـ 80% من القطاع الحكومي والغاء ادارة التخطيط ومجلس النقد والقروض، مما أدى إلى هدر الموارد بدون رقابة وتخطيط مما أشاع الفساد. فالخصخصة تحولت لصالح الأقرباء والمقربين والمريدين وجشعهم المنفلت في الثروة الوطنية على غرار ما خطط له الشاه في بناء رأسمالية مشوهة للمقربين، والتي لم تدفع بالاقتصاد الإيراني خطوة إلى الأمام. وقد حذر جمع من الأكاديميين في الجامعات الإيرانية والاقتصاديين الإيرانيين في رسالة وجهت إلى المرشد علي خامنئي قبل سنة من مغبة وعواقب هذه الفوضى في السياسة الاقتصادية على مستقبل البلاد.

إن تزوير علي كردان وزير داخلية محمود أحمدي نژاد، الذي أزيح مؤخراً لتورطه في الفساد وتزوير شهادة الدكتوراه وجمعه لثروة كبيرة تبلغ 165 مليار تومان خلال توليه المسؤولية دون مساءلته وتقديمه للقضاء، هو نموذج على الفساد المستشري داخل حكم المتطرفين الدينيين وفي قمته، وانعدام دولة القانون، رغم التكرار الممل لمحمود أحمدي نژاد حول مكافحة الفساد والدفاع عن الفقراء واحترام القوانين. ويعود السبب في كل ذلك إلى غياب الرقابة الشعبية على أداء رجال الحكم وتنكر الحكام لرأي ومشاعر المواطن الإيراني.
هذا النهج الاقتصادي – الاجتماعي لابد أن يقترن بممارسات عنفية للحكم ضد كل من يعارضه، بعد أن طرح المواطن الإيراني الأسئلة حول مصير مئات المليارات من الدولارات من عوائد النفط في ظل ذلك الارتفاع الكبير في أسعار النفط في السوق العالمية في السنوات الماضية، التي لم تؤدي إلى تحسن في ظروف معيشته. فقد بادرت الحكومة إلى قمع الاضرابات العمالية والتصدي لاحتجاجات الفلاحين وقمعت الحركات الطلابية والنسائية وحددت من تلك الحريات المحدودة التي حصل عليها المواطن الإيراني في عهد محمد خاتمي. وكان أكثر ما يقلق الحكومة هو انتشار الصحافة الألكترونية التي لا تستطيع السيطرة عليها وتقنينها، ولذا صبت كل جام عسفها على الصحافة المحلية، حيث جرى توقيف أكثر من 14 صحيفة واعتقال وسجن محرريها باتهام التواطؤ مع “الاستكبار العالمي” أو “إسرائيل”.
وهناك عوامل داخلية أخرى تتمثل في التصدع الخطير ولأول مرة في مؤسسات التطرف الديني الحاكم في إيران. فعلاوة على الموقف المعارض والخافت لكبار آيات الله في إيران، والتصدي والمعارضة الواضحة لآية الله حسن علي منتظري الذي كان أحد أعمدة النظام في السابق،يأتي الآن هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام وأفراد عائلته ليلقوا بثقلهم عملياً ضد المرشد علي خامنئي، ومهدي كروبي وناطق نوري (كان مرشح المتطرفين في مقابل محمد خاتمي في السابق)، ووسط واسع من رجال الدين في قم ومشهد وتبريز، ناهيك عن معارضة القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي. وبلغ الأمر بهذه التناقضات أن تطفو على السطح وعلى شاشات التلفزة ليتهم الطرفان أحدهم الآخر تارة بالفساد ونهب المال العام أو الكذب في سابقة لم تحدث منذ ثلاثة عقود من حكم التطرف الديني. فلم تعد التناقضات والمؤآمرات بين الفئة الحاكمة حبيسة دهاليز هذا التيار المتطرف، بل طفت على السطح مما ألحق أضراراً جدية بسمعة وهيبة أدعياء الزهد والأمانة. هذا التطور شجّع بالطبع أنصار الأطراف المعارضة كي توحد صفوفها وتلقي بثقلها بإتجاه الاصلاح. وهذا ما دفع حتى الكثير من الأحزاب التي دعت في البداية إلى مقاطعة الانتخابات، إلى المشاركة وحتى التصويت لصالح مير حسين موسوي كمؤشر على رفضهم للاستبداد الديني ومرشحه محمود أحمدي نزاد.

جيل الشباب إلى جانب التغيير والإصلاح
كما تأتي الموجة الفتية نحو الديمقراطية في المنطقة لتعزز قناعات الناخب الإيراني في الاصلاح والديمقراطية. فالانتخابات المتتالية في العراق رغم نواقصها، وتراجع العامل الطائفي والخطاب الديني لصالح الخطاب الوطني، ترك وسيترك آثاراً إيجابية على وعي الرأي العام الإيراني ويزيده ثقة بفشل مشروع “ولاية الفقيه” أو ما يطلق عليه بـ”الديمقراطية الدينية”. كما جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة في لبنان وفشل أنصار “ولاية الفقيه” في لبنان في كسب غالبيية الأصوات رغم الدعم المالي والسياسية الإيراني الواسع لأنصاره في لبنان، ليزيد من ثقة المواطن الإيراني بإمكانية الاصلاح والخلاص من القيود المتشددة التي يفرضها حكم ولاية الفقيه في إيران. ولا بد من الإشارة إلى أن تعاطي الإدارة الجديدة للولايات المتحدة مع الشأن الإيراني اتسم باحترام إرادة ومشاعر الشعب الإيراني وبالهدوء وعدم التحريض وتفادي التدخل النشاز في الشؤون الداخلية، خلافاً لخطاب إدارة بوش السابقة. وتبين ذلك في الرسالة الشهيرة التي وجهها الرئيس الأمريكي الجديد أوباما إلى الشعب الإيراني في عيد النوروز، إضافة إلى الموقف المتأني من انتخابات الرئاسة الإيرانية الجديدة، مما سحب البساط من تحت المتشددين الذين يلقون بوزر كل إخفاقاتهم على “الشيطان الأكبر”. كل هذه العوامل الاقليمية والخارجية صبت في صالح طموح الشعب الإيراني في التغيير الموعود.
توقعات حول نتائج الانتخابات
ومن هنا فقد استبعد الكثير من المراقبين الإيرانيين والأجانب احتمال فوز محمود أحمدي نژاد في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة الإيرانية، بسبب التغيير في المزاج الجماهيري والتوتر الاجتماعي والسياسي الذي ساد البلاد. وأدرك المتشددون أيضاً هذا الاحتمال، وبادروا إلى تحشيد قواهم واتخاذ كل التدابير بما فيها التزوير الذي مورس في كل الانتخابات السابقة باستثناء انتخاب محمد خاتمي، لمنع أية نتيجة في غير صالح المتشددين على غرار انتخاب الإصلاحي محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية في السابق. وكخطوة أولى، حذف مجلس حراسة الدستور كعادته في الممارسة غير الديمقراطية لأقطاب النظام أسماء غالبية من تقدم



مشاهد من الحملة الانتخابية الأخيرة لمير حسين موسوي
للترشيح إلى الرئاسة بذريعة عدم صلاحيتهم للمشاركة في الانتخابات!!. فقد تم حذف 471 من المرشحين بما يتناقض حتى مع مواد الدستور الذي حرره المتشددون، وأبقي على أربعة أسماء وهم مهدي كروبي ومهدي رضائي ومحمود احمدی نژاد ومير حسين موسوي*.
إن توقع العديد من المراقبين خسارة محمود أحمدي نژاد يستند إلى طبيعة مكونات المجتمع الإيراني. فالمكون الآذري الذي يشكل 17% لابد وأن يصوّت للسيد مير حسين موسوي الآذري المنحدر. كما لا يمكن بصورة عامة أن يصوّت الأكراد ولا العرب ولا البلوش ولا التركمن ولا الأقليات الدينية والأثنية، الذين يشكلون أكثر من 20%، لمرشح مؤسسة التطرف الحاكم بسبب ممارساتها الإقصائية والقمعية ضد هذه المكونات. ولا تصوّت غالبية من الطلبة والنساء والعمال والفلاحين لسياسة جرّت البلاد إلى الهاوية بفعل مأزق النهج الاقتصادي والهدر لموارد الدولة والفساد والمصروفات الباذخة على أتباع هذا النظام في لبنان وفلسطين والعراق وأفعانستان ودول أخرى وبمبالغ خيالية، وكما قال مير حسين موسوي “إن إيران أعز من لبنان وغزة”. كما لا يمكن أن تصوّت الغالبية لصالح من هدر ثروة الدولة على المصروفات العسكرية الي ترهق كاهل المواطن الإيراني. ولا تصوّت الغالبية من الإيرانيين في الخارج، الذين هاجروا جراء طغيان النظام والبالغ عددهم بين 4 – 5 ملايين فرد، لصالح رموز التطرف الديني. لقد تابع الجميع سواء في داخل إيران أو خارجها حجم التأييد الذي تمتع به مير حسين موسوي الذي وعد الناخب الإيراني والمرأة الإيرانية بالحد من الضغوط التي يفرضها التيار المتشدد على الحريات الفردية، والخروج من الضائقة الاقتصادية.
لابد من تزوير إرادة الشعب
فكيف حصل محمود أحمدي نژاد على هذه النسبة العالية من الأصوات التي تقدر بـ 62.63% من الأصوات؟؟. تشير مصادر مطلعة شاركت في متابعة الانتخابات إلى أن من فاز في الانتخابات هو مير حسين موسوي وليس محمود أحمدي نژاد. ولكي نقترب من ذلك دعونا نلقي نظرة على الجدول التالي ليتم مقارنة بين مصادر وزارة الداخلية الإيرانية وبين أرقام مصادر ما يسمى بـ”الموجة الثالثة” التي قدمت أرقام تقريبية لنتائج الانتخابات:
نتائج الانتخابات
ارقام تقديرية حسب مصادر مرشحي الرئاسة “الموجة الثالثة” حسب مصادر وزارة الداخلية المرشح
% عدد الاصوات % عدد الاصوات
28% 10500000 62.63% 24527516 محمود احمدي نزاد
57.2% 21300000 33.75% 13216411 مير حسين موسوي
6% 7200000 1.73% 678260 محسن رضائي
2.2% 2700000 0.85% 333635 مهدي كروبي

كما أنه من المشكوك فيه أن يكون مجموع من شارك في هذه الانتخابات هو بين 81% – 85% ممن يحق لهم حسب مصادر وزارة الداخلية، علماً أن انتخابات عام 2005 لم يشارك فيها إلاّ قرابة 60%. لقد قدم المرشحون الثلاثة الآخرون اعتراضات تشير إلى أن جميع صناديق الانتخابات لم يتم فحصها قبل الانتخابات ليتم التأكد من خلوها من أية أوراق انتخابية قبل الاقتراع. وقد اعترفت حتى المصادر الحكومية أن 170 من الصناديق التي تم فحصها قد ثبت أنها تحتوي على أوراق انتخابية تفوق عدد الناخبين في الدوائر الانتخابية التي توجد فيها هذه الصناديق. وقد أكد ذلك عباس علي كدخدائي الناطق بأسم مجلس الحراسة في تلفزيون الجمهورية الإسلامية مشيراً إلى أن عدد الأراء التي وضعت في صناديق الاقتراع في 50 من المدن الإيرانية تزيد على عدد الناخبين بمقدار 140%، أي ما مقداره أكثر من 3 ملايين صوت مزور.
كما وجد أن عدد الأصوات التي رُميت لصالح محمود أحمدي نژاد في تلك الصناديق تفوق بمقدار الضعف عن الأصوات التي حصل عليها مير حسين موسوي. إن هذه الممارسة هي ليست بالجديدة في تاريخ الانتخابات الإيرانية خاصة وإن هناك تقليد في الانتخابات الإيرانية هو وجود ما يسمى بالصناديق المتنقلة. ففي الانتخابات الأخيرة خصص 14000 صندوق متنقل من أصل مجموع الصناديق البالغة 46000 والمخصصة للاقتراع، التي يتم حشر أعداد من أصوات الناخبين دون ضوابط في ظل انعدام سجلات معترف بها للناخبين، والاعتماد فقط على من يحمل وثيقة الجنسية الإيرانية. ولا توجد هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات، حيث تقوم وزارة الداخلية التي يديرها عملياً ولي الفقيه، بإدارة الانتخابات وكل تشعباتها، وبذلك يصبح التزوير سُنّة من سُنن هذا النظام.
وفي المذكرة التي رفعها مير حسين موسوي مرشح انتخابات الرئاسة إلى مجلس الحراسة يُشار فيها إلى الانتهاكات والتزوير الذي رافق عملية الاقتراع، ويقول إن وزارة الداخلية لم تصدر البطاقات اللازمة لممثلي المرشحين للإشراف على سير الانتخابات وعلى صناديق الاقتراع، ولذا لم يشارك عدد كبير من ممثلي المرشحين في عملية فرز الأصوات وفي الإشراف على نقل صناديق الانتخابات إلى مراكز الفرز. وكان من المفترض طبع 45 مليون من أوراق الاقتراع بالتناسب مع عدد الناخبين الإيرانيين الذين يحق لهم المشاركة في العملية الانتخابية. ولكن عند فرز الأصوات وجد إن ما طبع من أوراق الاقتراع يزيد على 60 مليون، وهو ما يزيد بمقدار 15 مليون ورقة عن عدد الناخبين.
لقد شارك ممثلو الحكومة الإيرانية كمراقبين في الانتخابات المتعاقبة التي جرت في العراق بعد انهيار الطغيان وفي الانتخابات الأفغانية وأخيراً في الانتخابات اللبنانية، ولكن حكام إيران يرفضون بإصرار وجود مراقب أجنبي للاطلاع على سير الانتخابات الإيرانية. وعرقلت الحكومة الإيرانية في الانتخابات الأخيرة مهمة الصحفيين الأجانب وحتى الإيرانيين لتغطية هذه الانتخابات.
إن أبسط دليل على تزوير الانتخابات هو إقدام الحكومة على تعطيل كل شبكات الاتصال من تلفونات وشبكات الانترنت و أس أم أس قبيل الانتخابات وبعيد إعلان نتائجها، وهو إجراء لم نشهد له مثيل إلاّ في مناسبات الانقلابات العسكرية التي شهدتها بلداننا.
ماذا وراء الكواليس؟
لا يمكننا أن نتابع مجريات العملية الانتخابية في إيران دون السعي للنظر إلى ما يجري في الكواليس وما يتسرب منها من معطيات. إن من يدير الحكم بالفعل هما منظمتان ارهابيتان هي منظمة “الحجتية” و”المؤتلفة”، اللتان تديران عملياً كل الأجهزة القمعية في البلاد وهي التي تخطط للاغتيالات وتصفيات الخصوم والمنافسين وتجند “البلطجية” في شوارع المدن الإيرانية، دون أن يكون لها حضور رسمي في الانتخابات أو في الحياة الحزبية الرسمية. فكل شىء يدار خلف الكواليس وعلى طريقة المتطرفين الدينيين في القرون الوسطى في أوربا. ويبدو إن أحد الخلافات في المؤسسة الدينية تتمحور حول من سيتولى منصب ولاية الفقيه بعد رحيل محتمل للسيد علي خامنئي. وهنا يتصارع بشكل محموم كل من هاشمي رفسنجاني ورجل دين ثري متطرف مدعوم من الطرفين المتشددين المشار إليهما أعلاه وهو محمد تقي مصباح يزدي المعروف بـ”التمساح”**، أي بين جناحي رجال الدين المتطرفين، الدين الرجعي كما يصطلح عليه الإيرانيين، الذي يدعم الرأسمال التجاري ( مصباح يزدي) وسيد محمود شاهرودي ذي الأصول العراقية ورئيس السلطة القضائية، وبين آخر (رفسنجاني) يدعم الرأسمال غير التجاري في الميدان الإقتصادي. ويصطف جمع من رجال الدين بين هذين التيارين. وقد برز ذلك بشكل واضح في المظاهرات التي أمتدت لأول مرة في أوج التنافس الانتخابي إلى مدينة قم مركز رجال الدين في إيران. ويدعم كلا القطبين “حيتان” الاقتصاد الإيراني، التي تتصارع حول الوجهة التي تخطوها البلاد على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يكمن سر تلك الفجوة والحدة في الصراع داخل المؤسسة الدينية الحاكمة. ولا يخلو المشهد هذا عن سعي “الحجتية” و”المؤتلفة” حتى إلى تسريع عملية اختيار المرشد ليجلس محمد تقي مصباح يزدي على كرسي “رهبر” باعتباره “الأصلح”من وجهة نظر هذين التيارين.
ومن اللافت للنظر في أثناء الحملة الانتخابية وبعدها هو الشعار الذي رفعه المواطنون الإيرانيون “مرگ بر ديكتاتور”أي “الموت للديكتاتور”. وهو شعار يرفع لأول مرة في الشارع الإيراني وبهذه الكثافة وموجّه بالأساس ضد موضوعة “ولاية الفقيه”، التي يصادر بموجبها ولي الفقيه غير المنتخب آراء الناخبين ويحتكر كل السلطات بيده بغض النظر عن نتائج الانتخابات. إن رفع هذا الشعار يعبر عن وعي سياسي رفيع لجذر المشكلة المتمثلة في احتكار رجل الدين للسلطة وتطبيق ما يسمى بـ”الديمقراطية الدينية” المعادية للديمقراطية. إن المقصود بالديكتاتور هنا ليس محمود أحمدي نژاد ولا حتى السيد علي خامنئي بل النص الذي حشر في الدستور الإيراني والذي يعارضه الآن حتى آية الله حسن علي منتظري، الذي

المرأة الإيرانية في الميدان:”إننا شوكة في عين الديكتاتور”
ساهم بعد الثورة بنشاط في صياغته. إنه رفض للاستبداد الديني الذي قال عنه المرحوم آية الله سيد محمود الطالقاني لكاتب هذه السطور بعيد انتصار الثورة الإيرانية بأنه “أسوء أشكال الاستبداد”.
ردود الفعل على النتائج
لأول مرة تخرج الجماهير الإيرانية وبهذه الكثافة والقوة احتجاجاً على تزوير الانتخابات والمطالبة بإعادة فرز الأصوات أو إعادتها منذ انتصار الثورة الإيرانية قبل ثلاثة عقود. فقد زوّرت الانتخابات في السابق ولم يخرج الناخب الإيراني إلى الشارع وبهذه الكثافة مطالباً

مظاهرات تندد بتزوير الانتخابات في كل من العاصمة طهران والعاصمة التاريخية إصفهان
“بمصير صوته”. وقد طالت الاحتجاجات مدن وقصبات لم يكن لها أي تحرك أثناء ذلك الإعصار الشعبي الذي حاصر نظام الشاه وأطاح بكرسي عرشه في عام 1979.
وتميزت المظاهرات والاحتجاجات بكونها أكثر تنظيماً من أية احتجاجات سابقة، ومدعومة من قبل مرشحا رئاسة الجمهورية، مير حسين موسوي ومهدي كروبي، اللذين يطالبان بإعادة الانتخابات، واصرارهما على المضي في الحركة الاحتجاجية. وهذا ما لم نشاهده من قبل الرئيس الاصلاحي السابق السيد محمد خاتمي رغم الانتهاكات ضده وضد أنصاره. كما بادر العديد من كبار رجال الدين إلى الضغط على الحكم لوقف العنف والقبول بإرادة الشارع الإيراني المطالب بإلغاء التزوير في العملية الانتخابية، كما برز ذلك في تصريحات هاشمي رفسنجاني وصانعي. والتزم فريق واسع من كبار رجال الدين الصمت ولم يباركوا نتائج الانتخابات وتنصيب محمود أحمدي نژاد من جديد.
أما على النطاق الإقليمي والعالمي الرسمي والشعبي، فاتسمت ردود الفعل بالسلبية تجاه إعادة تنصيب الرئيس السابق، والتعاطف مع الرأي العام الإيراني الذي احتج على التزوير وضد العنف. ولم يشذ عن هذا الموقف سوى الرئيس الفنزويلي خافيز الذي دافع بحرارة عن إعادة تنصيب محمود أحمدي نژاد، والحكومة الروسية التي تحصل على الأرباح جراء بيع الأسلحة إلى إيران. أما على النطاق غير الرسمي فقد انبرت المنظمات التي تعتاش على “صدقات” النظام الإيراني بالترحيب بهذا التنصيب والتنديد بالمعارضة التي أتهمت بالعمالة “للاستكبار واسرائيل!!” كما جرت العادة. وتصدر هذا الموقف حزب الله في لبنان وحماس في غزة والسيد صدر الدين القبانجي في النجف في العراق في خطبة الجمعة حيث”استهجن ما ينقله الإعلام من صور الشرطة، معتبراً ذلك انه لا يساوي واحداً في المائة مما يوجد في العالم الغربي أثناء خروج المظاهرات التي تستخدم ضدها حتى الكلاب البوليسية، مؤكداً ان ما جرى في إيران حرية سياسية بأحلى صورها!!” ولسان حاله يريد أن يطبق هذه الممارسة في العراق، رغم ما عرضته وسائل الإعلام من ممارسات غير إنسانية وقاسية للحكام المتطرفين ضد الشعب الإيراني تتناقض مع أبسط مظاهر الحرية السياسية والرحمة المفترض أن يدعو إليها رجال الدين.
آفاق
إن كل ما تطرحه الحركة الشعبية الراهنة المعارضة هو الاصلاح ووقف التزوير واحترام رأي الشعب. ولم يرد على لسان أقطاب الحركة وبشكل علني مهمة التغيير الجذري للنظام الثيوقراطي أو الإطاحة به. وفي هذا الإطار سوف لا يستطيع الحكم أن يُمعن في البطش خاصة وإن هذا الشعار جمع وسطاً واسعاً من الإيرانيين من شتى الميول والأقوام والمذاهب في حركة شملت كل زوايا المجتمع الإيراني وبإسلوب سلمي. في حين أن المؤسسة الدينية قد أصابها الهلع والتصدع والتناقضات تدب فيها وخسرت الكثير من الهيبة والمكانة خاصة عندما توجه ولي الفقيه – علي خامنئي بكل ثقله لمساندة تنصيب محمود أحمدي نژاد في دورة جديدة والتغطية على التزوير والتهديد العلني في خطاب يوم الجمعة بالضرب بيد من حديد على كل من يعترض على ذلك. وهكذا فقد المرشد “الدور الأبوي” الذي كان يسعى إلى أن يمثله في مراحل سابقة على الأقل من الناحية الشكلية. ولم تعد محاولة تزيين هذا الحكم بتعاويذ مذهبية أو روحية أو صف المرشد على أنه نائب “الأمام المنتظر” تجدي نفعاً، بعد أن كشّر هذا “النائب” عن أنيابه ولم يعد نائباً للأمام المنتظر الذي ينتظر منه المؤمنون أن يأتي ليُشيع العدل والإنصاف ويزيل الظلم عن عالمنا وعن كاهل البؤساء فيه. فغالبية المؤمنين الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع يطالبون بوقف التزوير والإصلاح وليس أن يوجه “النائب” المزعوم رصاص الغدر من قبل الحرس و”البسيج”.
إذن لم تعد لهذه اللعبة و”الهالة” ذلك الدور الذي لعبته في الأيام الأولى من الثورة وفي ظل الراحل الخميني. وهذا ما سيترك تدريجياً آثاراً معنوية تنخر في المؤسسات القمعية التي صنعها المتطرفون لحماية مناصبهم، ويخفف من حماس أفرادها في الدفاع عن هذه المؤسسة الدينية الحاكمة، تماماً كما حصل في أيام الشاه الأخيرة عندما تخلى الجيش والأجهزة القمعية عن فعل شئ لحمايته. ومتى ما استمر الحكم في البطش والعنف ومتى ما يزداد إصرار الحركة الإصلاحية على مواقفهم في استرجاع حقوق الناخب الإيراني، فسيزداد انهيار المؤسسة القمعية وما تبقّى من المؤسسة الدينية التي تدعم الاستبداد الديني الحاكم في إيران. نعم ربما سيستطيع الحكم لحين في عرقلة الحركة الإصلاحية، ولكنه لا يستطيع أن يخمد جذوتها التي ترسخت أكثر في الأيام الأخيرة. إنه من الصعب التنبؤ بمسار الحركة الإصلاحية والأساليب التي يتبعها الحكم في معالجة مأزقه. إلا أن من الممكن التنبؤ بأن مسار الديمقراطية في إيران والمنطقة يحث الخطى تدريجياً نحو تحرير شعوبنا من كوارث الاستبداد بشتى ألوانه.
25 حزيران 2009 adelmhaba@yahoo.co.uk
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مير حسين موسوي: ولد في مدينة خامنه في آذربايجان إيران في 29 أيلول عام 1942. حصل على شهادة الماجستير في الهندسة المعمارية وهندسة المدن في عام 1965. كان في بداية نشاطه السياسي على صلة بحزب “نهضة الحرية” وتأثر بالمفكر الاسلامي علي شريعتي. وساهم في تأسيس “حركة المسلمين المناضلين” بزعامة الدكتور حبيب الله پيمان. تزوج من الفنانة التشكيلية النحاتة الدكتورة زهرا رهنورد. ساهم في النشاطات التي رافقت الثورة الإيرانية عامي 1978 -1979. ومع تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي بعد الثورة أصبح السكرتير السياسي للحزب ورئيس تحرير جريدة “جمهوري إسلامي”، ثم تولى منصب وزير الخارجية في عهد رئيس الوزراء محمد علي رجائي. وبعد إغتيال محمد علي رجائي في عام 1982،وفي خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية اختاره مجلس الشورى الإيراني لمنصب رئاسة الوزراء، رغم خلافاته مع السيد علي خامنئي خلال ثمانية سنوات من توليه المسؤولية في عهد الأمام الراحل الخميني الذي كان السند له، ولكن بعد وفاته فقد موسوي هذا السند وأقيل من منصبه. أختير مستشارأ لرئيس الجمهورية علي أكبر رفسنجاني ثم مستشاراً لمحمد خاتمي. وبعدها عمل كرئيس لمجمع الفنون الجميلة الإيرانية، وساهم في التدريس في بعض الجامعات الإيرانية.
محمود أحمدي نژاد: ولد في عام 1957 في مدينة گرمسار في محافظة سمنان، وأنهى جامعة العلوم والصناعة في فرع الهندسة المدنية. أنضم إلى المجموعات الطلابية الموالية للأمام الخميني قبل الثورة. شارك فيصفوف الحرس الثوري أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وبعد انتهاء الحرب عاد إلى الجامعة للتدريس والحصول على شهادة الدكتوراه في نفس الفرع. تولى مسؤلية أمانة مدينتي خوي وماكو في آذربايجان، وعين لاحقاً محافظاً لمحافظة أردبيل. وتولى بعد أربع سنوات مسؤولية أمانة العاصمة طهران. شاركفي انتخابات رئاسة الجمهورية في عام 2006 وحصل على 5 ملايين و 700 ألف صوت ليأتي بالمرتبة الثانية بعد هاشمي رفسنجاني. وبالنظر لعد حصول الأثنين على الأصوات اللازمة، فقد جرى تجديد الانتخابات حيث فاز محمود أحمدي على خصمه هاشمي رفسنجاني بعدد الأصوات. كان من المتهمين بقتل الدكنور كاظم سامي أحد زعماء التيار الديني – الوطني المعارض للتيار المحافظ الحاكم في أوج الحملة التي شنها هذا التيار لاغتيال المعارضين الإيرانيين.
مهدي كروبي: درس في الحوزة العلمية في عقد الخمسينيات من القرن الماضي. ةاستمر في دراسته في جامعة طهران ليحصل على درجة في العلوم الدينية. وخلال عهد الشاه كان من المشاركين في حركة المعارضة الدينينة التي تزعمها آية الله الخميني. بعد الثورة الغيرانية انتخب نائباً عن مسقط رأسه مدينة أليگودرز، وأختير ليكون نائباً لرئيس مجلس الشورى الإيراني. وتولى عدة مناصب في المؤسسة الحاكمة الإيرانية ثم أختير رئيساً للمجلس بعد وفاة الخميني. انضم إلى صفوف الاصلاحيين بزعامة محمد خاتمي، إلا أن علافقته انفصمت بعد توجيه الاتهام له باستلام مبلغ 300 مليون تومان من أحد المتهمين بالتلاعب بالمال العام. رشح نفسه في الانتخابات السابقة إلاّ أنه فشل مما دفعه إلى تشكيل حزب جديد “الاعتماد الوطني” كي يعود من جديد ليتنافس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
محسن رضائي مير قائد: ولد في ضواحي مسجد سليمان في الأول من أيلول عام 1955. درس في جامعة العلوم والصناعة في فرع الهندسة الميكانيكية، وساهم في النشاطات المعاضة المسلحة ضد نظام الشاه. وتولى بعد الحرب العراقية الإيرانية قيادة الحرس الثوري الإيراني. بعد الحرب عاد من جديد إلى مقاعد الدراسة ليحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد. طلب اعفائه من العمل العسكري ليشارك في النشاط السياسي، ورشح كنائب عن مدينة طهران. ولكنه فشل لكونه كان محسوباً على التيار الديني المتطرف. منذ عام 2007 صدرت بحقه مذكرة اعتقال من قبل البوليس الدولي باتهام مشاركته في تفجير المركز الثقافي اليهودي في بوينس آيرس في الأرجنتين.
**محمد تقی مصباح یزدی: أحد أبرز منظري الاستبداد الديني في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعضو مجلس الخبراء وأحد أساتيذ الحوزة الدينية في قم، وعضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية ورئيس المجمع العالمي لأهل البيت. ولقد اشتهر بسبب حمايته المطلقة لمحمود أحمدي نزاد، بكونه أحد تلامذته، ومخالفته الشديدة للحركة الأصلاحية بزعامة رئيس الجمهورية السابق محمد خاتمي. كما إشتهر بكونه أحد المدافعين عن حملات القتل ضد المثقفين الإيرانيين والمعروفة “بالقتل الزنجيري”. ففي كانون الأول عام 2000 نشر الإصلاحي أكبر غنجي كتابا اتهم يزدي باصدار فتوى كانت وراء تصفية كتاب وصحفيين معارضين جسديا، وذكر فيه أن آية الله مصباح يزدي أصدر فتوى تجيز ذلك.
كما تتهمه اوساط المعارضة بإصدار فتوى لإغتيال عدد من الإشخاص في مدينة كرمان.
ومعروف عن مصباح يزدي معارضته لمبدأ الجمهورية الإسلامية حيث يؤكد في المقابل على قيام الحكومة الإسلامية، وقال في إحدى خطبه بأن الشعب (يعين الولي الفقيه ولا يعينه). ويعتبر الولي الفقيه حكما ينوب عن المهدي المنتظر، لذا لا يجوز إختياره بواسطة الشعب . ودافع مصباح يزدي مراراً وبوضوح في أحاديثه عن تفيذ الإعدام في من يعتبرهم مرتدين، حيث طالب ذات مرة في رسالة بعثها إلى المرشد علي خامنئي بتفيذ حكم الإعدام في الإصلاحي هاشم آغاجری، ورجل الدين احمد قابل.
وتتهم اوساط اصلاحية مصباح يزدي بإصدار فتوى تجيز التزوير في الإنتخابات لصالح أحمدي نجاد . ويتحكم بمبالغ مالية ضخمة ولهذا أطلق عليه الإيرانيين لقب “تمساح” وليس مصباح.