الرئيسية » شؤون كوردستانية » الجرح الغائر .. هل يندمل ؟!!

الجرح الغائر .. هل يندمل ؟!!

إذا أدركنا أن من طبيعة المجتمعات الإنسانية أن تتنوع وتتعدد في الانتماءات والمشارب والمصادر, وفي الأعراق والأجناس والأنساب, وفي المذاهب والأديان والاتجاهات.. فإن من شأن هذا التنوع وذلك التعدد أن يشكل عامل معافاة وصحة , وسببا من أسباب الثراء الإنساني, كما أسلفنا في أكثر من بحث ودراسة, للوقوف على إيماءات ذلك الثراء والغنى وإيحاءات التنوع ومعانيه الكبيرة في الثروة الحضارية الضخمة والتراث الإنساني العريض , وهو ما أشادت به , ونوهت إلى ضرورة الحفاظ عليه وتنميته الشرائع السماوية والنظم والدساتير الوضعية , وما جهدت من أجله وجاهدت في سبيل إقراره وإعزازه المنظمات الدولة , ولجان حقوق الإنسان والحريات العامة والمحامون والقضاة الدوليون, وما دافعت عنه الأنظمة الديمقراطية , وحاولت جميعها صيانة حق الإنسان في أبسط ما يميزه ويرفع من شأنه ومقامه , بما له من لغة وثقافة وتراث وعادات وقيم وأعراف , تتكامل في ظل التواصل الوجداني بين الأمم والشعوب في التقارن والتقارب والتنوع والاختلاف لتهب الإبداع الإنساني بعده, وتعطيه القدرة على الرفادة والوفادة والتداخل والتمازج في الآداب والفنون والمعارف والعلوم والمناهج وسائر ميادين الابتكار والبحث ووسائلهما, وهو من أسرار الإبداع وجماله وروعته في البقاء والاستمرار والنضج والتكامل والانفتاح على أسرار وسنن الكون والنفس والحياة وتحديات الوجود والامتداد الحضاري وآفاقه .
ومجتمعنا السوري واحد من تلك المجتمعات الإنسانية , ينطبق عليه من القوانين الطبيعية ما ينطبق على سائر المجتمعات , بل هو واحد من أقدم المجتمعات التي أفرزت حضارات وقيما وتراثا غنيا شكلت أساسا واضح المعالم لذلك التراث منذ بدايات التشكل الحضاري مما وقفنا عليه موثقا في أكثر من حلقة , مما يومئ إلى ضرورة الوقوف على واقعه وتحليل ما هو عليه , وما ينبغي أن يكون عليه ومتطلبات الاستحقاق الوجودي والحضاري المتنوع والثري , والذي يفترض أن يراعي واقع التعدد الإثني والفكري والمذهبي , وأن يخضع في اعتباراته وتصوراته ومعاييره لواقع التنوع بغية الارتقاء بمجتمعه إلى ذلك الثراء الإبداعي الذي تفرزه المجتمعات الغنية في تراثها وقيمها وثقافاتها, بعكس ما نشهده ونعاني منه من التنكر والإعراض وقهر التنوع, وإلزام المجتمع السوري بصيغة أحادية عروبية التوجه والانتماء و المعتمد على منطق القوة وعدم الاعتبار بالآخرين, وفرض لمعايير ومقاييس مفصلة على ذلك التقدير, ووفق تلك الاعتبارات والمقاييس , مما يوقع في الارتباك والبلبلة ويقود إلى حالة من الإنكار , تفضي بالضرورة إلى شطب مكونات وعناصر أصيلة وفاعلة منذ فجر التاريخ ونشأة المجتمع الإنساني, وما يعنيه هذا الشطب وذلك الإقصاء من عواقب وارتدادات نفسية واحتقانات وقمع لكل متطلبات الوجود الإنساني واستحقاقاته الدستورية والقانونية, من حقوق تتماشى تماما مع حجم الواجبات الوطنية والتضحيات الكبرى لمجمل تلك المكونات والعناصر وبخاصة الشعب الكوردي في سوريا, وما تتحمله تلك الرؤية الإقصائية القاصرة من تبعات وآثار ذلك على الوحدة الوطنية وقيم المواطنة وحقوقها ومعاييرها الدولية والشرعية المعتمدة , والنواظم القانونية والتشريعية, والحقوق الإنسانية المقررة, والتي تعتبر بحقوق الأفراد والجماعات في التعبير والاعتقاد والعمل وكسب الجنسية والتعامل على أساس العدل والتكافؤ والبعد عن التمييز بسبب من عرق ولون , وهو ما يحصل بحق هذا الشعب الوطني والمكافح بشطبه وإنكار وجوده واعتبره مهاجرا ومقتلعا , بل يزداد الأمر عنتا وبعدا عن الحق والواقع , إلى سن قوانين ومشاريع استثنائية , مرت عليها عقود وهي تزداد وتشتد وتمعن فيها القبضة الأمنية تضييقا وحصارا وإفقارا ومحاربة للرزق وتضييق سبله والدفع بالناس إلى الهجرة الداخلية والخارجية , وهي من الحالات المتدرجة التي أوصى بها الفاشي العنصري ” محمد طلب هلال” في مشروعه العنصري الذي وصم الشعب الكوردي في سوريا بأشنع النعوت وأشدها قبحا ونكرا, في استعداء لهذا المكون الأصيل وحقد عنصري قل نظيره في التاريخ , بدعوة صريحة ومعلنة إلى اقتلاع الوجود الكوردي , وطرح مقدماته في ” التجويع والتجهيل والتشريد وإشاعة الفتن بين العرب والكورد وعسكرة المنطقة, وجلب قبائل عربية وتوطينها في المناطق الكوردية فيما عرف بحزام عربي يطوق الكورد- وقد مضت عل تطبيقه كاملا بضعة عقود- ,داعيا هؤلاء المستجلبين إلى البغضاء والحقد على الكورد, كما صرح بذلك علانية وجهارا..” , لتنصب تلك التعليمات في طابع حقد قبلي بدائي لا يحمل من الدلالات الواقعية والتاريخية ما يبررمثل ذلك الحقد الموتور والمغرى به, لتنفذ معظم مشاريعه, على الرغم من اعتراض الفصائل الكوردية والوطنية العربية, والشخصيات النزيهة والمستقلة ,- وفي ظل صحوة متأخرة – ممن دافعو عن الشراكة الأصيلة والإيجابية والمناضلة لشعب شهم ومخلص ومقدام , يقف تاريخه الشامخ والحافل بالمآثر والتضحيات والبذل, وفي مختلف المراحل التاريخية- في وجه كل دعاة العنصرية وأشكالها ومظاهرها , والتي تركت جرحا غائرا , لا يزال ينزف في جسد هذا الشعب , الذي يلاقي كل أشكال الإعراض والتمييز, والتضييق والاستعداء والتجويع, ومحاولات التذويب والصهر, وملاحقة كل ما يخص هذا الشعب, من لغة وثقافة وتميز , حتى عد المستعرب القومي المتطرف ” منذر الموصللي” كل مواطن سوري من أصل كوردي – وفق تعبيره- شاذا يستحق الاستئصال بمجرد أن يفكر هذا الكوردي تفكيرا قوميا ؟؟!! ” , يجاريه في ذلك في بدائية وتخلف العرفي والقحطاني وسواهما , ممن يحلو أن ينعتوا الكورد بكل نقيصة وتحامل واتكال وتبعية.. في حين يحق للعربي – بالمقابل وفي استعلائية غريبة- أن يسود العالم وأن تكون له ثقافته وفكره وكياناته ودوله , وأعظم مقدرات الحضارة والحياة وامتداداتهما ؟!! أي منطق هذا الذي يفرق ويميز ويطعن في الوجود الكوردي, ويفضل عليه كل عنصر آخر, ويغير على جسده ليحيله إلى جرح عميق نازف .. وهل لهذا الجرح أن يندمل على يد المنصفين والأحرار ممن يحترمون قواعد المجتمع الدولي وقوانينه وشرائعه, وقيم المواطنة والشراكة والتكافؤ الإنساني والتعارف والتواصل والتراحم , أساسا لمجتمع يحترم التمدن, ويستهجن الشطب والعنصرية ؟؟! سؤال يطرح نفسه بقوة وإلحاح ؟؟!