الرئيسية » مقالات » عندما تنقلب رأسمالية الدولة البيروقراطية على نفسها

عندما تنقلب رأسمالية الدولة البيروقراطية على نفسها

هناك خبرة تاريخية هائلة و قدر كافي من الأدب الاقتصادي و السياسي الذي يسمح لنا بمقاربة معقولة للتحولات في نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية , كما تتجلى في الصراعات داخل المؤسسة الحاكمة الإيرانية التي فجرتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة , على الرغم من الصراخ الذي يرافق هذه الصراعات , و الذي يماثل إلى حد كبير , ذلك الصراخ الذي رافق انقلاب نظام رأسمالية الدولة الناصري على سياساته و انقلاب الأنظمة البيروقراطية الشمولية الستالينية على مجمل إيديولوجيتها الستالينية السابقة , هذا الصراخ الذي يعبر عن رغبة قوى بعينها في تجيير مثل هذه التحولات لصالحها , و محاولة تلك الأقسام من البرجوازية البيروقراطية الحاكمة التي تزعمت تلك الانقلابات أن تزيفها , تزيف أسبابها و نتائجها , لتجعلها تبدو و كأنها “ثورات” جدية على طريقة “الثورات القومية” ( التي هي عبارة عن سلسلة متتالية من الانقلابات العسكرية الفوقية ) و الانقلابات الستالينية في أوروبا الشرقية التي نسبت لنفسها هي أيضا صفة الثورة الاجتماعية ( ما عدا الثورة الروسية الحقيقية 1917 ) , عندما تنخرط قوة ما في عدة صراعات , كما كان حال نظام رأسمالية الدولة القومية في مصر و سوريا و العراق أو الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية في عدة صراعات متزامنة يخلق هذا بعض الخلط المفيد سياسيا و إيديولوجيا للقوى المتنافسة لتستخدم جرائم خصومها كسلاح إيديولوجي و سياسوي رخيص و غير مكلف ضدها , هناك نقطة مشتركة بين الانقلاب الساداتي على الناصرية و انقلاب يلتسين و شيفاردنادزه و علييف على النظام الستاليني – البريجنيفي , و بين الصراع بين جناح موسوي – رفسنجاني – خاتمي من المؤسسة الحاكمة في إيران الملالي و بين جناح أحمدي نجاد , فعندما تتباين المصالح بين فئات الأوليغاركية الحاكمة تحاول الإيديولوجيا إلباسها لبوسا سياسيويا زائفا , يمكن اليوم استعادة كل ما قالته ماكينة السادات الإعلامية فقط مع ابتسامة مريرة إن لم يكن مع ضحكة سوداء , لم تكن الجماهير أبعد عن حريتها التي استخدمها الجناح الساداتي بصخب و مبالغة مقصودين لحظة انقلابه على الناصرية مما كانته في مايو أيار 1971 , في العدد الأخير من الطبعة العربية من اللوموند ديبلوماتيك السابقة على الانتخابات الإيرانية الرئاسية تحليل هام لبنية الأوليغاركية الحاكمة في إيران , يصف رامين معتمد نجاد كاتب المقال , الأستاذ المساعد في السوربون , تلك التحولات العميقة في بنية البرجوازية الحاكمة في إيران , و ما رافق ذلك من تحولات عميقة على مستوى الإيديولوجيا السائدة , الدينية , نتيجة تلك التحولات في رأس الهرم الاجتماعي , فتراجع القيم الدينية و الأخلاقية المسيطرة بقوة حتى ذلك الحين كان في الحقيقة نتيجة لصعود أقلية جديدة من الأثرياء , من رجال البازار , إلى جانب تزايد هائل في ثراء قسم من البيروقراطية الحاكمة , “أقلية لم تعد تتردد بالتبجح بثرواتها” , بينما كان السواد الأعظم من الشعب نهبا لسلسة لا تتوقف من الأزمات , يشير كاتب المقال إلى أن خصخصة المؤسسات العامة و تحرير التجارة الخارجية التي بدأتها حكومة هاشمي رفسنجاني منذ أوائل التسعينيات أدت , كما في كل الدول العربية و النامية التي طبقت الخصخصة بحماسة , بأن أصبحت المؤسسات ملكا خاصا لمديريها السابقين أو لأفراد مقربين من المؤسسة الحاكمة و بأثمان زهيدة , يلفت النظر هنا التطابق الفعلي في السياسات الاقتصادية بين كل أنظمة رأسمالية الدولة , المتعادية سياسيا بشدة , ففي الخمسينيات و الستينيات لعب القطاع العام كقطاع أساسي في النشاط الاقتصادي دورا مركزيا في هيمنة رأسمالية الدولة العربية , الناصرية منها و الخليجية مثلا , بينما تحمست كل أنظمة رأسمالية الدولة نفسها دون تمييز للسياسات النيو ليبرالية التي انتهت بتحويل الجزء الرابح من ذلك القطاع إلى ملكية لنفس الأوليغاركية الحاكمة لكن هذه المرة في شكل ملكية “خاصة” , لكن كاتب المقال لا يسمي هذا بنظام رأسمالية الدولة , و لا برأسمالية السوق , بل رأسمالية الاحتكارات , حيث تتنصل الأوليغاركية المالكة من القيود الضريبية و المالية و تحول دون ظهور منافسين جدد بقوة السلطة الحاكمة التي تملكها أو تحابيها , يشير كاتب المقال أيضا إلى طابع خاص يميز إيران هو تحول المؤسسات الخيرية التي تأسست بعد 1979 ( على غرار مؤسسة المستضعفين و جرحى الحرب مع العراق و غيرها ) إلى النشاط التجاري ( قد يكون من الممتع هنا محاولة الحصول على معلومات عن نشاط المنظمات و الهيئات الخيرية الخليجية المقابلة لتلك المؤسسات الإيرانية و التحقق من إمكانية وجود تطابق آخر على صعيد البنية التحتية بين بنى فوقية متنافسة أو تدعي التناقض حتى ) , بما في ذلك تجارة السلاح , و هي اليوم ذات نشاط متنوع بشدة ( تتبعها آلاف الشركات الصناعية و التجارية و الزراعية و السياحية و كذلك شركات الطيران و المؤسسات المالية الخاصة التي برفضها صفة المصرف أو البنك – ربما لتبريرات دينية – أفلتت من القيود القانونية الموضوعة من قبل المصرف المركزي ) , و يتحدث كاتب المقال عن فقاعة العقارات الأخيرة التي قامت على المضاربة في العقارات ( تماما كما جرى في الاقتصاد الأمريكي ) و التي أدت إلى ولادة ما سمتها إحدى المجلات الشهرية “البرجوازية العقارية” , انفجرت الفقاعة أخيرا في مايو يونيو 2008 فانخفض الطلب على المساكن بشدة و انهارت الأسعار و تراجعت قيمة الموجودات العقارية التي امتلكتها المصارف العامة و الخاصة و ترافق ذلك بتدني في الطلب على المنتجات الاستهلاكية و ركود تدريجي للإنتاج الصناعي , و بينما أنتجت الخصخصة ثروات البعض فقد أدت إلى بطالة مرتفعة و وضع معاشي صعب بالنسبة للكثير من العمال , يعبر كل من جناحي موسوي – رفسنجاني – خاتمي و جناح نجاد عن مصالح متناقضة بين أجزاء البيروقراطية الحاكمة , أو لنكن أكثر دقة , الأوليغاركية الحاكمة , التي تضم كبار تجار البازار إلى جانب البيروقراطية الحاكمة , و قد انفجر هذا التناقض في الصراع الأخير الذي يستخدم شعارات مختلفة لإخفاء هذه الحقيقة , على أنه صراع بين إصلاحيين و محافظين , تلعب هنا الطبقة الوسطى , البرجوازية الصغيرة , ( التي ما يزال العديد من المنظرين يمتدحون غباءها و نفاقها الأنانيين ) , ذات الدور الذي لعبته دوما في كونها مجرد مطية للقوى الاجتماعية الأساسية , لا يمكن للبرجوازية الصغيرة أن تتبرأ من أنظمة عبد الناصر و الأسد و صدام بمجرد شتمها , إن هذه الأنظمة هي حالة نمطية عن أنظمة البرجوازية الصغيرة , عندما أرادت البرجوازية الصغيرة أن تحرر البروليتاريا كان على الشكل الجديد من الحرية أن يأخذ شكلا تسلطيا صريحا ( شموليا توليتاريا ) أو ضمنيا , فأنتج بالتالي الستالينية ( بينما أنتجت المساومة بين أرستقراطية البروليتاريا و بين البرجوازية دول الرفاه الأوروبية التي انهارت هي أيضا مع سقوط الستالينية لانتفاء الحاجة إليها ) , عندما أرادت أن تحرر الجماهير العربية و أن توحدها , أنتجت الناصرية و صدام و الأسد , يبقى من الممكن أن نكتشف أو نتنبأ بالشكل الذي سيأخذه تحريرها للناس من الشموليات التي أنتجتها , فالشكل السائد في أوروبا الشرقية مثلا هو صورة سلطة غبية تستخدم لغة بلاغية “عصرية” أي تكثر من الكلام الفارغ عن الديمقراطية بينما تنهب نتاج عمل المجتمع و الناس بصورة فظة مباشرة و عبيطة خلف كواليس الإعلام حيث يجري إنتاج الإيديولوجيا السائدة , ربما يجب أن تتوقف الطبقة الوسطى عن تحرير الآخرين بتحويلهم إلى عبيد لجزء منها يصعد ليشكل سلطة جديدة , طغاة جدد , ربما يجب أن نفكر بطريقة أكثر ديمقراطية بالفعل لتحرير الناس دون أن تنتهي باستعبادهم , ربما كان علينا أن نعيد تعريف السياسة و إنتاجها كفعل إنساني شامل يومي لنغير بالفعل المفهوم النخبوي عن السياسة الذي يؤدي دوما إلى ذات الاستبداد……