الرئيسية » مقالات » يسار البعث ويمينه ، وجهان لفاشية واحدة

يسار البعث ويمينه ، وجهان لفاشية واحدة

الديموقراطية هي ليست شكلا من اشكال الحكم ، ولا حكم الاغلبية فقط . بل هي نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد في المجتمع . كما وانها مفهوم انساني عميق لشكل الحكم ، و علاقة تعامل الاغلبية مع الاقلية . سواء كانت هذه الاقلية قومية ام دينية ، مذهبية او سياسية . وتتحمل الديموقراطية كنظام حكم ، مهمة ايجاد افضل السبل في العلاقة بين الدولة والمجتمع . بما يوطد من اركان الدولة ، وحرصها على تقدم المجتمع ونموه في مختلف مناحي الحياة . عن طريق القوانين والتشريعات التي تستند الى القوانين الدولية ، كقوانين جنيف لحقوق الانسان وقرارات الامم المتحدة وغيرها من جهة . وعن طريق السماح للمجتمع في ان يأخذ على عاتقه ، الدور الرقابي في كيفية تطبيق وتنفيذ تلك القرارات ، عن طريق نواب الشعب والقضاء والاحزاب ، و منظمات المجتمع المدني والصحافة وغيرها من جهة اخرى . ولكن تبقى الديموقراطية هشة ومعرضة للصدمات وغير متكاملة ، بل تشكل خطرا كبيرا على الدولة والمجتمع . اذا لم تبادر الدولة ( الديموقراطية ) الى تشريع قوانين في غاية الاهمية ، وهي تلك التي تحمي النظام و المجتمع من الافكار النازية والفاشية. ومنعها عن العمل ، بل وحتى عدم فتح اي حوار سياسي معها . اذا لم تتخلى في انظمتها الداخلية وبرامجها السياسية ودساتيرها ، عن كل ما يشير الى تقسيم افراد المجتمع الى درجات ، على اساس القومية او الدين او الفكر . ووصول حزب العمل القومي الاشتراكي الالماني ، بزعامة النازي هتلر الى الحكم عبر انتخابات العام 1929 في المانيا . والغاء الديموقراطية فيها يعتبر دليلا ساطعا على استغلال النازيين وحملة الفكر القومي ، للديموقراطية واعتبارها غاية وليست وسيلة ، الهدف منها في النهاية الانفراد بالسلطة ، وصبغ الدولة والمجتمع بلون حزبي وقومي واحد . كما وتعتبر الغاء نتائج الانتخابات الديموقراطية في النمسا ، ومنع اليميني المتطرف هايدر وحزبه من الوصول الى السلطة قبل سنوات ، مثالا يجب ان يدرس بعناية ويحتذى به في العراق . الذي لم يصل بعد الى نهاية الخطوة الاولى ، من مسافة الالف ميل من الديموقراطية .

وعلى الرغم من كل الجرائم ، التي ارتكبها حزب البعث بحق العراق دولة وشعبا . والتي ستظل اثارها السلبية لفترات طويلة . وعلى الرغم من ان حزب البعث كان العامل الاساسي ، في هدر الثروة الوطنية العراقية ، وعزل العراق عن العالم الخارجي والتي انتهت بأحتلال البلد. و المشاركة الفعلية والاساسية لهذا الحزب في العمليات الارهابية ، التي طالت ابناء شعبنا ، و تدميرما تبقى من بنى تحتية . وتحالف هذا الحزب الفاشي ( البعث العراقي ) مع تنظيم القاعدة الارهابي واحتضانه في العراق ، وفتح ( البعث السوري ) معسكرات تدريب له وتسهيل عبور مسلحيه الى الاراضي العراقية ، من خلال حدوده ومن دول الجوار . وعلى الرغم من ان حزب البعث لايعترف بالعملية السياسية في البلد ، مستفيدا من تخبط القوى السياسية العراقية المهيمنة على السلطة اليوم . و عدم قدرتها على الخروج من الازمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، واستشراء حالات الفساد نتيجة المحاصصة الطائفية . ومن دعم العديد من الدول العربية ، اضافة الى المليارات التي سرقها الحزب من الشعب طيلة فترة حكمه . واستغلالها في الارهاب و الدعاية والتحريض ضد العراق الجديد . الا اننا نرى ان هناك اصواتا ترتفع بين الحين والاخر ، مطالبة اشراك جناح من البعثيين في العملية السياسية ، بحجة الديموقراطية وعلى اساس ان هذا الجناح يمثل يسار البعث . فهل للبعث يسار ويمين ؟

في معرض كتابته عن مفهوم الديموقراطية عند حزب البعث يكتب بطاطو( وعلى العموم ، وكما سيظهر بعد قليل، فان لبعض المفاهيم المتعلقة بايديولوجيا البعثيين الخاصة بالوسيلة تنتقص بقوة من – ديموقراطيتهم – . واكثر من هذا ، علينا ان نتذكر في ما يتعلق بهذه النقطة ان النظرية البعثية شيء والممارسة البعثية شيء اخر او، وبدقة اكبر، فان البعثي المرشح للسلطة مختلف الى حد كبير عن البعثي في موقع السلطة (1) .

ويستشهد بطاطوبصحيفة الاهرام القاهرية في احدى اعدادها للعام 1963 ليكتب ( خلال محادثات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة عام 1963 ، سجل احد البعثيين المشاركين في المحادثات الملاحظة التالية – عندما تجد الحركات الثورية نفسها في السلطة فانها تكتشف ان الكثير من افكارها السابقة يحتاج الى مراجعة . فهذه الحركات تدعو الى الديموقراطية وهي في مرحلة النضال الشعبي لكي تستطيع متابعة نشاطها في ظل افضل الشروط الممكنة ، اما عندما تصبح في الحكم فانها تجد ان هذه الديموقراطية البورجوازية تشكل خطرا على الثورة ) ” الاهرام ” ، نسخة عن محادثات الوحدة ” ( القاهرة،1963 ) ص 159 .(2)

اما عن الوسيلة التي يريد بها البعث الوصول الى السلطة فهي الانقلاب . على الرغم من ان عفلق كما يقول بطاطو ، يحاول جاهدا عدم استخدام كلمة الثورة لانها تستخدم في الادبيات الشيوعية . مستبدلا اياها بمصطلح الانقلاب ، مستبعدا الطرق السلمية للوصول الى السلطة قائلا ( ان الطبقة المسيطرة سياسيا والمستغلة اقتصاديا لن تتخلى عن موقعها طوعا )(3)، وهذا يعني ان الطريقة الاسرع والاسهل لاستلام السلطة لا تأتي الا عبر العسكر ، وقد اثبتت الاحداث في كل من العراق وسوريا ذلك . وفي توجه فاشي وعنصري يقول عفلق ( العمل القومي القابل للنجاح هو ذلك الذي يستثير الحقد حتى الموت تجاه اولئك الذين يجسدون فكرة مضادة [ للقومية ] (4). ويقول بطاطو ( ان في هذا انزلاقا الى مرتبة التعصب الاكثر اثارة للرعب ، وهو يستدعي الى الذهن الاعمال الوحشية التي ارتكبها البعثيون ضد الشيوعيين في العراق عام 1963 ) (5). ولو تسنى لبطاطو ان يكتب كتابه هذا بعد نيسان 2003 لوقف عاجزا ، امام المعاجم العربية لانتخاب مصطلحات يوصف بها جرائم البعث بحق العراقيين .والتي هي جزء لايتجزأ من ثفافة هذا الحزب الدموي ، الذي يربي اعضائه كما جاء في ادبياته على القسوة في التعامل ليس مع الاخرين فحسب بل مع انفسهم ايضا و سيعرف كما يقول عفلق اخلاصهم وتميزهم من خلال افعالهم ، وحتى من – نبرة اصواتهم – (6) . وهذا ما يفسر لنا الاعدامات التي ارتكبها قادة البعث ، بحق رفاقهم في العراق وسوريا . وما قاله الدكتاتور صدام حسين في احدى خطبه من انه يعرف الخائن من نظرات عينيه ، هي جزء من هذه الثقافة البائسة .

ان الاحزاب التي تؤمن بالتطور ، تعمل على تغيير انظمتها الداخلية وبرامجها السياسية ودساتيرها بين فترة واخرى . تبعا لظروفها الموضوعية والذاتية ، وتماشيا مع الواقع السياسي الوطني والاقليمي والدولي . وهذه سمة من سمات جميع الاحزاب في كل دول العالم تقريبا . الاحزب البعث الذي لم يغير دستوره ، منذ اقراره في مؤتمره التأسيسي الاول المنعقد في دمشق في 4 – 6 / 4 /1947 وليومنا هذا . ولما كان عراق اليوم هو عراقا ديموقراطيا فدراليا تعدديا موحدا ، فدعونا نناقش بعض مواد دستور البعث في هذا الجانب . مع من يدعون الى ضرورة اشراكه ( البعث ) في العملية السياسية ( على علاتها ) . وهل سيلتزم البعثيون بالعملية الديموقراطية ، عندما يشعرون من انهم يمتلكون عناصر مؤثرة في المؤسستين العسكرية والامنية ، قادرة على الغاء الديموقراطية عبر اذاعة بيان في الراديو والتلفزيون ؟ .

في المبدأ الاول من المبادئ الاساسية من دستور البعث وتحت عنوان ، وحدة الامة العربية وحريتها ، فأن الفقرة الثالثة تقول (الوطن العربي للعرب ، ولهم وحدهم حق التصرف بشؤونه وثرواته وتوجيه مقدراته ).ولما كان العراق جزءا من الوطن العربي ، فهذا يعني ان جميع الشعوب غير العربية التي تسكن هذه البلاد ، ليس لها الحق في التصرف بشؤون و ثروات بلدها اي العراق . وبالتالي فالعراقيين من غير العرب هم مواطنين من الدرجة الثانية . وهذا ما يخالف الديموقراطية التي يبشر بها البعض من جهة ، ويطالب بأشراك البعث في العملية السياسية من جهة اخرى .

وفي المبدأ الثاني من المبادئ الاساسية وتحت عنوان ، شخصية الامة العربية فان الفقرة الاولى تقول ( حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لايمكن لأي سلطة ان تنتقصها ). والسؤال هو هل كانت هناك في عهد البعث العراقي الذي امتد حكمه لما يقارب الاربعة عقود او شقيقه البعث السوري الذي لازال يحكم الى الان شكلا من اشكال هذه الحريات ، ومتى يطلق البعثيون هذه الحريات من عقالها ؟ .

كما ان المادة السابعة من المبادئ العامة من دستور البعث تقول ( الوطن العربي هو هذه البقعة من الارض التي تسكنها الامة العربية والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكويه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الاطلسي والبحر الابيض المتوسط ) . وهنا سنطرح نفس السؤال مرة ثانية ، اين يسكن الكرد والتركمان والارمن والاشوريين والكلدان وغيرهم ، اذا كانت اراضيهم حسب ايديولوجية البعث هي اراضي الامة العربية . وتنص المادة التي تليها اي المادة الثامنة على ان ( لغة الدولة الرسمية ولغة المواطنين المعترف بها في الكتابة والتعليم هي اللغة العربية ). ولاادري كيف يستطيع دعاة الحوار مع البعث وتأهيله في الحياة السياسية ، الجمع بين هذه الفكرة وبين ما جاء في الدستور العراقي . من الاعتراف باللغات الاخرى غير العربية ، على اساس انها لغات ثقافة وتعليم للشعوب الناطقة بها . اما المادة الحادية عشر من دستور البعث فأنها تنص على ان ( يجلى عن الوطن العربي كل من دعا او انضم الى تكتل عنصري ضد العرب وكل من هاجر الى الوطن العربي لغاية استعمارية ).وهذا يعني وطبقا لفكرة البعث هذه ، اجلاء الكرد والتركمان والكلدان والاشوريين والارمن ، والصابئة والايزيديين والشبك واهالي الجنوب من الشيعة ، الذين جاء بهم محمد القاسم من الهند حسب صحافة البعث بعد انتفاضة اذار وغيرهم من غير العرب عن العراق . اذا بادرو الى تشكيل احزاب قومية خاصة بهم ، ليبقى العرب في العراق هم الوحيدون الذين من حقهم تشكيل حزبهم القومي . وتستمر عنصرية هذا الحزب الفاشي ليحدد في المادة الخامسة عشر من دستوره مايلي ( الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة امة واحدة ، وتكافح سائر العصبيات والطائفية والقبلية والعرقية والاقليمية )، ودعونا هنا ان نتسائل من دعاة تأهيل البعث في المجتمع العراقي ثانية ، من الذي كان يشيع الطائفية والعشائرية والعرقية في العراق ، بل وسن لها قوانين تنظمها خلال الاربعين عاما التي سبقت انهيار البعث . وهذا لايعني اطلاقا تناسي الطائفية والعشائرية التي تعشعش في جميع مفاصل الدولة والمجتمع اليوم والتي ترسخت وللاسف الشديد كرد فعل على طائفية وقبلية البعث وجزء من تركته الثقيلة .

ان من اهم مستلزمات ودعائم النظم الديموقراطية هي ، وجود احزاب ومنظمات مجتمع مدني ، بالاضافة الى الصحافة الحرة واستقلال القضاء . ولو عدنا الى دستور البعث فاننا نراه يحدد تشكيل الاحزاب والجمعيات وغيرها في حدود الفكر العروبي فقط . حيث يقول البند الرابع من المادة الواحدة والاربعين من دستور البعث (فسح المجال في حدود الفكرة القومية العربية لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والاحزاب ومنظمات الشباب ومؤسسات السياحة والاستفادة من السينما والاذاعة والتلفزة وكل وسائل المدنية في تعميم الثقافة القومية وترفيه الشعب ).

في العراق عاشت وتعيش قوميات واديان ومذاهب مختلفة ، منذ فجر التاريخ وليومنا هذا. وعليه فان طبع مظاهر الحياة بلون فكري او قومي واحد ، ستعني بالضرورة اضطهاد القومية والدين والمذهب الاكبر. للقوميات و الاديان و المذاهب الاقل عددا ، وهذا النوع من التمييز يبشر به حزب البعث في المادة الرابعة والاربعين من دستوره ، داعيا الى ( طبع كل مظاهر الحياة الفكرية والاقتصادية والسياسية والعمرانية والفنية بطابع قومي عربي يعيد للأمة صلتها بتاريخها المجيد ويحفزها الى ان تتطلع الى مستقبل امجد وامثل ).

ان حزبا بهذة العقلية يشكل خطرا كبيرا على الدولة والمجتمع ، سواء كان يمينيا ام يساريا . ولذا فان اعتذار البعث ( كما يطالب البعض ) عن الجرائم التي ارتكبها بحق العراق والعراقيين لوحدها لاتكفي ، لأعادته وتأهيله في الحياة السياسية ثانية . بل على هيئة المصالحة ان تطلب من البعثيين تعديل دستورهم ، والغاء كل ما يمت او يشير بصلة من قريب او بعيد للعنصرية والغاء الاخر . وان العراق ملك لكل العراقيين ، ولافرق بين العراقي والعراقي الا على اساس الولاء للوطن ولا غير .

(1) العراق – الكتاب الثالث – حنا بطاطو ص 41 .
(2) نفس المصدر ص 41 .
(3) نفس المصدر 45 – 46 .
(4) نفس المصدر ص 46 .
(5) نفس المصدر ص 46 .
(6) نفس المصدر ص 47 .

الدنمارك
23/ 6 / 2009 .