الرئيسية » الآداب » الوردة البيضاء تغني… هل تسمعونها ؟ / قصة قصيرة

الوردة البيضاء تغني… هل تسمعونها ؟ / قصة قصيرة

الجدران الحديدية الصماء

تكاد تطبق على انفاسه …

وما زال يحلم بالشمس والحرية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



اسند ظهره لأكياس الرمل التي احاطت بالملجأ المؤقت.

من الداخل ،تحت الموضع الذي استقرت فوقه سرفتي دبابته .

يفعل ذلك كلما هدأت نيران الجبهة ليستغرق في تأملات ما كانت لتنضج حتى تقضمها عشرات الفئران التي تنبش جدران الملجأ بحثاَ عن فتيتة طعام .هذه المرة اختلطت تأملاته بسلسلة من الانفجارات التي دوت بصورة مفاجئة وغريبة عن سابقاتها .
وثب مسرعاًبإتجاه بوابة الملجا بيد أن كتلة من الأحجارالنارية قد أغلقت عليه الطريق .. 

فهرع نحو فتحة النضائد (فتحة النجاة ) اسفل الدبابة ،

والقى بجسده داخلها .فكانت قاعة كبيرة لم يشاهد مثلها

طوال حياته ،لكنه شعر بالاختناق إذ ان رائحة البارود وبقايا دخان اصفر يدور في أجوائها ، واحس بأنه مطارد فيها رغم انها كانت تخلو من الناس تماما .

قادته قدماه الى مدرجات سلالم القاعة بصعود متسارع ، حتى اصطدم بحاجز كبير له باب صغيرمغلق ،دفع الباب بأطراف اصابعه واذا بطفلة جميلة تبتسم وتقدم له وردة بيضاء ! …

تسلم الوردة منها واخترق ذلك الحاجز بالنزول من مدرج عريض يؤدي الى فضاء واسع .

حينها ايقن انه طليق الجناحين فتنفس عميقاَ وملأ رئتيه بالهواء النقي .

وبشعور ٍصادق منه صاح بصوت هادر كالشلال : ( ما أحلى الحرية ) .

هزت العبارة بدويها الارجاء وكأنما اجتمعت كل الظواهر الطبيعية من امطار وزوابع وعواصف ورياح وبراكين وبحار وانهار وينابيع عذبة ……

وابتسمت الشمس عند ضفاف الفجر ولاحت خيوطها

الرائعة في كل الدروب ،وافترشت الارض بساطاَ سندسيا مزيناَ بزخارف ربيعية بديعة الالوان والنقوش ،وصفقت النوارس باجنحتها البيض ، وتمايلت الاغصان بازهارها طرباَ لتغريد البلابل وزقزقة العصافير الصغار،

واجتمع الناس من اطرافَ بقاع الدنيا فرحاَ بموسم الربيع في مهرجان كبير .

امتدت اليه الاكف ملوحة ،احاطوه من كل جانب ،

وحملوه فوق الاكتاف ، طافت به الحشود المبتهجة بحناجر تنشد اعذب الحان .

شعر بحلاوة الحياة في نفحاتها وهو يجتازالشوارع العريضة ،

والساحات الواسعة والحقول المخضرة .

كانت النسائم تداعب خصلات شعره ، بينما حلقت الوردة البيضاء التي بين اصابعه في الفضاء الرحب باجنحة راقصة فوق الجموع ، وهي تفوح بعطرها

الندي لكل الناس .

سمع الوردة البيضاء تغني :

( داير مداير غطينه يا شميسه …. شما نتعب نلعب خلينه يا شميسه )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيدر الحيدر ـ/ جبهة ديزفول ـ ايام الحرب ـ 27 / 8 / 1981

من مجموعتي القصصية ( اصداء تدوي في فضاءات احلامي )