الرئيسية » مقالات » تفجير تازة ومشروع الردة

تفجير تازة ومشروع الردة

تفجير بلدة تازة في كركوك، وقبله تفجير البطحاء في الناصرية، وقبلهما اغتيال النائب حارث العبيدي في بغداد، وقبل ذلك سلسلة التفجيرات في الكاظمية واحياء الثورة والشعب والدورة وحافلات نقل المدنيين في بغداد والبصرة وكربلاء ليست عمليات عشوائية او محاولات استعراض القوة او ارهاصات اجرامية عن احتضار تنظيمات القاعدة وفلول النظام السابق كما توحي تصريحات المسؤولين عن الامن، وليست -في كل الاحوال- من صنع جهة واحدة، تدخل في سباق محموم مع موعد انسحاب القوات الامريكية من المدن في الثلاثين من حزيران لترفع شارة النصر وتسجله في رصيدها.

يمكن للمراقب الذي يرفض التبسيطات الاعلامية الرسمية، ولغة الاقتدار الفانتازية، ان يتأمل جيدا في تفاصيل خلفيات الشرائح المدنية التي سقطت خلال تلك الاعمال الاجرامية، او يقوم بما يسمى عملية “نمذجة” في خارطة ضحايا التفجيرات (باستثناء جنود القوات الاجنبية) ليضع يده، من غير جهود مضنية، على جملة مؤشرات عسكرية وسياسية في غاية الاهمية والخطورة، تلخيصها، ان الامر مرسوم له بعناية كيميائية مركزة، ولا يهم -طبعا- في عملية التحليل والتفكيك تعيين الوجه الاخلاقي لهذه الخطة، ومن المضحك القول ان هذه الخطة تستهدف مقاومة الاحتلال، او الجهاد ضده، بالرغم من مفردة المقاومة (ورديفها الجهاد) قد انحطت (في التجربة العراقية) الى مستوى الجريمة الهمجية، قيد القصاص العادل، فيما الملايين من المدنيين-لا المحتلين- كانوا ضحايا تلك المقاومة، والعراق –لا الولايات المتحدة- من دفع الثمن.

لا حاجة لنتهجأ كثيرا الدلالة السياسية في تركيز التفجيرات على مدنيي الاحياء ذات الاغلبية المذهبية الشيعية فثمة (استنادا الى احصائية اعلامية) اثنين وعشرين هجوما مسلحا من(ثلاثين) طال هذه الشرائح وتوزعت البقية على سيارات للشرطة وزوار ايرانيين وتجمعا للصحوات وهمرات امريكية عدا عن اكثر من عشرة اغتيالات واكثر من عشرين محاولة اغتيال لا تخرج عن هذا التضمين، وليس من دون مغزى ان تطال واحدة من العمليات الاكثر اجراما واستفزازا داعية للتسامح المذهبي والسياسي، النائب العبيدي، في احد دور العبادة لاتباع المذهب السني.

اقول، ان جميع هذه التفجيرات، بل وجميع التفجيرات منذ السادس من ابريل الماضي (يوم التفجيرات العشرة المفاجئة في بغداد) حيث استؤنفت اعمال “الجهاد” التفجيري على نحو مفاجئ ونوعي وجديد، تشكل بصمات مشروع العنف لما بعد انسحاب القوات الامريكية من المدن، ويقوم هذا المشروع على اذكاء نار الفتنة الطائفية والمراهنة على انفلات مشاعر “وسط شيعي” وتأجيج نعرة الانتقام قد تنزلق الى احياء الجيوش والمليشيات الانتقامية للتنكيل العشوائي بابناء الطائفة السنية، لينحدر العراق كله الى دوامة “تفجيرات سامراء” مرة اخرى هي اكثر خطورة واتساعا ودموية.. وهذا المنحدر هو المطلوب بالنسبة لاصحاب المشروع الجهنمي لمرحلة ما بعد انسحاب القوات الامريكية من المدن.

على ان تفجير بلدة تازة الذي نال ايضا شريحة تركمانية يفتح مخطط الفتنة على الفصل الثاني من المشروع ، بتوسيع مساحة الحريق، جغرافيا وقوميا، ليضرب حلقة العلاقة المصيرية بين تركمان العراق وكرده.. وبين جميع قومياته ومكوناته..وسنتوقع ضربة للمفردة الكردية.. ثم ليدخل العراق نفسه في مقاتلة نفسه.. وحيّ على الجهاد.

بوضوح شديد، فان غاية الاستهداف في كل مرة، لشريحة مدنية محددة من لون واحد (دينية. مذهبية. قومية) هي اثارة الريبة بين الشرائح والتأليب على بعضها وتفكيك النسيج الوطني الهش أصلا(اكرر: الهش اصلا) بسبب وصفة التغيير الطائفية- العنصرية (شيعة. سنة. اكراد) وتداعياتها وتسييس وتسليح فقه الانتماء وانجرار احزاب الطوائف الى اللعبة التقسيمية الحمقاء.

وفي التفاصيل، سيطلع علينا المجاهدون من تنظيم القاعدة وفلول النظام السابق وهيئة العلماء وتجمعات سياسية معارضة للتغيير بمهزلة القول انهم اخرجوا القوات الامريكية من المدن بعد ان هزموها في الشوارع، وفي غضون ذلك ستعرض علينا شاشات ملونة صور ملثمين يعلنون بان “المقاومة” اضطرت قوات الاحتلال الى الانكفاء عن المدن وستضطرهم الى الجلاء عن العراق وهي تعد للاحلال محلها، فيما ستسرب دول مجاورة اعلانا زاهيا: “لولانا لما تمكن العراق من استعادة سيادته”ثم “نريد عن ذلك حصة من المحاصصات”.

بكلمة، فان فلول الجماعات المسلحة تراهن على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها عبر اقامة احتفالات الابادة المروعة في صفوفها، وليس من دون مغزى ان لا تعلن هذه الجماعات مسؤوليتها عن تلك الجرائم، والذين يتابعون عن كثب نشرياتها ومواقعها على شبكة الانترنيت ونتف ما تنشره وكالات الانباء وصحف خليجية وفلسطينية متعاطفة معها يرصدون جملة من التأشيرات لمحاولة توزيع مسؤولية التفجيرات على طائفة من الجهات: الامريكان. المليشيات. خلايا ايرانية. البيشمركة. استخبارات الجيش. جهات مجهولة. الصراع بين القيادات، وغيرها، وقد برعت فضائيات مناكدة في توليف روايات، في كل تفجير، تحمل على صرف الانتباه عن علاقة المشروع الارهابي بعناوينه المختلفة بتلك الجرائم.

بموازاة ذلك فان الكثير من معارضي العملية السياسية استنكر جرائم التفجيرات لكنهم توزعوا على الاستنكار اللفظي المجرد، والاستنكار المحسوب بالرضا المبطن، والاستنكار بقصد خلط الاوراق، والاستنكار الملغّز بالطائفية، وثمة القليل منهم من نأى بنفسه عن تبرير الجريمة وادان مرجعيتها الارهابية، وقد كتب احد المعارضين “اشعر بالخجل حين اعرف ان هذه الجرائم التي تطال نساء واطفالا ابرياء ترتكب باسمي” وكتبت سيدة..”انها ليست مقاومة.. انها فطيسة” وتساءل آخر “لا افهم ما يحدث: كيف يقتلون المدنيين بشكل جماعي في النهار ويفاوضون الامريكان في الليل(!)”.

علامة التعجب(!) من صاحب السؤال..

فانا لا اتعجب.

ـــــــــــــــــــــــ

كلام مفيد:

“فى الغابة، تتخاصم الأشجار بأغصانها، لكنها تتعانق بجذورها”.

مثل إفريقي