الرئيسية » مقالات » انتفاضة الشعوب الإيرانية والدرس الممتد إقليميا؟

انتفاضة الشعوب الإيرانية والدرس الممتد إقليميا؟

بمراجعة المشهد الإيراني سنجد أن الأوضاع تضمنت تضخما نسبته 25% وضعفا ملموسا بالقدرة الشرائية مع بطالة وصلت نسبة الـ 15% على وفق الإحصاءات الرسمية المتحفظة أصلا.. مع أرقام مخيفة من شأن قراءتها الكشف عن أوضاع مزرية للشعوب الإيرانية.. سواء في الخدمات الصحية أم في التعليم الذي يُحرم منه القطاع الرئيس من أبناء الشعوب والمجموعات القومية التي تحيا في ظل النظام الإيراني وخير مثال ما يمكننا البحث فيه، هو أوضاع عرب الأحواز الذين تمَّ إلحاقهم بالدولة الإيرانية منذ منتصف عشرينات القرن المنصرم…

إنَّ مشكلات الاعتداء على حقوق القوميات والمجموعات الدينية والتمييز المذهبي (الطائفي) وحشر المرأة الإيرانية في خانة حجبها بعيدا عن دائرة القرار الاجتماعي والسياسي وتجويع الشعب وحرمانه من الحصول على حقوقه على الرغم من الثروات الوطنية للدولة، إنَّ كل ذلك كان التأسيس الرئيس لرفض الأغلبية الشعبية للنظام ولطبيعته الثيوقراطية المتحجرة..



وكدأبه حاول النظام عبر أدواته أن يُجري الانتخابات التي توهم أنه بوساطتها سيجري تمثيلية يمكنها أن تجعل النظام يواصل امتلاك الجمهور وتضليله وتحشيد القوى لصالحه.. ولكنّ الأمور لم تجرِ على وفق أهواء سفن الدكتاتورية المتشحة بغطاء ديني ليس ثوبها الحقيقي؛ فخرجت الأمور عن سيطرتها. ولكن كيف جرت تلك الانتخابات أصلا؟ وما دروسها حتى هذه اللحظة؟

لقد اعتقد النظام وأركانه المتحكمون المتسلطون بأنه لن تمر عبر (الفلتر) المتشدد أية شخصية خارج طوعه.. وقد يكون الأمر كذلك نسبيا؛ ومن هنا وجدنا عملية استبعاد مرشحين خدموا النظام طويلا ولكن أركانه أبوا إلا أن يتمحصوا فيمن يريدون تمريره ويخدم مخططاتهم أكثر.. واتجهوا لمناظرات وأعمال تسويقية كانوا يرون فيها توكيدا للقناع المناسب لإخفاء الوجه الحقيقي البشع. من جهتها هبّت القوى النبيلة داخل إيران كيما توظف هذه الآلية لنزع أقنعة التضليل والخداع والاستعداد لتحويل التصويت من أداة مطوّعة لتلميع النظام ولف الجمهور زورا حوله إلى أداة لإنهائه سلميا…

فالآلية الانتخابية ليست متاحة بالمطلق لتحقيق أهواء التسلط والقمع؟ وهي ليست أداة بعيدة عن وجهها الآخر المتمثل بصوت الشعب الهادر والمؤثر. وهكذا ولجت القيادة الرسمية لإيران الدكتاتورية القمعية في الداخل والعنفية العدوانية في المحيط والخارج، ولجت طريقا بلا مجال للتراجع.. وكانت عقدت العزم على كل أشكال التزوير والتضليل والانتقال إلى استغلال العنف الدموي القمعي عند اللزوم.. وهو ما يحصل اليوم ويُتوقع تصاعده ومضاعفته أكثر!

وبدءا كان التزوير بحجم إضافة 100% في حوالي 50 مدينة [وأكثر] ووصل في بعض الأماكن لحجم 140% كيما يبدو رأس النظام منتصرا فائزا ! كما أن أشكالا أخرى من التزوير قد جرت ممارسته من مثل إهدار فرص تصويت أنصار الإصلاحيين وممن يرفضون التصويت للنظام… عدا عن إجراءات تتعلق بالفرز وبتأمين الصناديق وغيرها.. ومن يكذب علنا (بأدلة من طرفه، وشهد شاهد من أهله) ليس صعبا عليه مثل هذه الممارسات وأبعد منها…

فإذا حسبنا النتيجة بإزالة الـ100% المضللة ونسبة الفرز غير الدقيق ونسبة الأصوات المستبعدة والمحرومة من أداء حقها ونسب عديدة أخرى فسنجد أن الشعب قد قال كلمته بوضوح أنه يرفض لا مرشح النظام حسب بل كذلك النظام نفسه وآليات حكمه وسياساته… ويصبح الحديث عن الملايين التي صوتت للنظام وممثله المتشدد أكذوبة هي أسوأ من فضيحة علنية ترد على لسان أعلى شخصية…

إن المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع لم يهتفوا ضد التزوير وانتهى الأمر بل هتفوا مع تصاعد استهتار النظام بحيوات الناس، ضد أعلى سلطة وهي سلطة الولي الفقيه الذي أسفر عن موقف منحاز وهوالمكلف على وفق قوانين النظام أن يكون الحكم العادل الذي يقف على نفس المسافة من الجميع، ولكنه ما فعل إلا التمادي في سياسة التضليل لأنه يدرك أنه ما عاد من ظرف مؤات لتمرير الألعوبة المخططة (والدفاع عن نظام ولاية الفقيه والاستبداد) من دون هذا الإصرار على ترداد مزاعم النتائج الحاسمة لصالحه…

إنَّ فسحة التحدي التي ظهرت اليوم تعلن للملأ أن الشعوب الإيرانية محكومة بالحديد والنار ورصاص (الحرس الثوري) وسياط (الباسيج) وأنها لن تبقى على صمتها بل دخلت بالفعل ميدان الإعلان عن الانفاضة الشعبية الأوسع منذ هزيمة الشاه وسافاكه في تطلع من الشعوب الإيرانية نحو نظام ديموقراطي سرعان ما سُرِقت منهم أحلامهم بتسلّم الأوضاع من التيار الديني اليميني المتشدد…

إنَّ من حق الشعوب الإيرانية أن تعيد الكَرَّة هذه المرة كيما تتخلص نهائيا من كل أشكال الاضطهاد والاستغلال وأن تبني نظامها الديموقراطي بعيدا عن الدكتاتورية المتخفية بأقنعة دينية مزيفة.. وهذه الشعوب تنتظر تضامنا جديا مسؤولا من شعوب المنطقة والعالم…

ويوم تنتصر هذه الإرادة الشعبية ستتكشف أوراق من دعم وجود هذا النظام القمعي وتنفـُّـذ القوى المحافظة المتشددة القمعية في فلسفة وجودها.. ومن جهة أخرى أبعد امتدادا خارج إيران، ستتكشف أوراق ترحيل أزمات النظام عبر محاولات مشاغلة الشعوب بطوارئ الحروب العبثية إقليميا ودوليا.. فهذا النظام ما زال يمد أصابع التدخل في دول الخليج العربي بخاصة في العراق في ظل ظروفه المعروفة وفي دول وسط آسيا كأفغانستان والجمهوريات السوفياتية السابقة.. وليس صعبا أن نلاحظ أن من طرق ترحيل أزماته سرقة ثروات من دول الجوار واستغلالها في تمويل عدوانيته دوليا كما هو معروف عنه كونه البنك الدولي الرسمي للإرهاب،وعلى سبيل المثال هنا لا الحصر ما يحصل مع النفط العراقي المنهوب من حدوده الشرقية…

إنَّ مما ينبغي التذكير به بالخصوص، دور عناصر في النظام الإيراني بإدخال صناديق التزوير المؤلفة وبأحجام خرافية مهولة في الانتخابات العراقية السابقة وهو ما انفضح في حينه وتمَّت طمطمة القضية.. فليس جديدا على هذا النظام ألاعيب التضليل والتزوير.. ومن هنا ينتظر الشعب العراقي من الدرس الذي تعلنه الشعوب الإيرانية ليكشف كثيرا من الحقائق.. ومن بينها مثلا مراجعة في حجم التزوير إلى حدّ أن الشعب العراقي الذي قرأت حينها الاستطلاعات توجهاته (الوطنية الديموقراطية) فيما ظهرت النتائج الانتخابية بخلاف الحقيقة لصالح أحزاب طائفية معروف موقف الأطياف الشعبية العراقية منها؟!

والسؤال المنبني على هذا الدرس: كم هو حجم التضليل والتزوير الذي جرى بمساعدة مباشرة وغير مباشرة فيما حصل لدينا لوم يجرِ التصدي لها لدبلوماسية العلاقات بين أطراف في الواقع العراقي؟ وكم هي الحقائق التي سيتم الكشف عنها لو أن الشعوب الإيرانية استطاعت الانتصار اليوم في معركتها لا الانتخابية حسب بل التحررية للانعتاق من ربقة ونير الاستغلال الأبشع في المنطقة؟

إنَّ ما يشير لنوعية تلك الحقائق [على الصعيد العراقي] هو تداعي أصوات بعينها ومعاجلتها [واستباق الأمور] للقول: إنَّ ما جرى ويجري في إيران لا علاقة له بالعراق ولن يؤثر على مجريات الانتخابات فيه؟! وسيكون هذا صحيحا بقدر استقلالية القرار لدى الحركات والمجموعات الحزبية الطائفية [العراقية] عن القرار الإيراني فيما الحقيقة المتكشفة بشكل صارخ تتمثل في أن تلك الأصوات ظلت مرتبطة علنا بالنظام الإيراني وبسياساته وبالدفاع عنه وبتمرير أفاعيله بحق شعوب المنطقة والعراق…

إن الاستعدادات العراقية لخوض الانتخابات في الأشهر القليلة القابلة تعني ضرورة أخذ العبر والدروس مما يجري حاليا. وتعني أخذ الحيطة والحذر من تكرار (مؤكد) لنهج التضليل والتزوير قبل الانتخابات وأثنائها وبعدها. وعليه فلابد للشعب العراقي أن يتخذ القرار بنفسه للدفاع عن خياراته وعن توكيد احترام صوته منذ الآن كيما يتجنب ولوج نفق الآلام والأوصاب التي يمكن للفلسفة الطائفية والاستبداد المتشح بثياب التدين زيفا، أن تدخله فيها…

فلقد كان شعبنا بكل أطيافه وفئاته ومكوناته بعيدا عن التشدد والتطرف وبعيدا عن الطائفية والتمييز الديني.. وظل محافظا على نهجه العلماني الوطني الديموقراطي في خياراته، في جميع الظروف والمراحل. وسيكون الأمر مأساويا أن يتكرر تزييف إرادته بمسمى الانتخابات المحكومة مرة بسلاح الميليشيات والمافيات ومرة بالمال السياسي الفاسد وبقبضتهما على الأوضاع المعقدة ومرات بسلطة استغلال التهديد الطقسي الديني وسلطة المرجعيات مع تبادل أدوار اللعبة السياسية..

إن أخذ الدرس يبدأ من حكاية التضليل بانتقال موهوم مزعوم من الطائفية إلى ثوب المدنية والوطنية الديموقراطية بتشكيل تحالفات على أسس ديموقراطية فيما الجوهر المختفي هو ذاته وداخليا سيبررون استبدال الثياب هذا للأعضاء بالتقية وأمام الجمهور الواسع يرتدون قناع التغيير ويوهمون بالاستجابة لطلب الجمهور وإرادته..

والخطوة التالية تتحدث عن استقلالية تامة للإشراف على الانتخابات وإدارتها وتوفير الأجواء الأنسب لها؟ ما يتطلب موقفا موضوعيا محددا من حكاية الاستقلالية هذه والأجواء الضامنة المناسبة بعيدا عن التبييت المتوقع المحتمل وما يمكن أن يرافقه. أما الخطوة الثالثة فتتعلق بآليات إجراء الانتخابات وقوانينها ومن ذلك قانون الأحزاب وتشكيلها وشرعنة التركيب الطائفي المريض من جهة والتمهيد لتحجيم النسب وتجيير النتائج في إشكالية النظام الانتخابي التي حجبت عن أكثر من مليونين ناخب [حوالي 150 من المقاعد] حقهم في خيارهم الوطني الديموقراطي الخارج على التيارات المرضية لأحزاب الطائفية!

إن ترتيب أوضاع المنطقة لصالح النظام التوتيالتاري (الديني) الإيراني وحلفائه سيكون سببا جديا لاستمرار مآسي شعوب المنطقة وتعريضها لمخاطر الهزات والزلازل العنفية والأزموية الخطيرة. ومن هنا فإن أشكال التضامن بين شعوب المنطقة منتظرة مطلوبة..

وقد يكون، على سبيل المثال الأصغر شأناما يدل على ما نقصده هنا، التذكير بما جرى ويجري من حصار على “أشرف” وسكانه وقد لا يكون مستبعدا أن التوقيت بين هذه الأعمال التي رفضتها الشرعية الدولية وقوانينها وقراراتها الإجرائية الأخيرة وبين دعم معلن وغير معلن لأركان النظام الإيراني في معركتهم ضد شعوب إيران..

ما يُنتظر إذا ما توافر الدعم والتضامن الدوليين لشعوب إيران وحركاتهم التحررية هو انتصار الإرادة الشعبية وتقدم المنطقة إلى آفاق نوعية مختلفة. ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تتم عملية جدلية دقيقة وتفاعلات وطنية صائبة في تلقي الدرس والتعاطي مع تفاصيله بما يعود على الجميع بالخير والاستقرار والسلام وعندها فقط يمكن الحديث عن شعار التسامح وعفا الله عما سلف وتوكيد التغيير الحقيقي لا المتوهم المزعوم ليتصالح الجميع في لحمة وطيدة لا تتزعزع باستنادها لصوت الناخب.. فهو المواطن الإنسان المعني بالغاية والمستهدف من وراء كل جهد.. ويومها يكون امَّحى كل روح عدائي عدواني ليبقى صوت الحرية والديموقراطية لا غير سواء هناك في إيران أم هنا في العراق نموذجا لمن ينبغي أن يأخذوا الدرس بمعطياته وجوهره…

وللحديث بقية في ضوء التداعيات