الرئيسية » شؤون كوردستانية » جرائم نظام البعث الديكتاتوري ضد الشعب الكردي من منظورالقانون الدولي!

جرائم نظام البعث الديكتاتوري ضد الشعب الكردي من منظورالقانون الدولي!

دون مبالغة يمكن القول،أن تأسيس محكمة الجنايات الدولية وفقا لنظام روما في العام 1998،يعد انجازا تاريخيا،لا بل أهم مكسب في مجال القانون الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة في العام 1945،ويمكن اعتباره نصر كبير وخطوة بالغة الأهمية ليس لدعاة ومنظمات حقوق الانسان فقط،وإنما نقلة نوعية وواعدة لتكريس مبادئ الشرعية الدولية وتقنينها واختصاصها في ملاحقة منتهكي حقوق الانسان،ومجرمي الحرب والمجرمين ضد الإنسانية الذين عاثوا فسادا في منطقة الشرق الأوسط وانتهكوا الحرمات واعتدوا بكل وحشية وقساوة على أقدس ما يملكه الانسان،ألا وهو الحق في الحياة!

يعرف القانوني الدولي نوعين أساسيين من الجرائم التي تصنف بجنايات دولية ألا وهي:
1- جرائم حرب
2- جرائم ضد الانسانية
وتشمل جرائم ضد الانسانية بدورها على الأنواع التالية:
أ‌- جرائم الإبادة الجماعية أو الجينوسايد Genocide/ التطهير العرقي/
ب‌- جرائم الإبادة الثقافية
ت‌- جرائم خلق ظروف اقتصادية أو معيشية تهدف للقضاء الكلي أو الجزئي على شعب ما
ونظرا لأن موضوع دراستنا هذه تناول الجرائم ضد الانسانية ودراستها وتبيان العقوبات المترتبة عليها، لذا سوف نقوم بتحليلها استنادا إلى جرائم الطغمة العسكرية في سوريا ضد الشعب الكردي في غربي كردستان.
ويمكن تعريف الجرائم ضد الانسانية بأنها أفعال اجتماعية خطيرة، تهدف إلى الاعتداء على المقومات الأساسية للشعوب والدول،تطورها التقدمي وكذلك السلم العالمي.فالجرائم التي تستهدف الشعوب والأمم المختلفة وتحت أية ذريعة كانت ، تتوخى إبادة نلك الشعوب أو الجماعات الأثنية أو الدينية، كليا أو جزئيا،تصفيتها جسديا سواء أثناء الحرب أو السلم.
تتحمل الدول التي ترتكب مثل هذ الجرائم مسؤولية سياسية ومادية أما الأشخاص فتقع على عاتقهم مسؤولية جنائية فردية.

الوثائق والمعاهدات الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب والمجرمين ضد الانسانية
هناك سالسلة من المعاهدات واللوائح الدولية التي اتخذت في هذا المجال وتحديدا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 للإقتصاص من مرتكبي تلك الجرائم الوحشية، نذكر منها:
1-الاتفاقية الدولية حول منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام،1948 اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق أو للانضمام بقرار الجمعية العامة
للأمم المتحدة 260 ألف (د-3) المؤرخ في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948
تاريخ بدء النفاذ: 12 كانون الأول/يناير 1951، وفقا لأحكام المادة 13
2- نظام روما الأساسي الذي اتخذ اثناء المؤتمر الدبلوماسي الدولي الذي عقد بتاريخ 17 تموز 1998 في العاصمة الإيطالية وتحت رعاية الأمم المتحدة. عبرت 120 دولة عن تأييدها لنظام روما الأساسي،الذي أنشئ بموجبه المحكمة الجنائية الدولية،أي فتح باب التوقيع عليه وهو اجراء أو تدبير قانوني يسبق عملية المصادقة من قبل الحكومات أو البرلمانات وفقا للأنظمة النافذة.ودخل نظام روما الأساسي حيز التنفيذ بتاريخ 11 نيسان 2002 عندما صادقت عليه ستين دولة،وفي 1 تموز 2002 أصبحت للمحكمة صلاحيات قانونية تامة لمحاكمة الأفراد في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تحدث مستقبلا.
3-الاتفاقية الدولية حول عدم شمول جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية بمبدأ تقادم الزمن لعام 1968.حيث تؤكد المادة الأولى على ما يلي:
لايشمل مبدأ تقادم الزمن الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها:
1- جرائم حرب كما هي واردة في نظام محكمة نورنبيرغ لعام 1945
2- جرائم ضد الانسانية بغض النظر عن ارتكابها في زمن الحرب أو السلم وكما هي واردة في نظام محكمة نورنبيرغ لنفس العام .
دشنت تلك المعاهدات واالوائح الدولية عصرا جديدا لردع ومحاكمة مجرمي الحرب و المجرمين ضد الانسانية الذين ألحقت أعمالهم المشينة والبربرية أفدح الخسائر بالبشرية والسلم العالمي و تحولت إلى وصمة عار على جبين الانسانية المتحضرة.شكلت الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان،ناهيك عن إبادة الملايين من الناس الأبرياء من شتى القوميات اثناء الحرب العالمية الثانية حافزا ودافعا قويا لدول الحلفاء في عقد تلك الاتفاقات لوضع أسس وضوابط قانونية وملزمة للحؤول دون تكرار تلك المآسي والويلات التي خدشت حياء البشرية وآذت الضمير الانساني في الصميم.وقد جاء في مقدمة الاتفاقية الدولية حول منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام،1948 مايلي: إن الأطراف المتعاقدة،
إذ ترى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها 96 (د-1) المؤرخ في 11 كانون الأول/ديسمبر 1946، قد أعلنت أن الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن،
وإذ تعترف بأن الإبادة الجماعية قد ألحقت، في جميع عصور التاريخ، خسائر جسيمة بالإنسانية،
وإيمانا منها بأن تحرير البشرية من مثل هذه الآفة البغيضة يتطلب التعاون الدولي….
تنص تلك الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تحظر الإبادة الجماعية وتعتبرها من الجرائم المستوجبة للعقاب والقصاص وفقا للعدالة والشرعة الدولية والتأكيد على اتخاذ التدابير والخطوات التشريعية المطلوبة في المجال الوطني لإدخال تلك النصوص إلى التشريعات الوطنية وتطبيقها أو ما يعرف في القانون الدولي ب Immplementation وإزالة أسباب أو مسوغات تنازع القوانين ،سيما إذا أخذنا بالإعتبار أن الأولوية أو الأسبقية Primat هي للنصوص والمعاهدات الدولية.بيد أن الحكومة السورية التي لم تحترم يوما من الأيام أية التزامات دولية ولاسيما في مجال حقوق الانسان،ضربت بتلك المعاهدات عرض الحائط وانتهكتها بفظاظة لامثيل لها فيما يخص تعاملها البربري مع الشعب الكردي.
وإذا حاولنا تحليل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الأنسانية المرتكبة من قبل سلطة البعث الدكتاتورية ضد الشعب الكردي وبناء على المادة السادسة التي تنظر فيها المحكمة التي تشمل على أخطرانتهاكات حقوق الأنسان الدولية ونعني بها جريمة الجنوسايد أو التطهير العرقي،حيث جرى اقتباس تعريف جريمة الإبادة الجماعية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 . ويشمل مفهوم الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال التالية الذي يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، إهلاكا كليا أو جزئيا:
• قتل أفراد الجماعة القومية
إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة
• إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كليا أو جزئيا
• فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة
• نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى
جرائم سلطة العسكر في سورية ضد الشعب الكردي والتقييم القانوني الدولي لها.

ويمكن القول أن الجرائم التالية التي نفذتها سلطة البعث في غربي كردستان هي من اختصاص هذه المحكمة:
1-مذبحة قامشلو الجماعية في 12-13 أذار2004، اثر الإنتفاضة البطولية لشعبنا والتي أودت بحياة أكثر من 50 شخصا وإصابة المئات بجروح وتعذيب أكثر من ألف شخص واعتقال العديد من أبناء وبنات شعبنا وتدمير ممتلكاتهم في قامشلو والحسكة وغيرها من الأماكن.هذه المجزرة كانت مدبرة ومخططة من قبل السلطة الإرهابية وحسب أقوال العديد من الشهود وأصدرت السلطة أوامرها بإطلاق الرصاص الحي على الكرد [لدينا وثيقة بتوقيع محافظ الحسكة السابق المجرم سليم كبول، تأمر باطلاق النار على الكرد في آذار 2004] وهذا دليل مادي ضد السلطة القمعية أولا والمسؤولية الفردية لهذا المجرم ثانيا..
2- اختطاف،تعذيب وقتل العلامة الكردي الشيخ محمد معشوق الخزنوي في أيار-حزيران 2005 من قبل رجالات الأمن السوري واعتراف السيدعبد الحليم خدام شخصيا بذلك في إحدى تصريحاته قبل فترة،دليل آخر،يدين هذه السلطة،ويشكل أساسا لاستدعاءه كشاهد اثناء المحكمة.
3- جريمة الإبادة الثقافية عن طريق حظر ومنع اللغة والثقافة الكرديتيتن وتحت طائلة المسائلة القانونية، بهدف تدمير المعالم الحضارية للكرد وإزالتهم من الوجود،فليس هناك شعب على وجه الأرض بدون لغة وثقافة.
4- قتل أكثر من 21 مجندا كرديا في الجيش السوري بناء على توجيهات الحكومة السورية لتنظيف الجيش من الكرد،دون أي تحقيق أو توجيه اتهام لأي شخص،مما يدل على ضلوع جهات حكومية عليا في تلك الجرائم.وبعضهم عذب بصورى وحشية قبل اطلق النار عليه وأن تشريح تلك الجثث بقرار من محكمة الجنايات الدولية سوف يكشف الكثير من الحقائق المخفية.
5-أخضعت الحكومة السورية الشعب الكردي عمدا وعن سابق وعي وتصميم لظروف معيشية قاسية وصعبة للغاية من جراء فرض حصار اقتصادي جائر واقصاء الكرد من الحياة الإقتصادية وعن طرق اصدار قوانين،مراسيم وأوامر إدارية عنصرية ونذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر التدابير التالية:
– الإحصاء الاستثنائي العنصري الذي جرى في 5.10.1962 وحرمان أكثر من 300.000 كردي من الجنسية السوري بشكل اعتباطي ،حيث أصبحوا مجرد أجانب في وطنهم ،محرومين من الوثائق الشخصية وكافة الحقوق المدنية والانسانية وبالضد من كافة اللوائح الدولية ولاسيما المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948
-مشروع الحزام العربي الشوفيني،وقد نفذ هذا المشروع الاستيطاني بموجب قرار رقم (521) الصادر عن القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم في سوريا في تاريخ (24/6/1974) .الذي نص على إقامة مستعمرات عربية على الأراضي الكردية وعلى حساب طرد الفلاحين الكرد من أراضيهم ومزارعهم،طبقا لتوصيات الضابط في الأمن السوري محمد طلب هلال.حيث لا يزال العمل جار به وأثاره التدميرية بالنسبة للكرد حاضرة وتنعكس سلبا على حياتهم ومعيشتهم اليومية. والنتائج الهدامة لهذه السياسة العنصرية-المقننة للحكومة السورية ضد الشعب الكردي هي إفقار الكرد وتشكيل أحزمة فقر في سوريا معظمها في المناطق الكردية،ومن المفيد هنا الإستشهاد بإحصائيات السلطة العسكرية ذاتها: ففي عام 2005 نشرت وزارة الإقتصاد التقرير المعروف عن مستويات الفقر والأوضاع الإجتماعية في سورية ،الذي تم اعداده تحت إشراف د.عبدالله الدردري،نائب ريئس الوزراء للشؤون الإقتصادية حيث أكد التقرير أن أكثر الناس فقرا في سورية يعيشون في أكثر المناطق غنى،أي الكرد وان لم يسميهم بالأسم وجاء في حيثيات التقرير: تقول الأرقام أنه يوجد في سورية اليوم أكثر من 3.5 مليون فقير،يشكلون 30 في المئة من السكان،بينهم مليونا شخص لايتمكنون من “الحصول على الحاجات الأساسية من الغذاء وغيره” وتصل معدلات الفقر إلى 60% بين أهالي المناطق الشمالية والشمالية الشرقية ولما لا سيما إذا أخذنا بالحسبان أن مستوى دخل السواد الأعظم من الكرد أقل من دولار واحد في اليوم.. ومعروف أن المنطقة الكردية هي الأغنى في الموارد الطبيعية،من نفط وغاز ومياه ومحاصيل زراعية.نعم أن غالبية الكرد تعيش تحت خط الفقر وهي نتيجة لسياسات وبرامج حكومية مخططة بهدف الإبادة والتطهير العرقي.فالمستوى المعيشي المتدني والفقر المدقع أثر بشكل كبير على نسبة أعمار الكرد نتيجة سوء التغذية والأمراض الناتجة بسببها ولا سيما الموت المبكر للأطفال، ناهيك عن إضطرار أعداد كبيرة للهجرة إلى الحاضرات العربية كدمشق وحلب أو إلى لبنان،بما فيها الدول الأوربية وأستراليا وأمريكا وغيرها من بلدان العالم.وليس غريبا أن عدد القرى التي أخليت من سكانها في غربي كردستان وصلت إلى 160 قرية تماما وما زال الحبل على الجرار.ومشكلة المحرومين من الجنسية والمكتومين وعملية التزاوج فيما بينهم خلقت تعقيدات ومشاكل صعبة للغاية في المجتمع الكردستاني ووضعته أمام تحديات خطيرة جدا تتحمل الحكومة السورية وحدها المسؤولية عن ذلك.
الخاتمة
استنادا إلى تلك المعاهدات واللوائح الدولية الآنفة الذكر، يمكن القول أن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية مادية وسياسية بسبب تلك الجرائم ضد الشعب الكردي أما الأفراد من أقطاب هذه السلطة الغاشمة فهم يتحملون مسؤولية فردية-جنائية بسبب ارتكابهم تلك الجرائم الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان ولنا في محاكمات المجرمين مثل صدام وميلوشوفيتس وكاراجيش وغيرهم خير مثال على ذلك.
وعلى هذا النحوفهناك العديد من المجرمين والقتلة الذين أدينوا في محاكم دولية معروفة بسبب جرائم وحشية ارتكبوها ضد الانسانية وجرائم حرب في شتى البلدان،بما فيها خروقات فظة لحقوق الانسان،ويجب على الحركة الوطنية الديمقراطية الكردية في غربي كردستان أن تضع ضمن أجندتها من الآن مسألة محاسبة أقطاب نظام البعث في دمشق بنفس الطريقة، والإستفادة القصوى من تلك السوابق القانونية الدولية،بهدف الاقتصاص من هؤلاء القتلة والمجرمين من جراء تلك المظالم والجرائم التي اقترفوها سواء بحق العرب السوريين عامة وضد الشعب الكردي بوجه خاص كي يصبحوا عبرة للطغاة الأخرين في هذه المنطقة المنكوبة. وعلى الحركة الكردية أن نطرح وثيقة الاتهام ضد نظام العسكر في دمشق في الوقت المناسب،مع العمل والاستعدادات السياسية-القانونية كي تتبنى المعارضة السورية بكافة أطيافها مشروع مصادقة الحكومة السورية الجديدة مابعد زوال البعث الديكتاتوري على:إدخال بند توقيع و مصادقة سورية على نظام روما الأساسي إلى برنامج المعارضة الديمقراطية في سورية،كي يتم محاكمة رؤوس ومسؤولي النظام.وأعلم جيدا أنها ليست مسألة سهلة لأن بعض أقطاب المعرضة السورية الحاليين،كانوا جزءا من النظام حتى أمد قريب ومشتركين سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في جرائمه ضد السوريين والكرد.ولكن يجب أن تأخذ العدالة الدولية مجراها وتطبيق القانون دون استثناء وإعادة الحقوق المهدورة إلى أصحابها والعمل على تعويض الضحايا وذويهم، وفقا للآلية الواردة في نظام المحكمة الجنائية،ويحدونا الأمل أن تكون الخطوة الأولى على طريق إقامة دولة المؤسسات والقانون،نظريا وعمليا في سورية وليس مجرد كتابتها بحروف كبيرة وترديدها من قبيل النفاق،كما يحدث الآن في معظم دول المنطقة.فإقامة مؤسسات قانونية حقيقية تتمتع بالحصانة والإستقلالية عن السلطة التنفيذية،هي الدعامة الأولى لإقامة دولة القانون ومقدمة ضرورية جدا لبناء دولة ديمقراطية وعصرية بكافة الأبعاد والمقاييس.

د.آلان قادر
حقوقي ومتخصص في القانون في الدولي العام،
رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا-
حزيران 2009