الرئيسية » شؤون كوردستانية » الكورد وتركيا : خطان متوازيان لا يلتقيان

الكورد وتركيا : خطان متوازيان لا يلتقيان

لا يزال الوضع في تركيا, بعد أكثر من أسبوعين على تجديد حركة التحرر الكوردستانية لهدنتها, رهنَ الثنائية التالية : تأكيدٌ شعائري تركي سياسي وعسكري على اللا حلِّ, وتأكيدٌ شعائري كوردي سياسي وعسكري على الحلِّ. ينتجُ عن ذلك طرفٌ منخرطٌ بكفاحية عالية ومُسهبة في المسعى السلمي الديمقراطي لحلِّ القضية الكوردية, عبر مشاريع وأطروحات واقتراحات يقدِّمها بين الفينة والأخرى, وطرفٌ آخرٌ لديه فراغاتٌ واسعة ومساحاتٌ واسعة, لتحريك البيادق والمَعدَّات العسكرية, لتخريب مساعي الطرف الأول الكوردي, وآيةُ ذلكَ استمراره في العمليات العسكرية, وتقديمه وجباتٍ من التصريحات المُزدرية للحلِّ الديمقراطي.
ويمكنُ عدُّ هذا التنصل التركي من الحل الديمقراطي للقضية الكوردية نوعاً من الكبرياء الزائف, غير المُعضد بشيء, إذ ما دامت السلطات التركية المتعاقبة لم تنجح في تحويل الكورد إلى هنودٍ حمر آخرين, وبالتالي تحويلهم إلى متحف الشمع, فعلى ماذا تراهن في عزوفها عن الردِّ العملياني الإيجابي على الأطروحات الكوردية في الآونة الأخيرة, وبالتالي الدخول في فضاءات الحل الديمقراطي السلمي للقضية الكوردية ؟. سيما وأنَّ الحكومات التركية المُتعاقبة قد فشلتْ في تسوية الكورد بالأرض, كما كانت تُخططُ وتهجسُ, ولا يملكُ من يقرأ ” التقرير الكوردي السري ” لواضعه عصمت إينونو سوى الإقرارَ بأن الفشلَ في الصهر القومي للكورد وتصفية قضيتهم وإلغاء حق الوجود للشعب الكوردي قد حالفَ الحكومات التركية كافة.
مع هكذا تعاطٍ بارد مع الملف الكوردي من لدن الساسة والعسكر في أنقرة, لا نتوقعُ نموَّ جنين حلٍّ في رحم المؤسسات الأربع : رئاسة الجمهورية, ورئاسة الوزراء, والمؤسسة العسكرية, ومؤسسة المعارضة, ويمكننا إذا شئنا إضافة مؤسسة هامة أخرى هي الاستخبارات, وهي مؤسساتٌ – كما يُرى – غيرُ جادَّة, وغيرُ ذات اهتمامٍ بانبثاق نظام جديد سيا اجتماعي في تركيا, وحين نتحدثُ عن عدم تبلور جنيني في الحالة, فيجبُ أن يُفهمَ من ذلك أنَّ الطلقَ والولادة لا يزالان بعيدين عن متناول اليد, والحالُ أنَّ هذا التجاهلَ للتنبيهات والمطالبات والمناشدات والصيحات السلمية لا يخدمُ أحداً, غيرَ المنتفعين من دوام الحال على ما هو عليه, فهؤلاء المُعيقونَ لحلِّ القضايا والمشاكل التي تواجه تركيا, هم نفسهم المنتسبونَ إلى جبهة مقاومة الديمقراطية غير المُعلنة في تركيا, فمن شأن دمقرطة تركيا, وحلِّ قضاياها ومشاكلها كسرُ احتكار تلكم الفئة, والإطاحة بمكتسباتهم.
ما نعلمهُ, أنَّ كلَّ مشكلة أو أزمة أو قضية أو مسألة تواجه دولةً من الدول, لا يمكنُ حلُّها إلا بوسائلَ جوهرية عيانية, أما اعتماد الحلول الاصطناعية لحلِّها فلا يعني سوى تفكهاً وبطراً واستنكافاً عن السير في طريق الحلِّ, وهذا من شأنه لفتُ الانتباه إلى أن النظام السياسي التركي المرتكز إلى منظومة من القيم والممارسات المتبجح بها, عفى عليه الزمن, وأصبح استمرار الأخذ به وبالاً وخطراً على تركيا, وتشبه تركيا في هذا الصدد العديد من الدول.
وإذا كانت الأشهر: آذار ونيسان وأيار من العام الجاري, قد شهدت تصريحات إيجابية تركية, كانت باعثة على التفاؤل, لكن الملاحظ أن الطرف التركي اختار بذا الإبحار إلى الحل والسلام بقوة لفظية مطلقة, والاكتفاء بذلك فقط, دونما خطوات عملية مُواكبة أو لاحقة بالتصريحات العديدة المُطلقة, فيما يُلاحظُ على الضفة الأخرى أنَّ الكورد في تركيا ( معسكرُ حزب العمال الكوردستاني ) وقلة من مؤسسات المجتمع المدني في تركيا تحولوا إلى خليةِ نحلٍ نشطة للغاية, فهي التي تقومُ بالتشخيص, وتقدمُ اقتراحاتها من أجل العلاج, فيما يبدو الطرف الحكومي أشبهَ بطبيبٍ غير مختص لا يُجيدُ سوى تقديمَ جُرعات من المهدئات والمسكنات ( مثل غالبية أطباء مدينتي كوباني ) التي لا تحلُّ المشكلة, بلْ تفاقمها أكثر.. فأكثر.
وقد صدرتْ آخرُ المقترحات حول حلِّ القضية الكوردية في تركيا سلمياً وديمقراطياً عن مؤتمر المجتمع الديمقراطي, الذي انعقدَ في مدينة آمد ( ديار بكر ) بمشاركة نحو 800 شخصيةٍ سياسية وحقوقية وثقافية ومندوبينَ مُختارينَ مُمثلينَ للعديد من المدن والبلدات الكوردية في كوردستان الشمالية, وختمَ أعماله بتاريخ 14 حزيران الجاري بقراءة توصياته من قبل النائب السابق ” خطيب دجلة ” في حديقة ” كوشو يولو “, وهو المؤتمرُ الثالثُ في سياق طرح المشروع الكوردي للحلِّ, بعد المؤتمر الأول الذي عقد في شهر تشرين الأول 2007 , والثاني المُنعقد في شهر شباط 2008 , ويتبينُ من المقررات العشر المُضمَّنة في البيان الختامي للمؤتمر, إصرارُ الطرف الكوردي على المُضيِّ قُدُماً في طريق المطالبة بالحل الديمقراطي السلمي للقضية الكوردية, فهنالكَ قرارٌ بتأسيس لجنة للحوار مع القوى المساندة للسلام والديمقراطية في تركيا, بغية استقطابها إلى صفِّ حمائم السلام في وجه الحكومة والمؤسسة العسكرية, وهنالكَ قرارٌ بتأسيس هيئةٍ تعملُ على وضعِ خارطة طريق لحل القضية ديمقراطياً وسلمياً, وهُنالكَ مُطالبةٌ من المؤتمر للحكومة التركية بالإسراع في إصدار دستور ديمقراطي مدني يجري الحديثُ عنه منذ صيف 2007 , إذ من شأن هكذا دستور – كما يرى المؤتمرون – دمقرطة تركيا, وحلُّ القضية الكوردية, كما وكان تكرارهم مطالبة الحكومة التركية بوقف العمليات العسكرية تجاوباً مع هدنة منظومة المجتمع الكوردستاني من بين المقررات أيضاً, وذلكَ رغمَ بعثرة الطرف التركي ( الحكومة والمؤسسة العسكرية ) المساميرَ على طريق الحلِّ والسلام, في شذوذٍ سياسي وعسكري لافتْ.
ولكن أمام هذا الإصرار الكوردي الأعمى على الحل الديمقراطي السلمي, هل ستعمد مراكز القرار التركية إلى التجاوب والانخراط تالياً في التسوية السلمية للملف, والتأكيدِ على إمكان التقاء الكورد والدولة التركية, أم ستبقى أطروحات الحلِّ بمنأى عن التعاطي الإيجابي التركي, مُراوحةً في النفق المظلم الحالي ؟. ما نعلمهُ إلى الآن, أنَّ الكورد وتركيا خطَّان متوازيان لا يلتقيان, وأنَّ الصدارة لطواحين الكلام التركية عن حل القضية الكوردية, وللمبدأ الأثير لدى العسكر: ” لا صوتَ يعلو فوقَ صوت المعركة “.