الرئيسية » دراسات » الاستعمار الجديد الزراعي والأمن الغذائي الجزئين الاول والثاني

الاستعمار الجديد الزراعي والأمن الغذائي الجزئين الاول والثاني

الآن وبعد خمسة عقود من انحسار الاستعمار الغربي المقيت عن قارتي آسيا وأفريقيا؛ حيث ظل لقرون مستغلا شعوب وخيرات هاتين القارتين. وبعد كل التطورات والتغيرات التي حدثت في العالم خلال العقود الثلاثة الماضية. نرى الآن وكأن التاريخ يعيد نفسه فالاستعمار يظهر لنا بشكل وثوب جديدين.

الاستعمار الجديد ظهر من الشرق الأوسط وآسيا، والغريب أن المستعمرين الجدد هم أهل المنطقة ولم يقدموا من الغرب كما اعتدنا عليهم. المستعمرون الجدد هم دول غنية جدا تشكو من عدم وجود أراضٍ زراعية لها أو أنها تشكو من التصحر أومن الكثرة السكانية. هذه الدول الشرق أوسطية والآسيوية وبعض مواطنيها الأغنياء جدا يعقدون صفقات مشبوهة للغاية مع دول لديها أراضٍ زراعية، وقيادات تهمها مصالحها الشخصية فقط. والصفقات هي إما أن تشترى أراضٍ منها أو تؤجرها لمدة طويلة الأمد قد تصل إلى 99 عاما.

إن هذه الدول الصغيرة والغنية تستورد معظم احتياجاتها الغذائية من وراء البحار، وأخذت تبدى اهتماما كبيرا لإنتاج الغذاء خارج حدودها خاصة بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية بجنون.

إن هذه الاتفاقيات والمعاهدات غير المعقولة والتي تعقد الكثير منها في الخفاء والسرية أخذت تجذب انتباه المنظمات الأممية واللاحكومية في العالم. وهي صفقات أطلق عليها كلمة الاستعمار الجديد وآخر من سماها بهذا الاسم هو الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاوFAO) وكانت هذه المنظمة تغض الطرف سابقا عن هذه القضايا، بل كانت تصف هذه المعاهدات المشبوهة بالاستثمار الزراعي.

وأما المنظمات غير الحكومية مثل منظمة أوكسفام OXFAM المعروفة فقد وصفت هذه الاتفاقيات والعقود بأنها تُكثر من نسبة الجياع في الدول التي وافقت على مثل هذه الاتفاقيات غير الإنسانية.

آخر هذه الصفقات الاستعمارية الجديدة كانت بين حكومة مدغشقر ومنظمة دايوالكورية الجنوبية؛ حيث استأجر الكوريون الجنوبيون مليونا وربع المليون هكتار (الهكتار هو10000 متر مربع) من أحسن الأراضي الزراعية في مدغشقر. أي أن الكوريين استولوا على نصف الأراضي الزراعية المروية في مدغشقر، وهو ما يعادل مثلاً نصف مساحة بلجيكا، علما بأن الأراضي الزراعية محدودة في هذه الجزيرة والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 20 مليون يشكون من المجاعة والفقر المدقع. ويبلغ متوسط دخل الفرد هناك حوالي 300 دولار سنويا وهى نسبة متدنية جدا علما بأن متوسط دخل الفرد الكوري الجنوبي هو25000 دولار سنويا. والجدير بالذكر أن جنوب مدغشقر قد أصيب بالأعاصير ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة وسببت كوارث لا تعد ولا تحصى. وأن كوريا تريد أن تستغل هذه الأراضي في زراعة الذرة وزيت النخيل من أجل التجارة.

لقد وصفت كل من الحكومة الكورية والمدغشقرية المعاهدة بأنها ستحل كافة مشاكل مدغشقر وكلا الحكومتين سمتا المعاهدة بمسميات فضفاضة وغير حقيقية، لكن شعب مدغشقر لم يقبل المعاهدة وأخذت المظاهرات والاحتجاجات تتكاثر ضد المعاهدة حتى تم إلغاؤها قبل أسابيع ومن ثم سقوط الحكومة قبل أيام.

هناك دول أخرى تريد أن تكسب على حساب شعوبها وبالطريقة المدغشقرية، وهي على استعداد لبيع أراضيها لمن يدفع أكثر مثل كينيا وإثيوبيا والسودان وأوكرانيا وكمبوديا. وهناك دول أخرى تخجل أو تخاف أن تعلن استعدادها لمثل هذه الصفقات علنا.

ومن الأمثلة على هذه الاتفاقيات تلك التي أبرمت بين قطر وكينيا، حيث ستستغل قطر بمقتضاها 40 ألف هكتار من أخصب الأراضي الزراعية الأفريقية مقابل بناء ميناء لكينيا على المحيط الهندي بكلفة 3 مليارات دولار.

الإمارات العربية المتحدة تحاول استغلال 30 ألف هكتار في السودان وعلى ضفاف النيل لزراعة الذرة والأعلاف الحيوانية علما بأن الإمارات قد عقدت عدة اتفاقيات مع سياد برى في الصومال حيث حصلت على مزرعة كبيرة على ضفاف نهر الشبيلي لكن كل هذه فشلت. وقبل سقوط نظام برى بعام واحد زار كاتب هذا المقال مزرعة الشيخ زايد في مدينة أفكوى القريبة من مقديشوووجدها من أروع ما في الصومال، وأثناء الحرب أي في عام 1994 زارها مرة أخرى ولم يجد من معالمها شيئا، وأما مزارع ومعمل تكرير السكر فكان مصيرها الفناء وبيع المعمل الذي أنشأته الكويت لتجار الخردة في كينيا.

وأما الدول الأخرى التي عقدت أوستعقد اتفاقات زراعية فهي:

1) المملكة العربية السعودية، حصلت المملكة على مليون وربع هكتار من اندونيسيا. علما بأن مواطنها الوليد بن طلال بن عبد العزيز حصل على كمية مشابهه من مصر وذلك في الوادي الجديد ولكنه لم يستغل منها إلا اليسير. وقد كانت الحكومة المصرية سخية جدا مع هذا المستثمر الذي تتهمه الصحافة المصرية بعدم الوفاء بوعوده.

2) الإمارات العربية المتحدة، حصلت على مليون هكتار في باكستان وهي بصدد الحصول على أراضى شاسعة في السودان وكازاخستان.

3) قطر، فبخلاف ما حصلت عليه في كينيا فإنها بصدد الحصول على أراضى في كل من كمبوديا وفيتنام.

4) ليبيا، والتي حصلت على ربع مليون هكتار في أوكرانيا ولها مشاريع زراعية كثيرة في أفريقيا منذ ثلاثة عقود.

5) كوريا الجنوبية، دولة مثل كوريا الجنوبية والتي لا تتعدى مساحتها على 10000 كيلومتر مربع حاولت الحصول على أراضى في مدغشقر ففشلت ولكنها بصدد الحصول على 700 ألف هكتار من السودان. وهي تحاول الحصول على أراضى في أي مكان لتغذية 47 مليون كوري جنوبي (إن الصفقات التي تقوم بها الحكومة السودانية مع بعض الدول بإعطائهم أراض زراعية هي عملية مجحفة للشعب السوداني حيث تحاول منظمة الأغذية العالمية W F P تغذية 5.6 مليون نسمة في دارفور).

6) اليابان، حصلت اليابان على 100 ألف هكتار من البرازيل.

7 ) الصين: إن هذا العملاق لديه حوالي 40% من فلاحي العالم، ويملك حوالي 9% فقط من الأراضي الزراعية في العالم، وهوما دفع الصين لتوقيع اتفاقيات مع أكثر من 30 دولة “صديقة” حيث ترسل الصين الآلات والخبراء لهذه الدول التي حصلت على أراض زراعية فيها، وهؤلاء الخبراء يزرعون عادة الأرز والصويا والذرة من الأنواع المطلوبة في الصين، بعكس ما يزرع محليا في تلك الدول.

والغريب أن هذه الصفقات تشوبها السرية التامة رغم أن بعض الشعوب بدأت تنظر لهذه الاتفاقات بريبة.

والسؤال الآن يدور حول العراق.

فإن العراق هو البلد الزراعي الثاني بعد السودان في مجموعة الدول العربية حيث أن فيها نهريين دائمين كبيرين وأراضيها خصبة صالحة للزراعة. مع كل ذلك فإن المستشار الاقتصادي في مجلس الوزراء د. عبد الحسين العنبكي أعلن بأن العراق يخسر ما يعادل مئة ألف دونم سنويا من الأراضي الصالحة للزراعة. فلماذا يحدث هذا؟ وكما يعرف في الوقت الحالي فإن العمالة الزراعية في العراق أخذت تشح بشكل هائل حيث أن الانضمام لقوات الشرطة والجيش والحدود قد أدى إلى هجرة الفلاحين العراقيين عربا وأكرادا من أراضيهم وعلى ما يبدو أن وزير الزراعة العراقي يحاول حل هذه المشكلة بجلب فلاحين من خارج العراق. ولكن هذا ما هو إلا حل ساذج لمشكلة كبيرة وعويصة.

إن الأمن الغذائي العراقي لا يقل أهمية عن الأمن القومي وعلى ما يبدو أن أكثر من 80% من ما يأكله الشعب العراقي مستورد. علما بأن الحديث عن نوعية وصلاحية الغذاء ستزيد المصيبة. والحل الساذج الآخر هو حل مشكلة الأمن الغذائي بواسطة الاستيراد من دون التأكد من صلاحية نوعية ومصادر الغذاء. ففي الآونة الأخيرة ونظرا لارتفاع الوعي الصحي في دول الجوار فإنه يبدو أن كثير من الأغذية الغير (صالحة) تجد طريقها إلى العراق. وأما ما يستورد فأعتقد بأنه لا يوجد إحصاء لهذا في العراق. ففي أواخر نوفمبر 2008 رجع كاتب المقالة بعد زيارة خاصة إلى إيران عن طريق السليمانية بالسيارة وقد تصادف وصوله معبر باشماخ بين مريوان الإيرانية وبنجوين في كردستان صباحا باكرا أي قبل فتح الحدود وقد تمكن من عد 285 شاحنة تنقل الطعام إلى العراق. علما بأنه ما عدا مواني شط العرب فإن العراق يحد بستة دول كل لها أكثر من منفذ حدودي مع العراق. يا ترى ما هي حجم مشكلة الأمن الغذائي العراقي؟

هناك واقعة أخرى يتذكرها الكاتب وهي أنه سأل البقال الذي يتعامل معه في سرجنار (السليمانية) عن كم من الخضار والفواكه الموجودة بكثرة في محله هي عراقية المصدر. وللرد على سؤاله ذهب البقال إلى الطرف البعيد من ما معروض ورفع “باقة كرفس”.

وعلى ما يبدو أن الحلول الساذجة التي اقترحت للعمالة الزراعية والأمن الغذائي العراقي ستؤدى أخيرا إلى أن تعطى أراضى عراقية مجانا لدول الاستعمار الجديد لاستغلالها (استثمارات) وسيُكثر تماسيح الأراضي من زياراتهم للساسة العراقيين،.. وإن غدا لناظره قريب.

* مستشار إقليمي (متقاعد) لمنظمة الأغذية والزراعة، الفاو، لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ورئيس (سابق) لرابطة موظفي الأمم المتحدة، مصر



الاستعمار الجديد الزراعي والأمن الغذائي (2)

أ.د.طالب مراد

قبل شهرين نُشر الجزء الأول من هذا المقال في عدة مواقع عراقية تهتم جدياً بالشأن العراقي، والذين فاتهم فقد ذكرت في آخر فقرة من المقال أن” الحلول الساذجة التي اقترحت للعمالة الزراعية والأمن الغذائي العراقي ستؤدى أخيرا إلى أن تعطى أراضى عراقية مجانا لدول الاستعمار الجديد لاستغلالها (استثمارات) وسيُكثر تماسيح الأراضي من زياراتهم للساسة العراقيين،.. وإن غدا لناظره قريب”
وعلى ما يبدو فإن العراق سيصطف بسبب قياداته السياسية الحالية في عداد الدول الفقيرة التي باتت تعرض أراضيها الزراعية لمن يدفع أكثر، و من هذه الدول: مدغشقر، كينيا، إثيوبيا، السودان، باكستان، أوكرانيا، كمبوديا، والكونجو.
لكن الفرق الوحيد بين هذه الدول والعراق هو أن الدول المتخمة بالدولارات مثل الصين والسعودية وقطر والكويت والإمارات تقدم عروضا سخية، وفي كثير من الأحيان الرشاوى الكبيرة للطبقات والعوائل الحاكمة في تلك البلدان الفقيرة لتمرير مشاريعها لشراء الأراضي بهذه البلدان.

بينما العراق هو البلد الوحيد الذي “يسمسر” لأراضيه الزراعية، فما تصريحات السيد سامي الأعرجي رئيس هيئة الاستثمار في العراق مؤخرا، وأثناء زيارته لدولة الإمارات إلا سمسرة رسمية من قبل شخص موظف في الحكومة العراقية، وقد ذكر أنه سيغير قانون 23 في أيلول القادم. حيث سيُسمح للأجانب بالحصول على أراض زراعية عراقية شراء وإيجارا لمدد طويلة تقترب من الاحتكار. وتكلم الرجل بثقة لا أحد يعرف مصدرها وكأنه سيملي بنفسه القرار على البرلمان العراقي ليغير شروط تملك الأجانب للأراضي الزراعية، أو ربما ظن أن البرلمان العراقي لا يختلف عن برلمانات الدول الكارتونية التي تصدر تشاريعها وفق مصلحة فئات وأفراد وليس لصالح الأمة كلها.

والطريف هو ما ذكره الأعرجي لوكالة أنباء رويترز بأن استصلاح الأراضي العراقية سيكلف حوالي 18 بليون دولار. والسؤال المحير هو: من أين أتى بهذا الرقم؟ وهل هو يحاول أن يقنع البرلمان العراقي والعراقيين الذين لا حول لهم ولا قوة بما يجري حولهم بأن استصلاح الأراضي الزراعية العراقية مكلف بما فوق طاقة العراق. وفي نفس التصريح أردف أن العراق سيستصلح أراض بمساحة 6 ملايين فدان تقريبا. وما هذا إلا دليل واضح على إن العراق يملك كافة الإمكانيات لاستصلاحها.فلماذا إعطاؤها للغريب بينما لدينا آلاف الأيدي العاملة التي بحاجة لاستغلالها كما أن أثرياء العراق ليسوا قليلين.
لكن على ما يبدو إن قسماً من ساسة العراق يعتقدون أن العصا السحرية لاستصلاح الأراضي موجودة في دول الخليج الصحراوية.
ومعروف أيضا أن مسألة الأمن الغذائي قد تصدرت جداول أعمال دول الخليج العربية في أعقاب تضخم كبير شهدته هذه الدول العام الماضي.
وفي تايلاند مثلا تركز الاهتمام الخليجي بالاستثمار في مزارع الماشية وإنتاج الأرز، في حين تركز الاهتمام بإنتاج محاصيل غذائية في بلدان أخرى.
وللعلم فقط: فإن ما هو موجود من كوادر علمية وفنية في مجال الزراعة والإنتاج الحيواني في أي محافظة عراقية يعادل ما هو موجود منها في دول التعاون الخليجي قاطبة. هذا ولم تترك الصحافة العالمية تصريحات الأعرجي دون الإشارة لها بعلامات الاستفهام. وقد قرأت قسما منها في الجارديان اللندنية ومجلة الايكونوميست. وكما نشر على موقع Farmland grab الأمريكي المختص http://farmlandgrab.org/

لقد أخذ العالم ينتبه بشدة إلى موضوع اغتصاب الأراضي الزراعية حيث ساعدت مثل هذه الصفقات في إزكاء الغضب الشعبي في مدغشقر مثلا مما أدى لسقوط حكومتها. والآن بدأت المشاكل في كينيا ضد قرار حصول قطر على أراض فيها حسب نفس الموقع وستتفاقم هذه الأزمة قريبا. وفي السنتين الأخيرتين حصلت كل من الصين والسعودية والكويت على أراض زراعية من دول فقيرة، بما مساحته 20 مليون هكتار، أي ما هو أكبر من مساحة فرنسا.ودفع فيها من 20 إلى 30 بليون دولار.

وقد تم تناول هذه الظاهرة بنقد عالٍ في دراسة حديثة جدا قام بها المعهد الدولي للبيئة والتنمية (IIED) بناء على طلب من منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة(FAO) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية(IFAD) .
وهذه الدراسة ورغم كونها صادرة من منظمات تابعة للأمم المتحدة وتأخذ الجانب الحكومي من أي قرار، لكنها استنتجت بأن اتفاقات الأراضي الزراعية تسبب ضررا فادحا في التركيبة الزراعية. وضررها يكون أكثر عندما يبعد المواطنون عن اتخاذ القرار. بمعنى أنها قد تؤثر على رضا المواطنين عن الحكومات القائمة أو غضبه عليها لعدم إشراكها في قرار خطير كهذا.

وكثير من هذه الاتفاقات سيئة الصيت تكون سرية وتقدم بشكل مخالف إلى شعوب الدول الفقيرة.وقد نقلت الايكونوميست عن أحد السياسيين الكمبوديين بان عقود استثمار الأراضي الزراعية بين بلاده والدول الغنية بنودها اقل بكثير من بنود عقد إيجار بيت عادي. وبتعبير آخر فإنها لا تضمن للدول الفقيرة ما يصون حقها في إقليمها الذي يفترض أن تمارس عليه السيادة وربما لا تعطيها حق فسخ هذه العقود إذا رأت أنها تتعارض ومصالحها.فهناك عقود لاستثمار الأراضي الزراعية بين حكومات وأشخاص أجانب أغنياء لم يفوا بوعدهم ومع كل هذا فان هذه الحكومات تجد صعوبة في إلغاء هذه العقود. فكيف يكون الحال إذا كانت الاتفاقات بين حكومات؛ فالأمر معقد أكثر لأنه متعلق باتفاقات ثنائية ذات طابع دولي.

إني على استعداد لمد أعضاء البرلمان الذين ذكر الاعرجي انهم سيغيرون قانون 23 في أيلول القادم لما يحتاجونه لمعرفة المزيد حول هذا الأمر، لوقف اغتصاب ارض السواد ارض الرافدين قلب الهلال الخصيب.

ثم إن هذه الأراضي المغتصبة عادة ما تُزرع لإنتاج محاصيل لتغذية شعوبها، أوحتى لانتاج غلات نقدية أي للبيع أو لإنتاج الوقود الحيوي، ونحن في العراق نعيش فوق بحيرات من البترول والغاز والتي لم تُستغل بعد على الوجه الأكمل.
فما الحكمة في أن نفرط في أرضنا لكل من هب ودب لإنتاج الوقود الحيوي والغذاء لشعوب أخرى غنية. والحقيقة أن بعدا آخر أخلاقيا يجب النظر له في هذه المسألة حيث أننا سنكبل أبناءنا وأحفادنا بحرمانهم من نصيبهم من موارد البلاد. ومعلوم أنه مهما بلغ العائد المادي لهذه الصفقات من الضخامة وأغدق علينا المشترون بالأموال فإننا سنضطر لشراء ما يلزمنا من غذاء من الخارج بكل ما يحمله هذا الخيار من الارتهان لقوى السوق، وتحكم الدول المصدرة، واحتمالات الإصابة بالأمراض المنقولة في المواد الغذائية المستوردة والقادمة من دول المنشأ إذ أن الرقابة على الصادرات مهما تعاظمت فلا تضمن سلامة الغذاء 100%، بنفس قدراتنا على التحكم والراقبة فيما نزرعه وننتجه نحن على أرضنا وتحت سمائنا.

ومن الهام الإشارة لأن العائد الضخم من مثل هذه الصفقات سيتبخر سريعا أويفقد قيمته الشرائية بعد فترة بحكم طبائع الاقتصاد وبحكم أننا نمر كما دول أخرى بأزمة مالية تضرب العالم كله وتتفاقم، وربما ما سنحصل عليه الآن من إيجار وبيع أراضينا (والتي لا أملك فيها شبرا واحدا) بيعها للغرباء لن يساوي بعد عام ثمن حفنة قمح.

___
* مستشار إقليمي (متقاعد) لمنظمة الأغذية والزراعة، الفاو، لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ورئيس (سابق) لرابطة موظفي الأمم المتحدة، مصر