الرئيسية » مقالات » الرياضة كبديل عن السياسة

الرياضة كبديل عن السياسة

لا يكفي العنوان ليستوعب حقيقة دور الرياضة اليوم , فالدور الاقتصادي لرياضة المحترفين هائل في الواقع , لكن في عالم يتخلى تدريجيا عن السياسة بمعناها الكلاسيكي و تعلو فيه الأصوات مرتفعة لنزع التسييس عن الطائفية و عن الدين و عن كل شيء تقريبا و تحاول الليبرالية فيه أن تستخدم هذه الكذبة لتعلن أنها غير سياسية أو فوق سياسية بمعنى أنها نمط حياة , دنيا و دين كما يشرحها الإسلاميون , أي أنها بمثابة دين جديد حقيقي , و في عالم يفقد الاهتمام بالسياسة من جهة و ينزع إلى النكوص إلى حالة و أفكار سابقة على شعبنة السياسة أو جمعنتها مع صعود البرجوازية كالعنصرية في دول المركز الرأسمالي و صعود اليمين الشعبوي و كالطائفية ( الوجه الآخر المتطابق و المناقض في ذات الوقت لعنصرية اليمين في المركز الغربي الرأسمالي ) في دول الأطراف و في عالم تعرض لمحاولة عميقة لخصخصة السياسة على مدى عقود تحت ضغط كبريات الاحتكارات و جناحها السياسي الفكري و العسكري الذي مثله المحافظون الجدد باسم حياد الاقتصاد في صورة السوق عن سائر أشكال النشاط الإنساني و بالتالي تفوقه و سيطرته عليها , تلعب الرياضة , رياضة المحترفين و المشاهير , رياضة الفرق القومية و المسابقات المعولمة و المحلية التي تنقل مباشرة إلى جمهور واسع من البشر , من المتفرجين في منازلهم , هذه الرياضة مثلها مثل الفن و السينما , بعد أن تحولت نهائيا و بالكامل إلى أسلحة مشهدية ( بيد المشهد أو الاستعراض العام السائد ) مع هوليود و ديزني لاند , مع صعود فن التسويق و الدعايات التي تعتمد لغة الصورة و الصوت , دورا أقرب إلى مركز جديد بعد أن تهاوت المراكز السابقة أو جرى تهميشها بشكل واع , يقول جان ماري بروهم و مارك برولمان و باتريك فاسور ( لوموند ديبلوماتيك , الطبعة العربية , حزيران يونيو 2004 : الرياضة و القيم الأولمبية المغلوطة ) أن “ريضنة” العالم كانت جوهر عولمة الرياضة التي تمثل جزءا هاما من عملية العولمة برمتها , أما محاولة البحث عن النقاء في عالم ملوث بكل الأفعال المبررة في إطار السعي وراء الربح , فتتحول إلى الرياضة من خلال ذلك “الواقع الافتراضي” الذي يخلقه البث المباشر في أذهان و عقول المتفرجين , مع كل ذلك الحديث الفارغ عن اللعب النظيف و رياضة الإنجازات و مكافحة المخدرات و غيرها من العبارات التي تملأ الملاعب الرياضية اليوم , يختزل هذا المشهد الرياضي الذي لا يتوقف في صخب و ضجيج لا ينقطع البشر إلى “جماهير هائلة من المحرومين و المقهورين الذين تقلص دورهم إلى مجرد مشاهدي تلفزيون متعصبين أو إلى آلات للتصفيق كما في برامج “تلفزيون الواقع” ( المصدر السابق ) , فيم يشرح سيمونوفيتش في كتابه ( Philosophy of Olympism – 2004 الصادر في بلغراد ) كيف استخدمت الرياضة الأولمبية لتعزيز مبدأ كون القوة على حق و لتبرير الداروينية الاجتماعية و لإثباتها ( أيد كويبرتان مؤسس الحركة الأولمبية فكرة هيراقليطيس أن الحرب هي أب الجميع , لكن و كما قال سيمونوفيتش لم تكن الحرب بالنسبة إليه هي مبدأ الحياة بل وسيلة القوي لتحقيق مصالحه , لقد رأى مؤسس الحركة الأولمبية المعاصرة في القوانين الطبيعية وسيلة النخبة الحاكمة لتحقيق مآربها , و هكذا حولت القوة البرجوازية المستندة إلى العلم و التكنولوجيا هذين إلى وسيلتين لإخضاعه , و أصبحت هي قوة شمولية جديدة ) , و مع التشظي الإنساني الذي يرافق سطوة الانترنيت و الفضائيات و الأفلام و الفيديو كليب كواقع افتراضي نعيشه بديلا عن الواقع الفعلي , تصبح الرياضة مصدرا لحالة إجماع ما , محلية أو قومية أو حتى عابرة للقوميات , عملية تجميع يسميها بروهم و زميليه “توليتارية” “في صفوف الجماهير التي تطير من الفرح إزاء إنجازات آلهة الملاعب” ( بروهم و زملاؤه من اللوموند ديبوماتيك مصدر سابق ) و يضرب بروهم مثلا في محاولة تعميم الهراء عن دور الانتصارات الرياضية في محو الفوارق العنصرية أو الاجتماعية أو السياسية في التعليقات التي رافقت انتصار الفريق الفرنسي لكرة القدم بكأس أوروبا 1998 و ما قاله مدرب المنتخب جاكيه “لقد اكتشفت فرنسا نفسها عبر هذا الفريق المتعدد الأثنيات” , من السخيف حتى مناقشة أن هذا الفوز قد حل بالفعل تلك التناقضات الفعلية , ربما كانت ثورة أحياء الضواحي هي الرد المتأخر على هذه المزاعم , لكن نسبة فوز 11 لاعب لبلد ممزق اجتماعيا و أثنيا كفرنسا دونما تحديد طبقي أو أثني يكسب هذا الهراء مصداقية ما , هذا هو التلفيق الذي يريد أن يزور الحقائق في الواقع الفعلي استنادا إلى تلك الإيهامات التي يبثها الواقع الافتراضي , عندما يكون التشظي هو القانون السائد في الواقع تهرب النخب إلى الرياضة لخلق وهم الإجماع , تذكروا الفريق العراقي الفائز بكأس آسيا الأخيرة , بينما يجري فرض هذا الإجماع بالقوة في الواقع , سواء قوة الأمر الواقع غير المباشرة أو القوة العسكرية و الأمنية المباشرة , تستخدم الرياضة لخلق مبرر , لحم و دم , لهذا الإجماع الملفق , تذكروا أن المكان الوحيد في عالمنا العربي الذي يضم الطاغية , و في كثير من الأحيان أفراد أسرته حتى , مع الجماهير المضطهدة ( التي يضطهدها هو بالتحديد ) هو الملعب , تذكروا أن حسني مبارك كان مع ولديه هناك في نهائي بطولة أفريقيا لكرة القدم التي أقيمت منذ عدة سنوات في مصر إلى جانب آلاف مؤلفة من المصريين , أغلبهم من البرجوازية الصغيرة المدينية , لكنها أيضا في عداد من يضطهدهم النظام و زعيمه الجالس هناك بينهم , و تذكروا أن الصيحات لم تتوقف عند تشجيع الفريق القومي بل امتزجت بالتصفيق للطاغية , بشكل لا شعوري في كثير من الأحوال خاصة مع هدف الانتصار على الفريق المنافس , و كذلك بشار الأسد في مباراة الكرامة مع خصمه الياباني في نصف نهائي كأس أندية آسيا قبل عدة سنوات , و معه زوجته و أطفاله الصغار , رغم أن النتيجة هنا اختلفت لصالح الخصوم لكن هذا لم يقلل كثيرا من كم المشاعر الزائفة و الصراخ المرافق….