الرئيسية » مقالات » المثقف الغائب وإعلامنا الساذج

المثقف الغائب وإعلامنا الساذج


الثقافة العربية متدهورة


كنت قد عالجت في حلقة سابقة ، جملة من معاني المثقف الحقيقي ، كونه عملة صعبة هذه الأيام ، وكم يدفع من فواتير صعبة جراء أفكاره وإبداعاته ومواقفه في مجتمعات تدهورت فيها القيم والسلوكيات والمفاهيم ، بانغلاق الحياة واسيجة التفكير .. واليوم دعوني أعالج إجابة على تساؤل طالما يفترضه كل مستنير على نفسه ، يقول : هل تقدّمنا نحن .. أم تأخرنا عمن سبقنا ؟ ربما تقدمنا بالآليات واستوردنا مطابع ، وورق ، وأجهزة كومبيوتر ، وستايلاتات .. واستطعنا أن ننشر مؤخرا كل غسيلنا على الانترنيت .. ولكن كل ثقافات المنطقة متدهورة بدرجة كبيرة .. لا يغرنكم وصول حصول هذا أو ذاك على جائزة نوبل ، فالثقافة لا يمكن اختزالها في مبدع واحد ، أو نخبة تعيش في برج عاجي .. إن الثقافة في أسمى مدارجها ، ترى كم حققت نظرية فلسفية أو علمية من النجاح والذيوع ليس في بلداننا ، بل في العالم أجمع؟ وكم مشروع عمل عربي انطلق فعالا في حياة مجتمع بشري ؟ وكم حققت رواية من الروايات العربية نسبتها من المبيعات العالمية ؟ وكم نال مؤلف لأي عمل حقوقه دون أن يسطو عليه تجار الكتب من الحرامية ؟ وكم حققت الدولة من خدمات للمجتمع ، وذلك بتجسير واضح بين السلطة والمثقف ؟ وكم نجحت الأمة في بلورة مفاهيم عليا ، وأساليب حياة ، وتجديد مناهج ، وبرامج تربية متمدنة ، وخلق جيل عالي التفكير ؟ وكم نجح المثقفون في فرض دورهم في الثقافة الإنسانية من خلال مشاركتهم الفعلية لا تقديم أداء بالعربي للجاليات ؟ إن حالة تدهور مخيف تمر بها ثقافات الشرق الأوسط .. وان الإعلام يترجم ذلك ببلاهة وسذاجة ، إذ أن المثقفين الحقيقيين لا تجدهم على الواجهة .. إنهم مهمشون ، وساكتون ، وصامتون جراء توحش المجتمع بسلطاته التي يمارسها الوعاظ ورجال التابو الذين يسرحون ويمرحون ، وقد غدوا عقبة كأداء في سبيل التقدم المدني والتفكير المدني ، وفي محاربتهم المثقفين الحقيقيين ، بسبب عجزهم عن مواجهة المثقف من دون أدوات حقيقية إلا أدوات الإقصاء والتكفير ..



صدام الثقافات وتداعيات المخاطر


بدأ صدام الثقافات مع سبتمبر 2001 بحيث طفح العداء وتصاعدت روح الكراهية بين عالم الشمال وعالم الجنوب .. ولعل ما نشهده اليوم ، فسوف يتزايد خطره سنة بعد أخرى ، وسيتضاعف جدا في السنوات القادمة ، خصوصا ، وان مجتمعات الشمال تستوعب اليوم كل الثقافات ، بل واجد حتى تلك المركزية الغربية وقد توازنت مع كل الثقافات باستثناء الثقافات الإسلامية ! إن ثمّة علامات استفهام كبيرة في نهايات أسئلة تفرض اليوم على العرب والمسلمين أنفسهم في كل العالم ! ربما هناك صراعات ثقافية بين المجتمعات قاطبة ، ولكنها صراعات مسالمة ، ولكن صراع اليوم بين ثقافات عالمين اثنين يزداد ابتعادهما عن الآخر ، ومن خلال تأجيج السياسات الخارجية والإعلاميات الماكرة لأوضاعنا ، وتفّشي بقايا أمراض كامنة عرقية وطائفية واجتماعية في أي مجتمع من مجتمعاتنا وبشكل كبير ! وعليه ، فالصراع غير متكافئ ، ولما كان غير متكافئ ، فان من الضرورة بمكان أن تتوالد قناعة راسخة بأن مجتمعاتنا بحاجة ماسة إلى ثقافات العالم المتقدمة ، أقول بـ ” تلاقح ثقافات ” ولا أقول ” غزو ثقافي ” ! إننا بحاجة إلى السلوكيات في العمل ، والى اللياقة في النقد، والى النظام في التعامل، والى التنمية في التفكير ، والى الصبر والمثابرة في الانجاز ، والى الإبداع في المهنة .. الخ ولا يمكن لأي مجتمع ناهض أن يلغي تجارب كبرى في تاريخ العالم خلال القرنين السابقين . إنني اعتقد أن نماذجا من صدام الثقافات ستتبلور عنها عدة مخاطر في السنوات الثلاث التالية ، منها : مشكلات بسبب عدم تأقلم الجاليات مع المجتمعات الغربية .. وأيضا ارتفاع نقمة العالم كله على الإسلام ـ ويا للاسف الشديد ـ ، وازدياد استياء العالم من المسلمين الذين يريد الغلاة والمتعصبون منهم نقل وتحويل عاداتهم وتقاليدهم إلى مجتمعات غربية أخرى لا تتقّبل تلك العادات والتقاليد .. ومنها عدم تفاعل المسلمين ، وخصوصا ، من الأصوليين بالمجتمعات الأخرى التي يعيشون فيها بسبب اغترابهم والتعامل بالضد مع الآخر وجها لوجه والاتجاه نحو الغلو بخصوصياتهم التي تصطدم حتما بأفكار وتقاليد المجتمعات الأخرى ..


قبل هذا الزمن بثلاثين سنة ، لم تكن المجتمعات الغربية تنظر إلى مجتمعاتنا وجالياتنا بمثل هذه النظرة الدونية ، بل بالعكس فتحت تلك المجتمعات والدول أراضيها للمشردين في الأرض ، ومدت أياديها للمهاجرين واللاجئين والنازحين وطلبة ما وراء البحار لتعلمهم ولتضمهم وتساعدهم وتضمن لهم فرص الحياة والعيش الكريم وكل الحريات .. كما وكانت ثمة زيجات كبيرة بين شرقيين وغربيات ! ولكن العالم كله اليوم قد اكتشف ، أن ثمة عوائق متجذرة بين ثقافات غير متفاعلة أبدا .. ثمة مشكلات وتصادمات ستتفجر .. بسبب ممانعة الآخر لنا ، وأن ثمة كراهية تنشأ اليوم بين مختلف الفرقاء ، وأنها تمتد بسرعة وردود فعل ساخنة وإرهابية من قبل المتعصبين ضد المجتمعات الأخرى في العالم .



تفاعل أم تآكل ؟


مبدعون في الخارج متهالكون في أوطانهم


لا يستطيع كل المبدعين العرب النجاح خارج أوطانهم ، فثمة ظروف صعبة قد تحيط بهم ، ولكن بشكل عام ، فان من يجد فرصته ليس في خارج وطنه ، بل في الغرب خصوصا فهو محظوظ كي يبدع في مجال تخصصه أو في مجالات أخرى .. ولكن يعطي موهبته وجهوده لمجتمعات أخرى ترعى مواهبه وتثمّن دوره ، وهو جواب واضح عن مبدعين عرب ومسلمين يسحقون في أوطانهم وينتصرون في اغتراباتهم . وعليه ، نجد أن كل إنسان مبدع يتميز في حقل نشاطه وتخصصه في العالم اجمع .. أما في مجتمعاتنا ، فالبشر لا قيمة لهم ويا للأسف الشديد !! اعترف بأن عددا غير قليل من المبدعين والمثقفين المغتربين أو المهاجرين ، قد نجحوا في مشروعات عدة في مجتمعات غربية ، بل وأصبح بعضا منهم رموزا لثقافات عالمية .. وبالرغم من كل ذلك ، فان غبنا كبيرا يلحق بهم في أوطانهم ، بل ولا يعترف بأعمالهم ولا تثمن مجهوداتهم ولا تحترم اغتراباتهم ! واعتقد أن المشكلة ستتفاقم مع مرور الزمن ، وستزداد شقة الخلاف بين أهل الداخل وأهل الخارج نتيجة تباين المفاهيم واختلاف الرؤى وتعاكس الاتجاهات .. وهنا ينبغي القول باحترام إرادة كل من في المهجر .. وعلى ابن المهجر أن يتحسس عمق المأساة التي يعاني منها ابن الداخل المغلوب على أمره بفعل الهجمة الماضوية التي يقودها المتعصبون في مجتمعاتنا !



انحدار المستويات ليس لأن الجمهور عايز كدة


في كل مرحلة زمنية ، تتنوع ضرورات الجمهور في كلّ من رغباته وأهوائه ، ولا يمكن إن يتنازل المبدعون والفنانون الحقيقيون من الأعلى نحو الادني لهكذا أسباب تافهة ، بل عليهم ما استطاعوا أن ينجحوا في أن يرفعوا المستوى نحوهم .. وان يقوم المثقف الحقيقي ما استطاع أن يرفع المتلقي إلى المستوى الذي هو فيه كي يتفاعل معه .. الفنان الحقيقي لا ينزل ولا يمكنه أن يتنازل .. أما السؤال الحقيقي: أين هو الفنان الحقيقي ؟ انه حال أي مبدع عربي حقيقي ّ! انه مغيّب تماما عن المرحلة وقد خفت دوره .. إن حياتنا العربية اليوم فيها مواهب لامعة ، وأصوات رائعة ، وإمكانات راقية ، ولكنها مكبّلة بالقيود والأصفاد . إن الفن الحقيقي مغّيب ومكّبل ، بل وانه قد ضعف جدا عن أداء دوره بسبب مرور جيل ثلاثين سنة عليه ، وهو يمّثل عطاء تكوين هش في الماضي .. ولابد أن يعلم الجميع بأننا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات قد قطفنا ثمار تكوين الثلاثين سنة التي سبقت الخمسينيات وكانت مرحلة بكر ورائعة ونهضوية حرة ، تكلمنا عنها في حلقات سابقة ، ونجح العرب في تكوين جيل من أروع العمالقة في مصر ولبنان والعراق وسوريا وتونس والمغرب والجزائر .. أما في الثلاثين سنة الأخيرة ، ومنذ هجمة 1979 بكل ماضوياتها العقيمة وإنجابها لكم هائل من المتعصبين ، فهي تمثل ثمار تكوين المرحلة الانقلابية والإيديولوجيات والسياسات البترولية .. أما الثلاثين سنة القادمة فستمثل في عطائها جيل جرى تكوينه منذ الثمانينيات حتى اليوم ، فتخيلوا عمق المأساة ، خصوصا ، وان هذه المرحلة قد شهدت أسوأ الأحداث والكوارث والحروب وكل تناقضات الغنى والفقر ، وبؤس إعادة إنتاج التخلف ، وهزال التربية والتعليم وانسحاق الحياة .


نشرت في مجلة روز اليوسف المصرية ، يونيو 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل


www.sayyaraljamil.com