الرئيسية » مقالات » من سيطلق رصاصة الرحمة على طارق الهاشمي ؟

من سيطلق رصاصة الرحمة على طارق الهاشمي ؟

قد تكون نهاية السيد طارق الهاشمي باتت قريبة جدا، هذا ما أشيع مؤخراً و تناوله المحللون السياسيون و بعض الكتاب في مقالاتهم و تحليلاتهم. معلنين بأنه سيرجع تاجراً كأفضل حال له ليتنطع بين لندن و أمريكا و الإمارات و غيرها من الدول، و ستطلق رصاصة الرحمة على مشواره السياسي من مسدس المالكي أو الأحزاب السنية المؤتلفة في الانبار أو صلاح الدين أو الموصل و ديالي أو بتعاون المالكي مع تلك الأحزاب و الحركات السياسية.
و ربما سيكون الفاعل من أشخاص الظل و التخفي أولئك الذين قتلوا أخوة الهاشمي، فالكل كان يترقب تلك الرصاصة و يتطلع فضولاً من أي مسدس أو قنَاص سوف يتم إطلاقها؟
مؤامرات طارق الهاشمي و تمكنه من الإطاحة بمحسن عبد الحميد رئيس الحزب الإسلامي سابقاً و إجبار عدنان الدليمي على التنحية من منصبه كرئيس لجبهة التوافق و الكثير مما أشيع عن تسلط هذا الرجل و مغازلته للبعث حيناً و للقاعدة حيناً آخر. أظن أن كل ذلك قد تهاوى و برهن العكس عند انتخاب مكتب سياسي جديد للحزب الإسلامي و خروج طارق الهاشمي من رئاسته و كما تناولت وسائل الإعلام من تصريحات للهاشمي الذي فسر ذلك برغبته للتفرغ للعمل الحكومي المتمثل بمنصب نائب رئيس الجمهورية و كذلك تصريحات أسامة التكريتي الرئيس الجديد للحزب الإسلامي التي جاءت ممتنة من قيادة الهاشمي للحزب طيلة الفترة المقبلة و أنهم ماضون في نفس الطريق، على الرغم من التجاذبات التي حصلت بشان تصريحات البغدادي و التي تتهم الحزب الإسلامي ككل و ليس طارق الهاشمي على وجه الخصوص.
“من سيطلق رصاصة الرحمة على طارق الهاشمي” عنوان مقال جال بخاطري حين قرأت خبر انتخاب رئيس جديد للحزب الإسلامي العراقي و كانت هناك عشرات التساؤلات التي راحت تتطاير فوق راسي و شاركني بذلك الكثير من الكتاب و المحليين السياسيين، و كنت اقصد المعنى المباشر من تلك العبارة، لكني تركت كتابة ذلك المقال لتريني الأيام أكثر و تنكشف لي الحقائق و “يأتيك القوس بلا ثمن”!
لم أتفاعل مع أولئك الذين أوَلوا ذلك التحول بقرب نهاية طارق الهاشمي و تهاوي عرشه السياسي و ما أشيع عن شرط حزب الدعوة للانفتاح على الإسلامي مقابل إقصاء طارق الهاشمي عن رئاسة الحزب الإسلامي. كما أصابني بعض الكتاب بالغثيان حينما تناولوا خطوة الهاشمي للفصل بين العمل الحكومي و الحزبي مستخدمين تلك الطريقة الكلاسيكية المباشرة و أسلوب المدح الفج الذي يكاد يذكرنا بالطريقة نفسها التي كانت شائعة و متبناة من كتاب المديح سابقاً و حالياً من قبل أولئك المرقعين و الملمعين أجندات أحزابهم أو الحركات السياسية الداعمة و الممولة لهم.
خبر زيارة طارق الهاشمي إلى تركيا و الهدف المعلن من تلك الزيارة كما عرفنا هو لغرض الوقوف عن كثب على أزمة المياه و الكمية المخصصة من الجانب التركي للعراق لزيادة معدل مياه دجلة و الفرات. كان لهذا الخبر بالنسبة لي و لجميع المهتمين بمعاناة العراق و شعبه أهمية خاصة في هذا الوقت الصعب الذي تتصدر معاناة أهلنا في الجنوب نشرات الأخبار و الصفحات الأولى في المواقع الإلكترونية و الصحف اليومية، و لما لهذا الموضوع من رعب حقيقي على بلد يئن تحت مطرقات شتى، غير أن لموضوع الجفاف و شحة المياه الأهمية القصوى التي تكاد تطغى على أهمية الملف الأمني، لما لها من انعكاس على الإنسان بشكل خاص و على نخيل الجنوب الشامخ و جاموس الهور السومري و على الحياة بمختلف أشكالها.
تجاوزت رحلة الهاشمي إلى تركيا أكثر من أسبوع التقى فيها الرئيس عبد الله كول و رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان، و سرعان ما طالعنا خبر استجابة تركيا لمناشدة طارق الهاشمي بزيادة حصة مياه دجلة و الفرات و إطلاق نسبة اكبر من الحالية، و بعد أيام تتفاعل هذه الأخبار و نعرف انه بالفعل تم زيادة النسبة و هاتف الهاشمي وزير الموارد المائية لطيف رشيد بهذا الموضوع لمتابعته.
هنا تتضح للموضوع زاوية أخرى و علينا النظر بحيادية و موضوعية لها، و هي أن ادعاء طارق الهاشمي بأنه قد تفرغ للعمل الحكومي قد أتت أُكلها بوقت قصير مستغلاً علاقة طيبة مع دولة جارة و هي تركيا، و مبرهنا في الوقت نفسه على انه لم يتاجر بهذا الموضوع من الناحية السياسية.
لقد عمل بدون تهريج و من غير صراخ و كان بعيداً جدا عن الشعارات فجاء تفاعل الحكومة التركية و استجابتها لطلب الهاشمي نائب ريس الجمهورية و ضخ الماء و زيادة الحصة المائية للعراق فعلياً، كانت جميع هذه الأمور أفعالاً و وقائع تسبق التصريحات، فقد تدفق الماء إلى دجلة و الفرات قبل أن يصل الهاشمي إلى بغداد و “يستحم” بماء دجلة و لم نقل “يشرب” من ماء دجلة، خوفاً من المعترضين بأنه يشرب المياه المعدنية !
ألا نعتقد بأننا بحاجة الآن إلى الابتعاد عن الشعارات و مطلقيها و إلى إنصاف جميع من يعمل لمصلحة العراق، و إلى إعادة النظر بقناعاتنا التي تأسست نتيجة ظرف قاس و وضع غير مستقر تأرجح و ترنَح مع التغيير و أخذت تتحكم به اتجاهات و مصادر الريح و الحالات النفسية ؟!.
أليس واضحاً بان المستفيد من هذا الانجاز هو العراق أولاً و أبناء شعبه جميعاً بدون استثناء و أهالي الجنوب بشكل خاص كونهم الأكثر تضرراً من غيرهم من موضوع شحة المياه لما له من تأثير سلبي على أراضيهم و زراعتهم و مشاريع الري و الشرب إضافة إلى معاناة أهالي الاهوار؟!
باعتقادي أن الهاشمي بفعله هذا قد أطلق أول رصاصة رحمة ضد الطائفية من الناحية الفعلية و ليست من ناحية الشعارات، و انه اثبت بوقت قصير صحة ادعائه بأنه يريد التفرغ للعمل الحكومي كون المسؤولية التي يتصداها من خلال منصبه الحكومي هي اعم و أوسع من مسؤولية شريحة أو جهة أو حزب، و قد برهن بأنه رجل دولة تصرف بهدوء و استغل ما يمتلكه قدرة و علاقة من اجل هدف عراقي خالص.
و لا اعتقد أن الهاشمي فعل هذا ليرجو من خلاله مكسباً انتخابياً مقبلاً، حتى لو كان كذلك كما سيتهمه بعض المتربصين و بعض الكتاب المتصيدين الذين لا يعرفون شيئاً غير لغة السب و التهجم، فمرحباً بمثل هكذا توجهات و أعمال تنعكس بصورة ايجابية على حياة المواطن و هذا هو مطمح كل فرد.
أرى أن الواجب يحتم علينا أن ندعم كل من عمل و يعمل و يتطلع للعمل من اجل مصلحة العراق حتى لو كنا نظن انه يدعي بذلك ظاهرياً و أن ننتهج لأنفسنا سياقاً جديداً للإشادة بأهلنا و كتَابنا و سياسينا و نعلَم أنفسنا ثقافة الشكر و الامتنان و حسن الظن بالآخر فنحن اعلم الناس بحجم الخسارات التي لحقت بالوطن و الشعب نتيجة السياسات الحزبية و التوجهات الإعلامية و الثقافية و الاقتصادية التي سادت خلال الفترة الماضية!