الرئيسية » الآداب » العجوز الشمطاءعند خط الشروع / قصة قصيرة

العجوز الشمطاءعند خط الشروع / قصة قصيرة

 حالة الرفض تبلورت

منذ ان كشفت العجوز

الشمطاء عن انيابها..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت ليلة غاب عنها القمر، ساعة افزعتني تلك المرأة العجوز.

حينها كنت مستلقيا على ظهري فوق ذلك السطح الترابي الناعم لبيت بغدادي قديم ،

تحيط معظم جهاته مستطيلات منتظمة من قطع ( الجينكو )المخروم بين مسافة وأخرى

بفتحات دائرية من الاعلى تسمح بمرور الهواء في ليالي تموز وآب .

أطلتْ العجوز بثوبها الداكن المخيف من فتحة ( البادكير) *

كان اول ما ظهر منها اصابعها الطويلة التي تنبت في مقدماتها اظفار معكوفة الى الاسفل

كأنها مخالب حيوان مفترس .

ما لبثتْ ان دفعتْ بكتفيها الى الأعلى من الفتحة واخرجت ْرأسها الأشمط الكثيف ،

وما ان نظرتُ الى عينيها الحمراوين اللتين يشع منهما بريق مرعب

حتى كشفت ْعن انيابها المدببة البيضاء واخذ ت تقهقه بصوت مرتفع متشنج اشبه بنعيق.

تشق بقهقهتها عنان السماء ، الا ان احداَ من الجيران لم يسمعها سواي انا

المرعوب من هول تلك المفاجئة ………..

قفزت ُصوب مشربة الماء المصنوعة من الفخار،

المثلومة من اعلاها . امسكتها بكلتا يدي ،

ثم رميتها بأتجاه الشمطاء .

لكن المسافة القصيرة التي تفصلنا

افرغت ْ تلك المشربة من ثقلها ، فسقطت امامي ، كقطعة من اسفنج خفيف .

تعجبت ُمن تلك الحالة الغريبة ! بيد ان العجوز استمرت في نعيقها المخيف

مشيرة لي بأصابعها المرعبة ،

مما جعلتني اهرب منها راكضاَ تبتلع قدماي شوارع الليل هلعاَ …

هرولت خلف حافلة نقل الركاب ذات الطابقين ،

لغرض اللحاق بها فقد كانت آخرحافلة تتجه صوب المرآب في تلك الليلة .

لم يكن الشارع المفروش بالأسفلت الاسود يزدحم بألناس في آخر الليل،

الا انني كنت اصطدم بزرافات من النساء ذوات عباءات سود ،

يقطعن عليً طريق اللحاق بالحافلة الحمراء …….

ركضت غير مبال ٍ بهن ، وقد ازداد عددهن غير المألوف في تلك الساعة المتأخرة .

وحين وصلت الى مقربة منها ،

اذا بالعجوز الشمطاء تظهر امامي من جديد مقهقهة وهي تحول بيني وبين ركوب الحافلة ….

عكست ُ اتجاهي فراراَ منها .

تركتُ الشارع والحافلة والناس والمدينة بأسرها …. 

عبرت مسافات حتى وصلت لحافات القضبان الحديدية

الممتدة طولاَ ، وانا بين الذهول والارهاق احاول ان استجمع قواي ،

يمر قطار سريع من امامي ،

اشاهد اصحابي ممسكين بأبواب عرباته ….

يلوحون لي بفرح : اصعد ..اركض .. اسرع .. الحق بنا ..

اسرعتُ راكضاَ خلف قاطراته بتوازي تلك القضبان

حتى امسكتُ بذيل آخر قاطرة ، واذا بالعجوزالشمطاء

تدفعني بقدميهاالصلبتين ، وهي تنعق من على تلك القاطرة ،

تدحرجت ُبين القضبان ، ……..

شعرت ُ بالحصي وهي تصطك بظهري واضلعي ….

تقلبتُ فوقها متألماَ .

نهضت لعلني اريح عظامي قليلاَ من تلك الحصي الناعمات …

التي تفترش الثكنة القديمة في معسكر المنصورية ،

لم اتعود النوم فوق الحصي من قبل ……..

لكنها كانت الليلة الاولى لألتحاقي بكتيبة تدريب الدروع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*البادكير : منفذ للهواء في البيوت البغدادية القديمة .

حيث يمتد بجوار الجدار من السرداب حتى اعلى سطح البيت ..

والسرداب : بناء تحت الارض اي الطابق السفلي من البيت .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيدر الحيدر 11 / 8 / 1974

من مجموعتي القصصية ( اصداء تدوي في فضاءات احلامي )