الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع الموسيقار العالمي نصير شمه

حوار مع الموسيقار العالمي نصير شمه





نصير شمه كفنان عالمي تلآلآء نجمه في عالم الفن والعزف والطرب الشرقي بجمالية واحتراف من خلال أدائه الأخاذ إلى جانب إطلالاته المذهلة في المحافل الموسيقية العالمية .كما اصدر البومات ثرية نالت رضى شريحة كبيرة من أهل الفن ,وتحديداً محبي الموسيقى الشرقية الأصيلة ..من هنا هل يمكننا معرفة كيف كانت بداياتك الفنية ..؟وما الذي جذبك إلى فضاءات هذا العالم المليء بلذة الإبداع والسحر الجميل الذي لا يخلو إلى جانب متعته من التعب والمعاناة..؟؟ بمناسبة إقامته لحفلة موسيقية بديعة في الحسكة بتاريخ( 2/ 5 ) انتهزنا فرصة مروره بالقامشلي لنجري معه هذا الحوار… ؟


ج- نصير شمه : أنا مؤمن أن لكل إنسان حلمه في الحياة , والحلم يولد مع الإنسان كما الموهبة .الحالم الذي يعرف أن يتعامل مع أحلامه على أنها رؤى يجب أن يتحقق ويعمل من اجل تحقيقها سيحقق الكثير من أحلامه .طوال طفولتي وأحلام يقظتي هي التي تحدد رؤيتي للعالم مهما تكن أحلام فيها فانتازيا وفيها شيء من المستحيل لكن دائماً كان لدي إلاحساس انه طالما رأيتها كحلم يقظ فمن الممكن أن تصبح حقيقة ,ومهما تكن هذه الأحلام تكاد تبدو مستحلية في البداية ,فأخيرا تصبح حقيقة .


البداية كانت مع أحلامي وكيف استطيع ان امتلك رؤية متميزة في عالم العود ,وكيف يمكنني تحقيق هذه الرؤية عمليا ,وكيف من الممكن خلق خط موازي لخط الكبار في العراق وفي مصر وفي سوريا وفي لبنان وفي المغرب ,وكذلك في تركيا ,وإيران, كيف ممكن تقديم أسلوب في العزف مغاير لكل ما هو سائد. في البداية يبدو الكلام سهلا لكنه في الحقيقة وعندما تتجسد يكاد يكون مستحيلا أو يقرب من المستحيل, لكن العمل الدءوب لمدة أثنى عشرة ساعة يومياً وأحلام متلاحقة ,وقراءات ,وسماع ,وتمارين ,وعلوم موسيقية مختلفة في النهاية بدت لي ملامح خط موسيقي أكثر وضوحاً ظهر للناس في وقت مبكر وبدؤا عامة الناس يعرفون صوت عودي من خلال ضربتين ,وهذا كانت في بداية الثمانينات منذ أول قطعة كالاميرة السعيدة و من الذاكرة و نسمات عذبة وحب العصافير وغيرها من القطع التي كانت في البدايات ,وأنا طالب في أول سنتين في معهد الدراسات النغمية وهكذا بدت ملامح هذه المدرسة أو هذا الأسلوب جلياً للناس .تعلمت في مدينتي ” الكوت ” مبادئ العود على يد أستاذي صاحب حسين الناموس (مليون رحمة على روحه )وبعد ذلك انتقلت إلى بغداد وتعلمت على يد الأستاذ علي الإمام , والأستاذ روحي الخماش ,والأستاذ سالم عبد الكريم ومازلت أتعلم إلى هذا اليوم من الجميع ,أتعلم من العازفين الذين سبقوني والعازفين زملائي وحتى من تلاميذي عندما أرى احدهم لديه شيء مهم اشعر أنني تحولت إلى تلميذ أو إلى طالب وهذا لا يعيب أي فنان فالذي يعرف كيف يتعلم طوال عمره هو الوحيد القادر على أن يتغير مع الزمن لما فيه مصلحة عمله .


س- التراث الموسيقي والغنائي في العراق ثري وعريق وله خصوصيته المميزة بين ألوان الغناء العربي والشرقي من هذه الناحية إلى أي مدى استقى نصير شمه من التراث العراقي و الشرقي مثل ( الكردي ,والتركي ,والفارسي ) في إثراء معزوفاته الموسيقية …؟؟


ج- نصير شمه : لحظة… فعلاً نحن محظوظين لأن منطقتنا ثرية بكل هذا التنوع لو غيبت الأكراد ,والشركس ,والأرمن ,والتركمان ,والأشوريين ,والكلدان من منطقتنا ستصبح المنطقة شبه صحراء, هؤلاء هم الزرع الأخضر في هذه الأرض القاحلة , هذه بقايا الحضارات التي تسمى خطأ أقليات هم سكان هذه المناطق الأصليين,بالتالي فهم يتمتعون بثراء موسيقي كبير جدا,و عميق ,و متنوع ,لذلك عندما كنت في سوريا وفي الحسكة تحديدا منذ عدة أيام بدأت أتعلم من الألوان الموسيقية الموجودة في منطقة الجزيرة والحسكة والقامشلي كموسيقى الأرمن وعرفت ان فيها فن , ودبكة ,و رجولة ,و عنفوان . أما بالنسبة للموسيقى الكردية فتجد أن كل بصمة فيها لا تشبه أية بصمة في أية ثقافة أخرى فالموسيقى الكردية فيها عمق ,ووجع ,و حرمان ,و حب ,و غربة , كما وفيها بنفس الوقت وضوح .وهي هكذا الشخصية الكردية واضحة وصريحة ولا تقبل اللف والدوران ولا تعرف الكذب ,وكثير من الناس في العراق يعرفون أن أجمل الأماكن في العراق هي البصرة والسليمانية ودهوك واربيل الواقعة في أقصى الجنوب وأقصى الشمال ,لان هؤلاء لم تلوثهم الحضارة أسوة بباقي المدن فظلت حياتهم وموسيقاهم تشبههم نقية وصافية ومتميزة ومتدفقة ,تصل إلى الأخر أينما كان وفي أي مكان وأي كانت ثقافته وأي كانت مستوى تذوقه يشعر بقيمة هذه الأنواع من الموسيقات ,فانا بالتالي استفدت من كل هذا التنوع الموسيقي ومازلت استفيد , ومازلت أتعلم من أن الجملة الفلكلورية البسيطة تصمد مئات السنين و توجد الآن أعمال موسيقية عظيمة مع كل العلم الموجود مع كل التطور في التدوين والكتابة والتأليف و” الهارموني والكونتربوند” لا تستطيع هذه الإبداعات أن تعيش إلا ما ندر منها فهذا يقدم لنا انطباع بأن التلقائية هي في كيفية ان تخرج رائحة الأرض في عمل غنائي أو عمل موسيقي وهذا لا ينتمي إلى العلم فقط ,ولا ينتمي إلى الموهبة فقط , ولا ينتمي إلى الدراسة بل ينتمي إلى تمسكك ببيئتك وبإنسانيتك التي يجب أن تبقى لصيقة بك في هذا المناخ الذي أنت تعيش فيه . فكل الموسيقات والمقامات العراقية والقدود الحلبية والأجواء والموشحات والموسيقى الكردية والريفي والبدوي كل واحدة لها شخصيتها وكل واحدة لها لحظتها التي تؤثر عليّ ,وبالتالي ينعكس على الناس فيما بعد .


س- لقد قدمت أعمالك الموسيقية في بيئات وثقافات مختلفة غير البيئة الشرقية طيب كيف تفاعل معك الجمهور الأوربي ونحن نعرف انك أقمت حفلات واشتركت في مهرجانات عدة في المدن الأوربية وقد نلت ميدالية الجامعات البرتغالية – لشبونة – البرتغال 1996 ..؟


ج- نصير شمه : حفلاتي… مثلا جولتي الأخيرة كانت في دمشق وحلب وحمص والحسكة , فحفلتي في حمص والحسكة لا تختلف عن حفلاتي في باريس ولا تختلف عن حفلاتي في بولندا ووارسو ولا تختلف عن حفلاتي في أوروبا هذا يعني أن الموسيقى تجاوزت بيئتها وتجاوزت الثقافة التي تنتمي إليها وتجاوزت الإنسان الذي يتحدث الموسيقى ,وأصبحت تخاطب الذات , الذات المجردة من كل شيء ,فبتالي تتساوى ردود الأفعال , أما الموسيقى المبنية على أسس إنسانية عميقة ليس لها علاقة فقط في بيئتها التي تنتمي إليها لكنها بنفس الوقت تنتمي بنفس الدرجة للذات الإنسانية و من الصفاء الذي يجب أن يقف عليها الشخصية فبالتالي هذا يعود على العروض برد فعل متشابه في كل مكان بالعالم .


حفلاتي في ” اليابان ” وحفلاتي في ” ألمانيا ” في خمسة عشر حفلة موسيقية متتالية .عندما اختاروني رسول للثقافة العربية والإسلامية في الغرب ,ولقد مثلت كل ألوان الثقافة وحينما نقول الثقافة العربية فهذا يعني أننا نتكلم عن الثقافة الكردية بدون الغاءها نتكلم عن ثقافات الشركس والأرمن و و و , فبالتالي العازف والموسيقي والفنان عندما يتكلم عن كل هذه الأشياء فعليه أن يكون مخلصاً للتنوع اللوني والعرقي الجميل الموجود في مناخه في بيئته ,في بلده ,في عالمه ,في وطنه ,فبالتالي يجب عليه أن يتكلم عن كل هذه الأشياء وحينئذ تتساوى ردود فعل أمام فنه في كل مكان بالعالم .


س- تميز الموسيقار” منير بشير ” بفرادة بين الموسيقيين ” العراقيين ” كان له دوزان خاص به وعزفه المنفرد إلى جانب عمله في مزج الموسيقى الشرقية بالغربية من هنا ألا ترى بان ما كان يقوم به منير بشير سبباً كافياً لعدم فهم الآخرين لأسلوبه الجديد وبالتالي قيل عنه أن موسيقاه ماتت بموته


ج- نصير شمه : منير بشير بدون أدنى شك احد أعظم العازفين الذين ظهروا في تاريخ العود , وبتجرد كبير سأقول لك عن الذي سمعته بأذني من تسجيلات خاصة اسمعني إياها هو بنفسه كان يسجلها ليلاً في بيته وفي الصباح كان يسمعني التسجيل في دائرة الفنون الموسيقية ونجلس بمفردنا مع موسيقى لم اسمع في حياتي أجواء كما كان يخلقها منير بشير .فمنير بشير يملك مخيلة استثنائية في تاريخ الموسيقى العربية وهو يشبه كل الطراز المعماري الموجود بالعراق و بغداد القديمة العباسية , فأقرب شخص إلى المعمار العباسي والى الثقافة التي بناها العباسيين وهارون الرشيد وما جاء بعد ذلك هو منير بشير وهذا يعود إلى الجينات والثقافة حتى ولو لم تكن لديه الثقافة الموسوعية في الحياة لكن كانت له ثقافة فطرية استثنائية جعلت منه موسيقي عظيم ,جعلت منه عازف استثنائي ,وجعلت منه مؤسسا لمعمار موسيقي في التقاسيم لم يدانيه ولم يشابهه احد إلا ” رياض السنباطي ” في التقاسيم


في الضفة الأخرى الذي يشبه مصر الفاطمية ,ويشبه حي الحسين , , دائما العباقرة عندما ينضجون يصبحون اقرب إلى بيئتهم والى مناخاتهم وأكثر شيء يؤثر في الفنان الحقيقي هو المعمار و .


منير بشير اقرب شخص إلى معمار العباسيين في العراق و” رياض السنباطي ” اقرب شخص إلى معمار وزخارف وارابيسك مصر , فالذي يفهم في المعمار والموسيقى سيجد هذا ببساطة ووضوح فيهم .و منير بشير أن لم يفهمه الناس فهذه ليست مشكلته ..


س- إذا هذه مشكلة من ..؟!


ج- نصير شمة : لا … هذه مشكلة الآخر عندما يكون الفنان مبدع حقيقي وعظيم وأنت لم تفهمه فعليك أن تبذل جهد للوصول إلى عالمه ,ومتى استطعت ان تغوص في أعماق جماليات هذا الفنان وعمله حينئذ ستكتشف الحقيقة ..


س- في ظل شيوع العزف المبتذل والأغنية الهابطة والعبارة الركيكة ( الأغنية الشبابية ) التي وجدت منفذاً واسعاً لها عبر محطات فضائية تجارية حيث أصبح فن الغناء تجارة رخيصة كيف يجد نصير شمه هذه الظاهرة


ج- نصير شمه : الأغنية كانت تشكو من الركاكة و الهبوط حتى في أيام هارون الرشيد , ولذلك طلب هارون الرشيد من ” أبو فرج الأصفهاني ” أن يقدم ويصنع للزمن القادم آنذاك ألف صوت – ألف صوت يعني ألف لحن فتفرغ ” أبو فرج الأصفهاني” على مدى سنين ليقدم أفضل ألف صوت ويضعهم في كتاب ” الأغاني ” وهكذا فهم كانوا يشكو تماماً كما نشكو نحن اليوم .


في كل زمان ثمة ايجابي وسلبي ,ثمة رديء وجيد وممتاز ومتوسط ,اليوم أصبحت الظاهرة اكبر بتعدد وسائل النشر واختلفت هذه الوسائل وتنوعت و بسرعة فائقة فمثلا حين صدور أي عمل فني فانك تستطيع ان تستقطب ملايين المستمعين أو المشاهدين عبر الانترنت والتلفزة ,فالموضوع تغير كثيرا ,وتأثيرها و اتساعها أصبحت اكبر وأسرع . التحصين الذي يجب أن يحصل هو أن نعلم أطفالنا في دور الحضانة والابتدائي والثانوي والجامعات الموسيقى .حينئذ ستبدأ العملة الجيدة بطرد العملة الرديئة بدون أدنى شك, لا التنظير ينفع ولا الترهيب ينفع ولا الترغيب ينفع .أما بالنسبة للجيل القادم فعلينا أن نؤسس لخمسة عشرة سنة قادمة مستوى تذوق موسيقي جديد….


س- ما الذي قدمته من تميز في مهرجان جرش في الأردن 1988 حتى تحوز على لقب ( زرياب الصغير)…؟


ج- نصير شمه : في الحقيقة أنا لم أقدم الا عملي وقبل خروجي وصعودي إلى المسرح كنت قلقا وخائفا جداً لأنني كنت مازلت صبيا آنذاك ولكن حين وضعت قدمي على خشبة المسرح حسمت أمري وأنا بطبعي جريء فمكن أن أغامر بأشياء لم أكن افعلها في البروفات فتراني افعلها على المسرح وأمام الجمهور ,فجلست وقلت لنفسي سأنسى كل شيء سواءً أعجبهم ام لم يعجبهم – ساقدم الذي تعلمته والذي أنا مؤمن به .


فمن أول ضربة صرخ الجمهور فعلاً وبدون مبالغة لم تكن لدي أي فكرة على مدى روعة هذا الجمهور في ذلك الحفل ,وبدأت الصيحات تتعالى , ولمدة عشرين دقيقة دوت أصوات التصفيق والتصفير بشكل كبير وملفت لما يشعر به هذا الجمهور من مشاعر جياشة .


في اليوم الثاني كان هاني صنوبر مدير مهرجان جرش ( يرحمه الله ) موجوداً وكان احد أصدقائي العزيزين عليّ , قال لي بالعامية الناس كلها تريدك أريد اسويلك حفلة في جرش فقلت كيف والبرنامج مطبوع ..؟؟ فقال لي لا عليك,فجهز لي عرضا آخر بعد عدة أيام في جرش لوحدي وطبعا فالأيام التي سبقت العرض الذي قدمته وحدي كانت مليئة بفانين ذو تاريخ حافل ك” حسين جابر ” وفرقة الإنشاد العراقية وفنانين كثيرين وكانت أيام عراقية ضخمة في جرش وكانت هذه هي الانطلاقة حيث كانوا يجرون استبيانات يعني مثل استفتاءات يجمعون أصوات .


كانت نوعية مهرجان جرش مهمة ومتنوعة ومختلفة كان فيه الكثير من الفنانين الكبار وكانت هنالك الكثير من الظواهر الموسيقية المهمة وكانت جرش عنوان كبير لائق بتاريخ جرش فظهر هذا اللقب في ذلك الوقت


س- ما حكايتك مع ” بيت العود العربي ” في القاهرة وهل حقق البيت مطامحك وأهدافك بعد مرور عشر سنوات على تأسيسه ..؟


ج- نصير شمه : أحيانا تراودني فكرة أن اترك كل هذا – بيت العود – ,فعندما اشعر بوجود طلبة لا تهتم بالتمرين جيدا ولا يستحقون ما ابذله معهم من وقت وجهد , لان أكثر ما يؤرقني هو تفكير الشخص أو الموسيقي أو التلميذ بمصلحته الشخصية التي تخالف أخلاقيات الموسيقي الملتزم والجاد , وأحيانا أخرى عندما أرى احدهم يمتلك الموهبة وارى فيه مستقبلا مهما واشعر بانه قد يكون في المستقبل مبدعا حقيقيا وان يصبح من لاشيء إلى عازف ماهر و إلى” صوليست” وإلى مدرس و مؤدي ممتاز والخ … أقول لا واتراجع عن هذا وأقول في نفسي قد كان مشواري وتعبي وقراري صائبا صحيح أنني اضعت الكثير من الوقت على بيوت العود هنا وهناك ولكن عندما أرى العشرات من الشباب الموهوبين الذين يستطيعون أن يكملوا طريق هذه الآلة ومستقبلها وعندما اشعر في نفس الوقت أننا استطعنا أن نساهم في ان نزرع موسيقيين في الكثير البيوت المختلفة .الآن بات لدي آلاف الطلبة تعلموا على يدي أومن خلال طلابي ,فبالتالي هذا أسهام في رفع مستوى الذوق العام .أنا اشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع ككل وليس فقط اتجاه بيئتي وبلدي


س – هل غاص نصير شمه في فضاءات الموسيقى بقدسيتها المطلقة بعيدا عن التأثيرات الجانبية التي من شانها أن تقتل ملكوته الفني بعيدا عن أي انتماء..؟


ج- نصير شمه : انا خرجت من فكرة العرق ,ومن فكرة الدين ,ومن فكرة التحزب لاي حزب أو أي شيئ آخر ,اجل لدي حضوري وولادتي ,وعندي جذوري الكردية التي اعتز بها , وعندي ديانتي فكلها اتتني بالوراثة ورثت إنني مسلم و ورثت إنني كردي و ورثت إنني مولود في الجنوب ,و ورثت إنني أعيش في بغداد ,و ورثت إنني أتعلم وكل شيء هو أرث ,ولكن قراراتي اليوم هي التي تمثلني , و انا أتشرف بكل هذه الانتماءات , أتشرف بوالدي الكردي رحمه الله , أتشرف بوالدتي العربية الخزرجية , وأتشرف بالمكان الذي درست فيه ببغداد ” كل هذا يجعلني اشعر بأنني أعيش أفضل حالاتي وانه لولا كل هذه الأشياء ما كان من الممكن ان أكون …. لكن اليوم أقول ان من الضيق ان نفكر بالعرق والأرض فقط ونحن لدينا الكون كله ,من الضيق ان نفكر في اعراقنا فقط ولدينا كل الناس , ومن الضيق ان تفكر في قومك ودينك فقط , فالدين أمر شخصي هو بينك وبين الله أما القومية فهي اتتنا بحكم الوراثة فولدنا على قوميات ولغات مختلفة , أن تخدم البشرية ككل فهذا أعلى شكل من أشكال العطاء .فالعنصرية تدفن الايجابيات لدى الناس ,المهم أن تعتز بما لديك ,ولكن لا تبالغ في اعتزازك بقوميتك,ولا في عرقك ,ولا في دينك, لسنا أفضل من سوانا , لا عرقا ولا دينا ولا طائفة ,و كل هذه الأشياء تمنح الإنسان صفات يمكن أن تكون جميلة ويمكن أيضا أن تكون قبيحة ,ولكن المهم هو وعي الإنسان وهو الذي يحدد رؤيته لمستقبله وتعامله مع الآخرين وعطاءه , آنذاك ترفع من شأن العرق الذي تنتمي إليه ,أو الدين الذي تنتمي إليه أو الثقافة التي تنتمي إليها عندما تكون مبدعا أو متميزا حقيقيا وتكون مبدعاً كونياً يسر أبناء جلدتك بك و يتفاخرون بك ,وبعد ذلك تكون قد دخلت منطقة أخرى وبات مشروعك مشروع كوني لا إقليمي حكر على عربيتك أو كرديتك أو أشوريتك أو تركمانيتك أو أية قومية أخرى .


س- إن شروط نجاح أية أغنية هي قدرتها على جعل الآخرين على التفاعل معها إحساساً وروحاً وفكراً..من هذه الزاوية أقول هل تمكن الفنان نصير شمه من إيصال موسيقاه إلى عموم الناس أم إلى نخبة محددة فقط..؟


ج- نصير شمه : هذا السؤال من المفترض أنت كصحفي أن تجيب عليه لأنك اعلم مني بردود أفعال الناس أنت حضرت الحفلة ورأيت كل شرائح المجتمع الموجودة فبتأكيد لديك الجواب عن هذا السؤال .


في اعتقادي أصبحت لآلة العود قاعدة جماهيرية واسعة الآن , لم تكن موجودة قبل عشرين سنة اليوم أصبح الآلاف يحضرون كونسرتات العود في كل مكان في الدول العربية والعالم فهذا يعطينا الانطباع بأن آلة العود فعلا قد دخلت مرحلة جديدة ودخلتها أفكار و دماء جديدة وتطورت من حيث الصناعة أيضا , وأنا اشعر أني لمست الكثير من شرائح المجتمع المختلفة ولكن الجواب اليقين هو لديكم لأنكم تستمعون إلى أراء الناس بعد الحفل وتستطيعون أن تكوّنوا فكرة عما كنتم تشاهدون وتستمعون .


س- نصير شمه هل هناك التزام لديك بمدرسة موسيقية محددة وهل للسياسة تأثير في أعمالك الموسيقية ..؟


ج- نصير شمه : السياسة لها تأثير على حياتنا اليومية وليس لها تأثير على موسيقاي … لكن عندما يقتلون الأطفال نقف مضطرين أن نتكلم عنهم ,عندما يحاصر بلد مثل العراق ويقومون بتجويعه وتقتيل ابنائه يجب أن ندافع , عندما يغزون فلسطين طوال هذه السنين يجب أن ندافع , عندما يقومون بضرب العراقيين والأكراد بصواريخ النابالم هذا الموضوع لايمكن السكوت عنه ويجب الدفاع عنه. مئات الآلاف من الأكراد ومن العراقيين في جنوب العراق وشماله ماتوا في حروب طاحنة سواءً سببها صدام أو سببها بوش الأب أو بوش الابن أو المجتمع الدولي كله , وبالتالي السياسة ترمي بظلالها على الخبز والماء وترمي بظلاها على اللون ,الشعب كله يرتشح بالسواد في العراق لان السياسة خلقت هذا الحزن فيملامح الناس وفي أجيالهم الجديدة لا فرق , السبب عراقي ,السبب كويتي السبب أمريكي أو إسرائيلي أو إيراني في النهاية الشعب العراقي هو الذي يدفع الثمن …..


س – ماذا بالنسبة للمدارس الموسيقية


ج- نصير شمة : أنا منفتح على كل الموسيقات وعلى كل الثقافات كما نوهت في جوابي ,وهذا الانفتاح هو رغبة مني في المعرفة ,فبالتالي انعكس على أسلوب أدائي لذلك اشعر بانني انتمي لكل نتاج أبداعي موسيقي موجود على الكرة الأرضية


س- بماذا تعلق على ما تردد عنك من هذه العبارات في وسائل الإعلام : المجدد لعصر العود , أب للعود وبين أنامله العود يتكلم بفصاحة , موسيقار الشباب , موسيقار الفن الجميل, نصير شمه أحد أساطير الفن الراقي ..؟


ج- نصير شمه : أتمنى أن استحق هذه الألقاب ,أتمنى أن أكون بمستوى هذه المسؤولية , واستطيع فعلاً أن أحافظ على حسن ظن الناس بي وعلى إعجابهم وعلى ان تكون موسيقتي قريبة من الشباب ومن الأجيال كلها وبنفس المستوى من الأهمية , يعني في الحقيقة هذه في الحقيقة أمنية


س – أكدت في المركز الثقافي بالحسكة وضمن الأسئلة التي طرحت عليك بان البزق والطنبور والمندولين هي من أصول ( العود ) ما الدلائل التي تؤكد هذه المقولة من جهة أخرى.. ثمة رأي يقول : بان العود هو أصل آت من آلة الطنبور ألا ترى ثمة إشكالية وغموض تكتنف هذين الرأيين ..؟


ج- نصير شمه : طبعاً عندما أتكلم عن هذه الحقائق والمعلومات فبالتأكيد أنا مسؤول عن كلامي فبالتالي يجب أن تكون لدي مرجعيات لكلامي , هنالك علماء أثار وهنالك كتب قدمت أقدم شكل للعود ,والعود ذو الرقبة الطويلة الذي يسمى اليوم : البزق والساز والباغلما, وكل هذه الأسماء والعود ذو الرقبة القصيرة أيضا و الة ” الجنك ” وهنالك آلات عديدة خرجت شبيهةً لآلة العود ومن هي عائلة العود كلها , فأقدم ظهور لهذه الأشكال : هو 2350 قبل الميلاد في العصر الأكادي ببلاد مابين النهرين واليوم يقولون ان بنفس المنطقة ببلاد ما بين النهرين و منذ أشهر قليلة اعلنو أن هنالك اكتشافات حديثة في مواقع سورية تقع بين النهرين أيضا تقول أن هناك ظهور أقدم من الذي قلناه , فالعلماء لم يتفقوا على هذا الرأي وسنأخذ بهذا الرأي فور تأكيد ظهور أقدم لتاريخ هذه الآلة , ولكن حسب الأبحاث والصور الاثرية الموجودة في المنحوتات وفي المتحف العراقي ,وفي المتاحف برلين وفي اللوفر وفي عدة متاحف في العالم اتفقوا العلماء على أن أقدم الظهور إلى يومنا هذا هو مسجل للعود للرقبة الطويلة والرقبة القصيرة هو 2350 قبل الميلاد وهذا مُسند وموضح بشكل صريح بالصورة والتواريخ بكتاب تاريخ آلة العود للباحث الدكتور صبحي أنور رشيد


س- هل لا يزال القرار الذي اتخذته بالإياب إلى الوطن ساري المفعول وإذا تمت هذه الرغبة ما الخطوة الأولى التي ستقوم بها..؟


ج- نصير شمه : أولا سأزور قبور أبي وأمي وأختي وأصدقائي واقرأ الفاتحة على أرواحهم حيث يرقدون , وأزور كل المساجد الجميلة والعتبات المقدسة , سأزور الكنائس الجميلة في العراق التي كنت أقف واردد الأناشيد فيها, وسأزور المواقع الحبيبة إلى قلبي ,وأيضا المواقع الأثرية ,سازور الناس وأتفقد ممن بقوا على قيد الحياة من أصدقائي من أساتذتي من زملائي ,وبعد ذلك سأفكر بتقديم عروض موسيقية ربما سأفتح بيوت للعود في بغداد ,وفي بصرة ,و السليمانية و اربيل ,وفي محافظات العراق التي تحتاج إلى هذا الشيء ,سأذهب إلى مدينتي ” الكوت ” أتفقدها وأحث الناس فيها على ان تكون هذه المدينة مدينة الثقافة والفكر ومدينة بيضاء


س-ما هي خريطة العراق كوطن في معزوفات نصير شمه …؟


ج- نصير شمه : مدلول الوطن هو بالنسبة لي هو المكان الذي أفكر فيه بحرية والذي احمل أساسه ومفرداته الروحية أينما أكون , وأينما أضع رحالي فهو المكان الذي أنجز فيه بكل معنى الكلمة وهو الوطن وهو المكان بالمعنى الحقيقي الذي لا يغادرني وان غادرته ,المكان الذي يفرض نفسه في كل لحظة أتواجد فيه في أي مكان الذي يفرض مشاكله وهمومه في كل مكان وفي كل زمان أنا لم ابتعد في ان أفكر في حلول للعراق ولمستقبل العراق ,و اشعر أحيانا إنني مسؤول عن هذا البلد بالكامل مع أني لا احمل عصى سحرية لحل مشاكله لكنني أفكر بشكل حقيقي في إيجاد حلول لمشاكل العراق والعراقيين وفي كل مكان.وعروضي في يوم اللاجئ العالمي في السنة الماضية في دار الأوبرا بسوريا بدمشق والسنة في بيروت في نفس التاريخ يوم 26 / 6 في قاعة يونسكو ,وعروضي هنا يوم / 20 / 6 في 2009 في قاعة ساقية الصاوي .و كل هذه العروض من اجل دعم اللاجئين ومن اجل تعليم العراقيين الذين انقطعوا عن التعليم ومن اجل علاج العراقيين فالوطن يفرض هيمنته عليّ في كل ثانية, وبالتالي على كل جملة تخرج من عودي فكل مرة عندما أقول إني لم اعد قادرا على تحمل هذا و إنه مرهق ابعدني عن الفن أجد نفسي متوغلا أكثر في هموم هذا الوطن ,ولكنني لا أتعامل مع هذا الموضوع على انه عبء ثقيل بالعكس عندما أقوم بحل أي مشكلة لأي عراقي اشعر براحة كبيرة جداً عندما نساعد امرأة عجوز أعدنا لها النظر بعملية جراحية بفضل الله أو اجرينا لها عملية في القلب أو تبنينا طفلا لديه الموهبة و عنده مستقبل ربما يكون عظيماً ربما سيكون مهما المهم انه إنسان من أحيا نفسا كأنما أحيا الناس جميعاً


س- مابين تأوه ليالي الغربة… وألفتها ابنتك ( ليل ) .. كيف لنا قراءة تأملات الموسيقار نصير شمه السرمدية …؟


ج- نصير شمه : ليل هي صلة وصل بيني وبين الحياة ,بيني وبين الأطفال في كل مكان , بيني وبين المستقبل أراها وارى كل الأطفال المحرومين ,أراها وأريد للمحرومين أن يعيشوا حياة طبيعية وهادئة ,عندما اعلّمها اعلمها أن تعتز بما متوفر لديها مهما كان , لان هنالك أطفال لا يحصلون على ربع ما لديها أو من هم طبيعيين اصلا يعيشون حياة أفضل من غيرهم, لذلك ليل تنضج قبل أوانها,وتجلس معي وتتابع أحداث غزة ,وتتابع أحداث فلسطين ونتابع تفاصيل وأحداث العراق وهي في عمر 6سنوات ونصف ولكن عندما قلت لها قبل ايام بأن عندي اجتماع في القاعة التي سيلقي فيها الرئيس اوباما خطابه إلى العالم العربي والاسلامي فقالت لي بعفوية وهل سيوقف قتل الأطفال في غزة ؟؟؟ هي سألتني هذا السؤال عبر التلفون وأنا بعد مغادرتي لسماع الخطاب بفترة بسيطة هي مهمومة بنفس هموم ابيها بنفس القضايا الإنسانية وأنا لا أحس أن هذا خطا ,اعتقد أن الأطفال أيضا يجب أن يكونوا واعين ومدركين حتى يتواصل هذا العمل الإنساني في عمل الخير أو المساعدة في دفع الناس إلى عمل الخير أو أن تكون سبباً في إسعاد الآخرين مهما كانت حتى وأن تحملو أعباء الحياة ,لكن هذا العبء سيكون له معنى , فوجود” ليل ” في حياتي دفعني أكثر أن اعمل على موضوع الأطفال علما إنني كنت اعمل من العام 1991


أي قبل مجيء ” ليل ” بكثير لكنها دفعتني انطلاقا من خوفي عليها أن أرى كل أم عندها طفلة طبيعية سليمة .لذلك كان مشروع علاج الأطفال بشكل متواصل كل ثلاثة أسابيع نأخذ 25 طفل و نقوم بعلاجهم في الهند ونعود بهم ثانية وهذا شيء لا يمكن لك أن تتخيل مدى صعوبته عندما تأتي بأطفال من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وتقوم بتجميعهم في موعد واحد وحتى صعودهم إلى الطائرة ثم السفر بهم إلى دبي واستقبالهم هناك ومن ثم إلى ” بانكلور” في الهند فتتذاكرهم مشكلة ,وعلاجهم مشكلة ,ومصاريفهم مشكلة, لكن بتسير من الله كل شيء يكون على ما يرام والتفاصيل في هذا الموضوع يمكنك الاطلاع عليه في الموقع الخاص بموضوع الأطفال


س- مقطوعاتك الموسيقية كل واحدة منها تعالج قضية معينة كالعامرية ورقصة الفرس وحب العصافير ومن أشور إلى اشبيليا وكل واحدة منها لها قصة وحكاية ربما تكون إنسانية أو قصة حب أو ملحمة ,هل عندك شيء قدمته للشعب الكردي تعبِر فيه عن ماسي وأوجاع هذا الشعب وهل لديك قطعة بعنوان حلبجة ؟؟


ج- نصير شمه : أنا قدمت مقطوعة ” حلبجة ” من سنوات , و مؤخراً في سوريا وفي زيارتي الأخيرة كنت بصدد تقديم هذه المقطوعة وتحديدا في الحسكة لأنني كنت اشعر بقربي جغرافيا من العراق ولكن الجمهور كان لديه رغبة بكثير من القطع الأخرى , ثانيا الوضع السياسي لا يسمح كثيرا في تقديم أشياء ممكن ان تثير أية نعرات أخرى نحن بغنى عنها ولكنني في تسجيل قديم للفضائية المصرية قدمت مقطوعة حلبجة وعلى الهواء وكذلك في عدة حفلات قدمت فيها عن حلبجة لكن ليس من الضروري أن أقدم كل أعمالي عن المجازر فقط حتى أؤكد واثبت إنني مع الشعب الكردي بالعكس فانا حريص ان أقدم في كل البوم جديد أصدره أن أقدم فيه قطعة كردية فمثلا في اسطوانة إشراق قدمت فيها مقطوعة (قصة كردية) وأيضا في اسطوانة رحيل القمر قدمت مقطوعة (نسمات عذبة ) .. ولي قطعة بعنوان أفراح نوروز و اخرى بعنوان شقلاوة وغيرها وغيرها فهذه جزء من ثقافتي لا بل جزء أساسي من ثقافتي وليس جزءاً صغيرا قطعا ,لكن مع ذلك مازلت لم أقدم العمل الذي انا اشعر به لأنه أحيانا يكون حجم الألم والوجع اكبر من الموهبة فحتى الآن لم استطع أن اعبر عن رحيل أمي .


السياسين الأكراد افسدوا حقوق الشعب الكردي ,الشعب الكردي شعب عظيم يستحق الحياة ,لكن الفساد الموجود فيما أنجز إلى الآن للمواطن الكردي أثر كثيرا حتى على علاقته بمحيطه العربي لكن أنا مؤمن أن هذا الشعب الذي تربينا في أحضانه سيطرد كل هذا الفساد في لحظة واحدة , لأنه شعب حر ونقي وطيب فبالتالي لايمكن أن يتعامل مع هذا الفساد لفترة طويلة هناك فساد حقيقي كما هو موجود في كل العالم وكل ما تحقق الآن هو ليس كل ما يجب أن يتحقق . فالأكراد شعب مثل سواهم يستحقون الحياة بكرامة وبعز دون ان يشعروا بأنهم أفضل من غيرهم دون أن يشعروا بانتقاص من قيمتهم ,يجب أن يعشوا بشكل الذي يجب ان يعيش فيه الحر في كل مكان في العالم .


وان أرادت السياسة الآن ان لا تمنح حقوقا فالحقوق لا تمنح الحقوق تؤخذ , ولكن لا تؤخذ بالعنف اليوم في لغة جديدة وهي لغة المنطق ,ولغة الحقوق ,ولغة الفكر ,و لغة الأحزاب ,و لغة القانون الدولي , لكن الانفصال الآن لا يخدم القضية الكردية بشيء أبدا, نحن نرى الان في أوربا كيف ذابت الحواجز بينهم واصبحت تقتصر بـ ( 45 ) دولة تستطيع ان تدخلها بفيزا واحدة وتاشيرة واحدة واما نحن في الشرق فنرى البلدان التي هي واحدة أصبحت تفكر في ان تصبح ثلاثة ,فربما مستوى الوعي والعقل قد يصل في السنوات القادمة إلى أن تزال الحدود بكل الوطن العربي ونحن نتكلم عن الوطن العربي ونتكلم عن كل ما فيه من قوميات وعن المنطقة كلها بمحيطها الإسلامي


س- مؤخراً زرت مدينة القامشلي كيف رايتها وهل تجولت فيها وأخيرا ماذا تقول لأهالي هذه المدينة ..؟


ج- نصير شمه : أولا كانت سعادتي كبيرة وحقيقية في أن ازور مدينة القامشلي لأنني سمعت الكثير عنها وشاهدت مواهب جميلة خرجت منها فكانت عندي رغبة أن أكتشف هذه التربة الطيبة التي انبتت مواهب جميلة وحقيقية ونقية , وزرت بيت والد تلميذي ” جوان فرحان ” وجلسنا وتناولنا العشاء الطيب في بيتهم ,وتجولنا صباحاً في المدينة القريبة من الحدود التركية وشاهدنا الجنود الأتراك وسلمنا عليهم من بعد ووقفنا على بعض القبور وقرئنا الفاتحة على أرواحهم وتجولنا وسط المدينة وزرنا احد الشعراء الأكراد المهمين في مكانه بوسط المدينة وتبادلنا الحوار وأهدانا ديوانه الشعري , كل هذه الانطباعات الجميلة خرجت بها من القامشلي أن البيئة الطيبة والخلق الذي يتمتع به أهل القامشلي وأهل المدن البعيدة عن العواصم تجعل للحياة معنى أخر وتجعل الأولاد الوافدين من هذه المدن يمتلكون أخلاقاً استثنائية ومازالت فيها الكثير من الشهامة وكثير من الانتماء إلى الوطن ,وأنا لمست في هذه المدينة أن أبناءها منتمين إلى وطنهم إلى بلدهم إلى أمتهم ولديهم اعتزاز بانتمائهم إلى سورية ,و هم ينتظرون الكثير من سورية لتقدمه من اجلهم وان يكون مستقبل أولادهم أفضل وأن يكون لديهم فرص عظيمة في كل مكان أسوة بكل أبناء الوطن في سورية لأني رأيت في هذه المدن تنوع اثني ,وعرقي ,وطائفي ,ومذهبي على كل المستويات ,وهذا الشيء هو الذي يشكل وجه سوريا الحضاري هو الذي يشكل وجودها هو الذي يشكل هذا النسيج الجميل من الجينات من المحبة التي تكون فيها الفرص متكافئة للجميع إن شاء الله …