الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع مثقف متمرد (پير روسته م) والبحث عن البديل

حوار مع مثقف متمرد (پير روسته م) والبحث عن البديل

پير روسته م: مثقف كوردي من غرب كوردستان معروف بكتاباته الوافرة والهامة عن الحراك السياسي السوري عامةً والكوردي خاصةً، يتميّز بالوضوح والبساطة في نقل أفكاره للمحيط الذي يعيش فيه، مع التركيز بلغة عربية جيدة على النقاط الجوهرية التي تشغل بال المثقف السوري وتأخذ حيزاً هاماً من النقاشات الدائرة في الحراك السياسي الكوردي في سوريا…وهو إلى جانب ذلك كاتب بارع بالكوردية أيضاً وله انتاج كبير، يمكن العودة إلى (www.peyam.eu) المنشور منه بالكوردية في موقع بيام
أستاذ پير روسته م: نأمل أن تساعدونا على الرغم من بعد المسافات بيننا وبينكم باجاباتكم عن أسئلتنا في شرح أبعاد الأزمة النفسية والعضوية التي تمّر بها الحركة السياسية الكوردية في غرب كوردستان…وأهلا وسهلا بكم ضيفا في حوارنا هذا (حوار مع مثقف متمرّد):
س 1: بعد مسيرة طويلة من طرح الأسئلة وابداء الرأي ومن ثم الاحتجاج والتمرّد على الواقع المأساوي للحركة الوطنية السياسية في غرب كوردستان، شرعتم تتحدثون في مقالكم الأخير (البديل) عن ضرورة ايجاد بديل، فهل فقدتم الأمل في أن ينهض المريض من غرفة الانعاش؟
س2: أي بديل هذا الذي تطرقّتم إليه؟ ما الأساس الذي يجب أن يبنى عليه هذا البديل؟ أهو جسد الحركة الذي دبت فيه العاهات المستديمة، والجدران التي تصدّعت وتشققت، أم يجب نسف البيت بأكمله كما طالب به بعض الشباب أخيرا؟
س3: كيف تقيّمون أداء الحركة السياسية الكوردية في المعارضة الديموقراطية السورية بشكل عام؟
س4: لم تتمكن الحركة من استغلال قضية اغتيال الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي من قبل وكذلك مسلسل اغتيال الجنود الكورد أثناء خدمتهم الالزامية، فهل تمكنت من استثمار اعتقال لفيف من قيادييها ورجالها بالشكل المناسب؟
س5: أليست محاولات الحركة بناء تحالفات أو جبهات والشروع ببناء هيئة عمل مشترك في أوروبا خطوات في اتجاه الخروج من الأزمة، أم أنها مجرّد حقن مورفين لايقاف الآلام التي تنخر جسد الحركة؟
س6: هل من مهام المثقف المفكّر أن يضع النقاط العلامة للمسارالذي يجب أن تكون عليه الحركة السياسية دون الانخراط فيها أو الوقوع في مزالقها أم تقع على عاتقه مسؤولية ممارسة دور النحلة المنتجة في الحزب السياسي أيضا، كما فعل بعض المثقفين الألمان من أمثال (غونتر غراس) و (هاينريش بول) بالانتساب إلى الحزب الاشتراكي – الديموقراطي والمشاركة الفعالة في مسيرات السلام العالمي والعمل في الاتجاه المخالف للتسلح النووي؟ أو كما فعل الأستاذان پير روسته م ومشعل تمو وغيرهما من مثقفينا…؟
س7: ما النقاط المشتركة – حقا – بين مختلف فصائل الحراك الديموقراطي الكوردي السوري، وهل هناك –فعلا- تناقضات فكرية وسياسية حقيقية تمنعها من تحقيق وحدة تنظيمية واسعة فيما بينها كما كانت فكرة بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا، أم أن الأزمة أكبر وأشنع من مجرّد انشقاقات تنظيمية في الحزب الكوردي؟
س8: لندقق النظر في مشكلة “البارتي” بالذات…ما هي نقاط الخلاف الجوهرية بين فصائله المنشقة عن بعضها؟ هل يمكنم توضيحها لنا في نقاط يمكن المناقشة حولها في حوار خاص؟
س9: كيف يمكن للمثقف الكوردي غير الملتزم تنظيميا بالبارتي أن يساعد في تقليل أو الغاء نقاط الخلاف هذه؟ هل يجب طرح مشروع (بديل) ؟ أم الاكتفاء بتقريب وجهات نظر القيادات (القياديين)؟ أم باجراء تعديلات جوهرية في التنظيم الهرمي الكلاسيكي للبارتي؟
س10: لو نظرنا إلى وضع حراك “اليكيتي” منذ البداية والى اليوم نجد أن فكرة هذه “اليكيتي” التي كان من المفروض أن تصبح (بديلا) عن البارتي قد فشلت أيضا كفشل البارتيين في توحيد فصائلهم، وانقسم اليكيتيون إلى شعب وفرق متحاربة أو على الأقل غير متفقة فيما بينها، كما تتوضح الصورة اليوم، وبخاصة في أوروبا حيث عدد كبير من الجاليات الكوردية. ولم يتحقق نجاح (البديل) عن طريق (اليسار) أيضا…حيث نرى هناك يساريا وآزاديا ومستقبليا و…برأيكم: هل يجب التوقف عن محاولات (الاصلاح البنيوي) في الحركة تماما والانتقال إلى ساحة جديدة وأشكال جديدة من الحراك الوطني – القومي للشعب الكوردي في غرب كوردستان؟
س11: بعض المحاولات التي شهدتها الساحة الأوربية تضمنت أفكارا جيدة، منها استقلالية الحركة الوطنية الكوردية السورية، التركيز على كوردستانية الحركة بنيويا وعضويا، ضرورة الاصطفاف في الخندق المطالب بازاحة النظام القائم، اقامة علاقات سياسية قوية في العالم الحر الديموقراطي وليس على مستوى منظمات حقوق الانسان فقط، المطالبة بتوحيد المناطق ذات الأغلبية الكوردية في سوريا في وحدة ادارية تتمتع بادارة ذاتية دستوريا (الفيدرالية)، والغاء التنظيم الهرمي الكلاسيكي في الحركة السياسية الكوردية، عدم أدلجة النضال السياسي الكوردي…برأيكم هل تشكّل هذه الأفكار أساسا صالحا لبناء (البديل) أم أنكم تضيفون أفكارا أخرى لها أو تسقطون بعضها؟ ماذا تقولون؟

وشكرا على اجاباتكم أستاذنا الكريم
مع فائق الاحترام والتقدير
جان كورد
17/ 6/2009
……………………………………………………………………………………………………………
الأجوبة:
1 – “البديل” لا يعني بالضرورة القطيعة الكلية مع الماضي، بل هو التأسيس للقادم الجديد والذي يكون ضرورياً لمرحلة ما، ونعرف أن القديم بات غير قادر على تلبية متطلبات وحاجات تلك المرحلة، هذا يمكن أن يقال بعمومية زائغة عن مختلف مناحي الحياة. وكذلك فإن ولادة القديم يكون من رحم القديم في “وحدة وصراع الأضداد”؛ موت حبة القمح في التربة وولادة سنبلة خضراء تحمل الجديد من حبات القمح، وذلك إن توفرت المناخات اللازمة من تربة صالحة ورطوبة وحرارة وضوء النهار (الشمس) ورعاية من الأمراض والأوبئة الخبيثة والحشرات الضارة، وكذلك فإن ولادة الإنسان نفسه يعتبر سلسلة لا نهائية من البدائل؛ حيث “الأبن سر أبيه” وهو الوريث وحامل اللقب.
أما بخصوص الحركة الوطنية الكوردية في غرب كوردستان، فمنذ اليوم الأول لدخولنا (معترك) عملها الميداني اليومي (الحزبي) كنا على دراية تامة بأمراضها المستعصية وقد حاولنا – مع الآخرين – وما زلنا نحاول إيصالها إلى مؤسسة سياسية حقيقية، تليق بقضية شعبنا وأمتنا وذلك على الرغم من (إستحالة) الأمر وخاصةً في ظل ظروفها الراهنة وتراكمات الماضي ومشاكلها وأمراضها الداخلية من جهة، ومن الجهة الأخرى الواقع والمناخ المافيوسلطوي للأجهزة الأمنية السورية والتي تترصد أي حراك سياسي وطني حقيقي، ناهيك عن أن يكون الحراك كوردياً حيث السلطة يمكن أن تغض النظر عن الكثير من الأمور ومنها الحراك والعمل بعقلية حزبوية ضيقة، بل ربما تشجعه، ولكن ستقف (أي السلطة وأجهزتها الأمنية) لكل حراك جامع يخاطب الضمير الجمعي للشعب الكوردي وليس فقط مريدي الأحزاب. وبالتالي فإن الواقع الراهن لشعبنا وقضيتنا في غرب كوردستان هي التي تفرض شروطها للبحث عن البدائل؛ كون القديم (الأحزاب الكوردية) وبعد مرور أكثر من نصف قرن على إنطلاقتها هي رهينة “غرف الإنعاش”.

2 – بالتأكيد لا يمكن لأحدنا الإجابة الوافية عن سؤالكم هذا، ولكن يمكن لكلٍ منا أن يطرح ما عنده من أفكار ومبادئ وأطروحات تصب في جدول المسألة للوصول إلى صيغ قانونية وسياسية تلبي حاجة المرحلة وضروراتها؛ حيث مهما كانت البدائل: “أهو جسد الحركة الذي دبت فيه العاهات المستديمة، والجدران التي تصدّعت وتشققت، أم.. نسف البيت بأكمله كما طالب به بعض الشباب أخيراً؟” فلا يمكن لنا أن (نرمي) كل القديم بـ “عجره وبجره” ولا بد لنا أن نستفيد من الكثير مما هو متراكم لدينا من (قديمنا)، بمعنى آخر: حتى عندما نقوم بـ “نسف البيت بأكمله” فيمكن الإستفادة من (المواد) الصالحة الباقية من “البيت” القديم وإدخاله ضمن هيكلية البناء الجديد، فالمادة لا تنشئ من العدم وكذلك لا تذهب إلى العدم أيضاً وما مثال حبة القمح إلا تجربة حية وطبيعية لموت القشور وإنبثاق لطاقة الحياة المخزونة بداخلها ليوهبنا الأخضر الناضر.
وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى مسيرة الحياة والتاريخ وتجربة الشعوب في النضال؛ حيث لا يمكن التفريط بكل الطاقات الحية (قوة الحياة) المختزنة بداخل القديم ولا بد أن تتفجر وتنبثق داخل بنيان ومؤسسات حية تواكب شروط العصر ومفاهيمها وذلك إن توفرت المناخات الملائمة وإلا لكانت الشعوب ماتت مع أول إنتكاسة لها ولكن ما نعرفه هو العكس تماماً؛ حيث لكل مرحلة رجالها وقادتها ومؤسساتها. وبرأينا – المتواضع – ونحن نعيش مرحلة جديدة وظروف غير ظروف وشروط النضال والعمل السياسي الكلاسيكي بأحزابها الشمولية البطريركية، فعلينا أن نبحث عن مؤسسات مدنية حقوقية تلائم المرحلة وما تسودها من مفاهيم ديمقراطية وإنسانية معولمة وإلا فإننا سوف نبقى أسرى الماضي بكل ترسباتها وقوالبها الكلاسيكية.

3 – متردد، ضعيف وغير شفاف ويطغى عليها حالة التسول؛ فلا يعقل لحركة سياسية بحجم الحركة الوطنية الكوردية وقضيتها والتي هي “قضية أرض وشعب” أن تقبل المشاركة في برامج سياسية لا تقر بقضيتها أساساً ومبدئاً نضالياً، أي هناك جغرافية كوردستانية مسلوبة وملغية، وغير معترف بها في الخارطة الوطنية السورية وذلك ضمن برامج كل المعارضة الوطنية السورية، ناهيك عن السلطة وحزبها الحاكم (حزب البعث العربي الإشتراكي) وتأتي الأحزاب الكوردية وتقبل أن تكون شريكاً داخل هكذا برامج مبتورة وناقصة (بالمفهوم الحقوقي السياسي وليس الأخلاقي)، حيث لا يمكن أن يستقيم الأمر وأنت (الحركة الكوردية بمعظم فصائلها) تناضل وفق رؤية سياسية نضالية وبأن القضية الكوردية هي قضية أمة وشعب تعرض للتقسيم وفق معاهدات دولية (بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق وسوريا) – ولا نعلم لما يقروون بالحقيقة السابقة (تقسيم كوردستان بين الدول الأربعة التي ذكرناها) دون أن يتجرأوا حتى مجرد النطق بجغرافية كوردستان الملحقة بالدولة السورية – وليس ذاك فقط، بل والقبول بالعمل تحت سقف برامج سياسية (للمعارضة) تنسف الحقيقة التاريخية لجغرافية غرب كوردستان وكأن بهم (أي الحركة الوطنية الكوردية) متسولين لبعض “حقوق المواطنة” من المعارضة السورية وليس السلطة؛ حيث أن الأخيرة لا تقبل لهم (للحركة الكوردية) أن تتسول أمام بابها. فهل بعد هذا يمكن القول بأن “أداء الحركة السياسية الكوردية في المعارضة الديموقراطية السورية بشكل عام” هو أداء مقبول ومُرضي – مَرضي ممكن – ، وبالمناسبة فإننا نتحفظ على مصطلح “ديمقراطية” المعارضة السورية؛ فلا يمكن للعقلية الديمقراطية ومبدأ إلغاء الآخر أن يلتقيا بأي حالٍ من الأحوال.

4 – إن التاريخ الحديث لسوريا دولةً ونظام وأيضاً عيش مشترك مع الشريك العربي ومن بعد رحيل الإستعمار الأجنبي (الفرنسي خاصةً) قد أعطى للكورد الكثير من (الفرص الذهبية) والتي لم نتمكن من (إستغلالها) أو الإستفادة منها؛ حيث وعلى الرغم مما تفضلتم به: بأن الحركة الوطنية الكوردية لم تتمكن من “استغلال قضية اغتيال الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي من قبل وكذلك مسلسل اغتيال الجنود الكورد أثناء خدمتهم الالزامية” فإن أكبر (الفرص) وأجلها وأكثرها ديناميكية نضالية وثورية، كانت إنتفاضة شعبنا في (12 آذار لعام 2004) ويمكن إعتبارها إحدى “الفرص الذهبية” والتي سنحت لشعبنا وحركتها السياسية في العصر الحديث، ناهيك عن القديمة منها وعلى طول المسيرة النضالية لشعبنا وذلك منذ أيام الإنتداب الفرنسي على سوريا، ومع ذلك فإن الحركة السياسية الكوردية وبأحزابها المتناحرة قد أفرطت بها ولأسباب (معلومة) لنا جميعاً وأولها حالة الرهاب من القمع والأجهزة الأمنية السورية، وكأن نيل الحقوق القومية لشعبٍ مغلوب على أمره يأتي على “طبقٍ من ذهب” ومن خلال المحاباة والترجي والتسول وليس من خلال التضحيات والنضال والعمل الجماهيري الدؤوب والفاعل. وبالتالي فإن هكذا عمل سياسي (نضالي) لحركة مرعوبة، لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تستثمر “اعتقال لفيف من قيادييها ورجالها بالشكل المناسب”، بل سوف يؤدي إعتقال أولئك (القادة) إلى نوع من الفرملة لبعض الحراك الذي رأيناه في الآونة الأخيرة، وربما قد لاحظ المراقب السياسي بأن هناك تراجع في الخطاب السياسي، ناهيك عن النشاط الجماهيري، لمعظم فصائل الحركة الوطنية الكوردية، مؤخراً.
5 – إننا من المتفائلين والداعين بأن حركة التاريخ هي حركة تصاعدية، إرتقائية ونحو الأكثر عقلانيةً وإنسانيةً؛ وما مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب والأمم في تقرير مصيرها إلا نتاجات عن الآلية الحراكية السالفة الذكر. وبالتالي فإن أي حراك ونشاط سياسي – إن كان في الداخل أو الخارج – يراكم لدينا أرث نضالي مؤسساتي مدني وهي خطوات جادة بـ “اتجاه الخروج من الأزمة” ولكنها – وللأسف – مكبلة بعقلية حزبوية/ قبلية متخلفة؛ حيث الأولوية للحزبية الضيقة وعلى حساب القضية المركزية والعمل لأجلها، هذه من ناحية ومن الناحية الأخرى، هي (أي ذاك الحراك الخارجي) من “بناء تحالفات أو جبهات والشروع ببناء هيئة عمل مشترك في أوروبا” خاضع للشرط والظرف الداخلي المحاصر بخطوط ودوائر أمنية محظورة لأي نشاط سياسي مثمر والمتهم مسبقاً بالعمالة والإرتباط بالأجنبي والغربي – الأمريكي. وبالتالي وأدها في مراحلها الجنينية؛ خوفاً من إزدياد في وتيرة القمع الأمني والمافيوسلطوي في الداخل صوب بعض (الرموز والقيادات) المتهمة أمنياً بأنها من تقف وراءها وبالتالي فرملتها، وقد رأينا ما آلت إليها حال بعض المنظمات الكوردية في أوروبا وذلك عندما أرادت أن تخرج عن “الطوق” وتحطم الدوائر المرسومة لها، حيث أول من وقفت في وجه أنشطتها هي قياداتها في الداخل وليس أجهزة الأمن السورية، لغيابها عن تلك الساحات.

6 – لا يمكن لنا أن نطالب “المثقف المفكر” بالعمل وفق قوالب وصيغ جاهزة فهو بالتأكيد سوف يرفضها، بل إن إحدى أهم مهماته – المثقف المبدع – هو تحطيم تلك القوالب والأصنام القديمة والتي تكون المرحلة قد تجاوزتها، وإلا فإنه يكون مقلِداً للآخرين (مزيفاً) ولا يمكن أن ترتجي من هكذا (مثقف مفكر) شيء، ناهيك عن الجديد والإبداعي. أما بخصوص المهام والواجبات وكيفية التعامل مع المحيط والوسط الإجتماعي الثقافي فهي الأخرى خاضعة لمجموعة شروط وظروف تختلف بإختلاف العصر والجغرافية؛ حيث ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً ما كان صحيحاً وصالحاً في عصر (غونتر غراس) و(هاينريش بول) وفي مجتمع كالمجتمع الألماني لنأتي نحن أبناء قيم وعصر مختلف – لدرجة ما – ونحاول أن نسير على خطى أولئك، هم لهم تجربتهم ولا نرفض قراءتها والإستفادة منها ولكن ليس تقليدها في كل شيء.
وبالتالي فعلينا أن نعيش تجربتنا الخاصة وأن نصل إلى صيغ جديدة للتعامل مع المحيط والواقع الذي نتفاعل معه، ولنا قناعاتنا بأن “المثقف المفكر” لن يعدم الحيلة لإستنباط تجربته الخاصة وأسلوب وآلية التأثير في بيئته ومجتمعه؛ حيث لا يمكن له – المثقف – إلا أن يكون “النحلة المنتجة”، إن (تورط وأنزلق) إلى العمل داخل إحدى الأحزاب السياسية أو بقي على مسافة من العمل السياسي (النشاط الميداني اليومي)، فهو في كل الأحوال (ملوث) بعلة العطاء والإبداع. ولكن وبحكم الواقع المأساوي والكارثي لشعبنا والذي ما زال محروماً من أبسط الحقوق والشروط الإنسانية فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض علينا أن نكون على مسافة قريبة من نبض الشارع والتفاعل معه – وللأسف – إلى اليوم ليس هناك غير (المؤسسة السياسية) الحزبية للعب هكذا دور ونشاط سياسي بين الجماهير الكوردية.

7 – بدايةً علينا أن لا ننسى بأن هناك قضية شعب محروم من حقوقه القومية والإنسانية وهي التي تجمعنا “داخل الحراك الديموقراطي الكوردي السوري” بمختلف أحزابها وفصائلها وبالتالي فهناك العديد الذي يجمعنا، حيث بالعودة إلى (البرامج) السياسية لهذه الأحزاب والفصائل فسوف لن تجد الفروقات الكبيرة منها، بل ربما تجد عدد منها نسخ فوتوكوبية عن بعضها وذلك نتيجة الإنشقاقات والإنقسامات المتوالية المتتالية وإدعاء كلٍ منها الشرعية و(الأصل) لنفسها وهكذا أخذت معها “ميراثها السياسي” أيضاً؛ من مناهج وبرامج وأنظمة داخلية، فأصبح لدينا عدد من البرامج والنظم الداخلية المعادة والمكررة بالحرف والفاصلة، وما قضية الترويج لوجود “تناقضات فكرية وسياسية حقيقية تمنعها من تحقيق وحدة تنظيمية واسعة فيما بينها” (أي بين فصائل الأحزاب الكوردية) – على الأقل معظمها – إلا نوع من التغطية البائسة والمكشوفة لحججهم المفتقرة إلى المنطق والقراءة العقلانية، وكأن بهؤلاء (قادة الأحزاب الكوردية) يعيشون عصر “سفربرلك” وليس هناك في محيط أحزابهم القروية/ القبلية من يجيد فك طلاسم الكتابة الحزبية “الإسكه تركية” لبرامجهم وخطابهم السياسي، حيث “الحافر يقع على الحافر” – مع حفظ الإحترام – بين أغلبية تلك البرامج.
وفي الجانب الآخر، هذا لا يعني بكل الأحوال الدعوة لكل الفصائل الكوردية وتوحيدها في حزب جامع وشامل؛ فهذه تتعارض وطبيعة الحياة ومجتمعاتها وتنوعها، حيث هناك التنوع والإختلاف (طبقي إجتماعي – ديني مذهبي وطائفي – فكري وسياسي أيديولوجي و.. غيرها من التباينات الإجتماعية والفكرية والأخلاقية القيمية) هذه من حيث النشأ والتكوين. أما من حيث العمل السياسي، فإننا نعتقد بأن من حسنات التعددية السياسية هي توفير المناخات الديمقراطية، فما جاء ديكتاتورٌ إلى السلطة إلا في ظل ظروف إستثنائية ومناخ فكري شمولي؛ ثورياً كان أم راديكالي حيث حجب عن الآخرين الضوء ودفعهم إلى مناطق الظلال والتغييب والعتمة السياسية. ولكن حالتنا الكوردية – التعددية الحزبية – هي ليست إحدى نتاجات الحالة الديمقراطية التعددية بالتأكيد، بل إنها أزمة سياسية حقيقية وعلى مستويات عدة (فكرية أيديولوجية)، في بعض مفاصل ومراحل تاريخ الحركة الوطنية الكوردية (إنشقاق آب 1965 بين اليسار واليمين) وبحكم المناخ والظروف الدولية آنذاك بين معسكرين وقطبين وأيديولوجيتين متناحرتين. أما مؤخراً فإنها تعدت الحالة الأيديولوجية لتصبح “الأزمة أكبر وأشنع من مجرّد انشقاقات تنظيمية في الحزب الكوردي” وهي أزمة بنيوية في الفكر القبلي العشائري المؤسس للحركة السياسية الكوردية ومن دون أن نغفل الدور المافيوسلطوي السوري وراء بعض التكتلات والإنشقاقات بطرق مباشرة أو عبر أدواتها داخل أجساد الحركة الكوردية.

8 – البارتي: (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – البارتي) لم ولن يكون إستثناءً عن القاعدة السابقة؛ هو الآخر يخضع لنفس الظروف والشروط والمناخ السياسي الأمني المافيوسلطوي وبالتالي فإنه يحمل نفس الأمراض والأخطاء التي وقعت بها الحركة السياسية الكوردية عموماً في غرب كوردستان وذلك من حيث العقلية القبلية العشائرية – ربما يكون البارتي متهم أكثر من غيره في هذا الجانب – وأيضاً التكتلات والإنشقاقات الحزبية الغير مبررة تنظيمياً وسياسياً داخل جسدها وبنيانها الحزبي الهرمي، ناهيك عن الجانب الفكري المغيب إلى الآن داخل العمل السياسي الكوردي إجمالاً، اللهم إلا من بعض الكليشهات والشعارات الجاهزة والتي أستهلكت سياسياً وجماهيراً وذلك بفعل تقادم الزمن والمرحلة. وبالتالي فيمكننا الإدعاء بأن ليس هناك “نقاط خلاف جوهرية بين فصائله المنشقة عن بعضها”، بل جل المشكلة – كما أسلفنا سابقاً – تكمن في البنية الإجتماعية لفكر قبلي عشائري لا يعرف بعد كيف يتفاعل مع الحالة المدنية المؤسساتية؛ حيث ما زالت العقلية الكوردية أسيرة الروح الثأرية والكيدية والإيمان الغيبي السحري ووهم البطولات الدونكيشوتية.
وهنا نود أن نقف قليلاً عند التجربة الأخيرة لتوحيد (أجنحة البارتي)؛ حيث كنا – مع الآخرين – شاهداً حياً على تلك التجربة وكيف أن السيد (عبد الرحمن آلوجي) وتكتله لم يخرجوا من الحزب، إلا بعد نتائج الفرز – لإنتخابات اللجنة المركزية – وعدم حصول تكتله على النسبة التي ترضيهم وذلك بأكثر من أسبوع ومن ثم الإدعاء بأن هناك خلاف فكري مع الحزب، فالذي له خلاف فكري عقائدي (كما هو محبذ لأحزابنا أن تسمي خلافاتها الشخصانية الحزبية مع الآخرين) كان عليه الإعلان عن ذلك في المؤتمر نفسه (أي العاشر للحزب والذي أنعقد بتاريخ 17-19/5/2007 وعلى أثره خرج تكتله، مرة أخرى، من جسد البارتي) وليس إنتظار نتائج فرز الأصوات ومن ثم الإعلان عن خلاف “مبدئي وفكري عقائدي” مع الحزب. وبالمناسبة لا نريد أن يفهم؛ إننا نحملهم كامل المسؤولية وخروجهم (أي السيد آلوجي وكتلته) من الحزب، لهم وحدهم. بل إن البارتي (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، والذي نحن جزء منه، يتحمل هو الآخر المسؤولية ونعتقد أن مسؤوليته أكبر وأجل بحكم وجوده وفاعليته وتأثيره في الساحة وكذلك بحكم إحتضانه لغيره من الكتل وخاصةً في المرحلة الأخيرة. وبالتالي كان عليه (البارتي) أن يأخذ حساسية المسألة (عدد أعضاء اللجنة المركزية الذين كان يجب أن يخصصهم ويعطيهم للجناح أو الكتلة الأخرى)، فليس معقولاً أن تمنحهم عضواً واحداً من أصل أحد وعشرون عضواً أساسياً مع أربع إحتياط آخرين تحتفظ بهم جميعاً لجناحك وذلك إن كنت حقاً تريد بقاء أولئك الرفاق في جسد الحزب.

9 – إن المشكلة، وكما أكدنا مراراً، ليست خاصة وحصرية بـ (البارتي) لكي يطلب من “المثقف الكوردي – الملتزم أو – غير الملتزم تنظيمياً بالبارتي أن يساعد في تقليل أو الغاء نقاط الخلاف هذه” – وأساساً لا يأمنون بفكرة التدخل والمساعدة هذه أصلاً لكي يسمحوا بها أو لا؛ حيث الواحد منهم (أي قيادي كوردي) يعتبر نفسه مركز الكون – وبالتالي فإن المشكلة باقية ببقاء العقلية الكوردية رهينة الحالة والواقع السياسي الراهن وإن لم يخضع لهزات قوية تقوم بتفكيكه وإعادة تشكيله وصياغته وفق منظور سياسي عصري (جديد) يلائم شروط الحداثة والعولمة والمفاهيم الديمقراطية الليبرالية في إدارة المؤسسة؛ اي مؤسسة كانت ومنها المؤسسة الحزبية. نعم.. نحن بأحوج ما يكون للقيام “باجراء تعديلات جوهرية في التنظيم الهرمي الكلاسيكي للبارتي” وغيره من الهياكل التنظيمية الكلاسيكية للحركة الوطنية الكوردية والبحث عن (البديل) الحقيقي وليس وهم البدائل وقبل البدائل الوهمية.

10 – إن ما تطرقتم إليه من تجربة وحراك الـ “يكيتي” (حزب يكيتي الديمقراطي الكردي) وقبله (حزب الوحدة الديمقراطي الكردي – يكيتي) والذي أساساً أنبثق عنه “يكيتي” الآخر وكذلك تجربة “اليسار الكردي” بفصائله، مع التجربة البارتوية – إن صح التعبير – هي إستمرار للمشكلة نفسها؛ حيث جميعهم لم يخرجوا عن ما يمكن أن يعرف على أنه نوع من (ترميم البناء) والهياكل القديمة المتصدعة وبالتالي فإن المسألة لم تصل – حتى – إلى مستوى “الإصلاح البنيوي” والذي أسميتموه به؛ أي أن تلك المشاريع هي حالة (تكرارية)، نوع من إعادة إنتاج ما هو قائم وإستمرار للقديم ولو بمسميات أخرى. أما البديل الحقيقي فهو يشكل مع هذا البناء (الهياكل) القديمة نوع من القطيعة، وإن كان يستفيد منه في بعض المواد (كوادر حزبية فاعلة، شعارات وبرامج سياسية جنينية، قاعدة جماهيرية.. الخ) تكون بمثابة الخطوط والأبجديات الأولية لصياغة برنامج سياسي مستقبلي منسجم مع واقع وطموحات شعبنا في غرب كوردستان. أما بالنسبة إلى الساحات، فعلينا أن نتحرك على جميعها والإستفادة من أي هامش ديمقراطي يساعد على حراكنا ذاك ونعتقد بأن الساحة الأوربية – اليوم – باتت من الساحات الضرورية والمهمة لتدويل أي قضية حقوقية إنسانية؛ قومية كانت أو غيرها من قضايا مجتمعات عالمنا الثالث و.. والعاشر، المبتلى بأنظمة الإستبداد والقمع وهيمنة العقلية الظلامية القرووسطية في علاقته مع الآخر والجوار وحتى مع الذات والداخل.

11 – إن كل ما تطرقتم إليه من أفكار وأطروحات سياسية وكذلك غيرها العديد من الأجندات والبرامج السياسية، هي أفكار قابلة للنقاش والتداول والبحث فيها وذلك للوصول إلى (البديل) عن قديمنا المهترئ (الحركة الوطنية الكوردية في غرب كوردستان) والذي تجاوزه المرحلة التاريخية. ولكن الأهم من كل هذا وذاك – وبرأينا – هو عدم التوجس والخوف من الجديد والتعامل معه على أساس أنه (طابور خامس) يهدد وجودنا وكياناتنا السياسية الكلاسيكية التي باتت تتهدم فوق أدمغتنا ونحن نكابر على أنفسنا ونحاول ترميمها ببعضٍ من الكلس الجيري والتي تكشف عن عيوبنا (عيوب الهياكل الحزبية الكلاسيكية) أكثر مما تخفيه. وهكذا فعلينا أن ننطلق في الحياة وإليها، بعقلية جديدة لا تمجد الغائب والغيبي – السحري ولا تؤمن بالطوطم والتابوات والمقدس، بل بعقلية وفكر سياسي ليبرالي ديمقراطي وحر ليكون لدينا مؤسسات مدنية حزبية عقلانية تعمل وفق المنطق والعقل السياسي وليس وفق حسابات فلاح ريفي – مع كل الإحترام له – تكون حساباته وحساب البيدر لا يتوافقان. عندها (عند تحقيق البديل) والوصول بالمؤسسة والعقلية السياسية الكوردية إلى تلك السويات – عندها فقط – يمكن لنا أن نتحدث عن شيء أسمه الجغرافية الكوردية (غرب كوردستان) وأمة وشعب كوردي له “أرض تاريخية” ومطالب حقوقية إنسانية وقومية هو محروم منها وبالتالي العمل على أجندة وبرامج سياسية نضالية حقيقية لتحقيق تلك الأماني والمطالب الدستورية والأخلاقية، إن كانت وفق صيغة فيدرالية أو كونفيدرالية أو غيرها من صيغ وآليات حق الشعوب في تقرير مصيرها.. . أما قبل ذلك فكل ما هو قائم وما نقوم به ليس إلا “مورفينات مخدرة” منومة وليست “مهدئة”. وأخيراً لكم أيضاً مودتنا وتقديرنا.