الرئيسية » مقالات » ماذا يجري في إيران؟

ماذا يجري في إيران؟

أعتقد من الخطأ تفسير ما يجري في إيران بأنه مجرد مظاهرات احتجاجية على تزييف نتائج الانتخابات الرئاسية، وأنها من أجل المرشح الرئاسي الإصلاحي “الخاسر” السيد مير حسين موسىوي، لأن هذا التزييف كان يحصل في معظم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة دون أي رد فعل يذكر. لذلك أرى، وفي ظل انقسام المجتمع الإيراني، سياسيا واقتصاديا، واتساع الفجوة بين الشعب والنخبة الحاكمة، فأغلب الظن أن هذه الانتفاضة كانت ستحصل مهما كانت نتائج الانتخابات، فهي أشبه بالبركان الذي كان ينتظر لحظة الانفجار في الوقت المناسب، وجاء تزييف الانتخابات ليحصل الانفجار المدوي.

وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار هذه الانتفاضة في طهران والمدن الإيرانية الكبرى الأخرى هي ثورة شعبية عارمة على دكتاتورية النظام الثيوقراطي، تشبه تماماً الثورة الإيرانية الأولى التي اندلعت عام 1979 احتجاجاً على ديكتاتورية الشاه، الثورة التي شاركت فيها جميع الطبقات الشعبية والقوى السياسية، العلمانية والدينية، ولكنها في نهاية المطاف سرقت منها من قبل التيار الإسلامي بقيادة الخميني. وكانت الجماهير الواسعة تأمل من ثورتها تلك تحسين أوضاعها المعيشية، وممارسة حرياتها، إلا إنها لم تنل أي شيء، وقد رد الخميني على المطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية فيما بعد بتهكم قائلاً: “أن الشعب الإيراني لم يثر من أجل العلف” أي أنه ثار من أجل الدين، وبذلك فقد أسقط الخميني العامل الاقتصادي ومعاناة الناس من الفقر والاستلاب من أسباب الثورة، وركز فقط على العامل الديني، وكأن الشاه كان قد منع الإيرانيين من أداء الفروض الدينية.

نعم، ما يجري في إيران اليوم هو ثورة شعبية بكل معنى الكلمة، وهي حصيلة تراكمات لمعاناة وخيبة أمل الجماهير خلال الثلاثين عاماً الماضية حتى بلغت مرحلة الانفجار. إذ يجب أن نعرف أن 70% من الشعب الإيراني هم دون الثلاثين عاماً من العمر، أي أنهم ولدوا بعد الثورة، ونحو 50% منهم دون 25 سنة، ونسبة البطالة في عموم القوى العاملة نحو 20% ونحو 25% في أوساط الخريجين الجامعيين، وقد حرم الشعب من الخبز والحرية ولا أي بصيص أمل لهم للمستقبل. كما وفشل حكم الملالي إقناع غالبية الشعب بالتمسك بالدين، إذ تفيد الأرقام التي كشف عنها رئيس الشؤون الثقافية في بلدية طهران، في مؤتمر صحفي قبل سنوات أن نسبة غير المصلين قد تجاوزت 80%، و نسبة الإباحية 60%، وبلغت نسبة المدمنين على المخدرات 20%. وبذلك فقد حقق النظام الإسلامي في إيران نجاحاً باهراً في إبعاد الناس عن الدين.

كذلك خيَّبَ الإصلاحيون من داخل النخبة الحاكمة، آمال الشباب في الإصلاح الذي وعدوا به، وخاصة الرئيس السابق محمد خاتمي الذي حصد أعلى نسبة من الأصوات، وخاصة في انتخابات رئاسته الثانية، ولكن لم يستطع تنفيذ وعوده الانتخابية، إما لأنه كان مكبلاً بقيود النظام، أو لأنه لم يكن إصلاحيا حقيقياً، بل أراد امتصاص غضب الجماهير وحماية النظام. وحتى وعود المرشح الإصلاحي الحالي، مير حسين موسوي، ليس مؤكداً أنه كان بإمكانه تنفيذها، فالأمور بيد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، أي “الولي الفقيه” وهو السيد علي خامنئي، ومجلس صيانة الدستور غير المنتخبين من قبل الشعب.

ولذالك أعتقد أن الجماهير تريد من انتفاضتها هذه ليس الإصلاح الترقيعي، بل التغيير الجذري وذلك بتبديل النظام، من نظام ثيوقراطي إلى نظام ديمقراطي يستجيب لمتطلبات الشعب في التمتع بالحرية ومواردها الاقتصادية والعيش الكريم دون حرمان واستلاب.

وكما تقول الحكمة، أن الفضل في فوز المرشح السيئ يعود بالأساس إلى مقاطعة الأخيار للانتخابات. وهذا ما حصل في الانتخابات الرئاسية الإيرانية السابقة عام 2005، عندما فاجأ محمود أحمدي نجاد، غير المعروف خارج طهران، الشعب الإيراني بفوزه على منافسه المعروف الشيخ هاشمي رفسنجاني، وذلك بسبب مقاطعة الجماهير المطالبة بالإصلاح لتلك الانتخابات نتيجة الإحباط الذي أصابهم من فشل الرئيس السابق محمد خاتمي في تنفيذ وعوده بالإصلاح. كما ولم يكن الشيخ رفسنجاني يتمتع بسمعة جيدة لدى الشعب بعد أن كان رئيساً للجمهورية لدورتين متتاليتين ودون أن يقدم أي عمل إصلاحي. كذلك نعلم أن السيد مير حسين موسوي كان رئيساً للوزراء في عهد الخميني، وكما أخبرنا الآن – الكاتب الإيراني المعروف، السيد أمير طاهري- أن موسوي هو ابن عم السيد علي خامنئي، ولكنهما ليسا على وئام. لذا لم يتوقع أحد من هكذا شخص أن يحقق طموحات الشعب في الإصلاح المطلوب، ما لم ترغمه الجماهير على ذلك.

ولذلك فقد استخلصت الجماهير الإيرانية درساً بليغاً من تجاربها السابقة، فشاركت بكل ثقلها هذه المرة في الانتخابات من أجل إلحاق الهزيمة بمحمود أحمدي نجاد ومنعه من الفوز ثانية والتخلص منه. لذا بلغت نسبة المشاركة رقماً قياسياً أكثر من 80% من الذين يحق لهم التصويت ومعظمهم من الشباب والنساء. وقد ساعد تزييف الانتخابات على تفجير القنبلة الموقوتة ضد النظام، ليس من أجل موسوي بل من أجل التغيير الجذري للنظام.

هناك عدة ملاحظات واستنتاجات جديرة بالذكر، وهي كما يلي:
1- عدم حيادية المرشد علي خامنئي: من المفترض في النظام الإسلامي الإيراني أن يكون المرشد الأعلى محايداً غير منحاز إلى أية جهة، خاصة وإن جميع المرشحين هم من داخل النظام الإسلامي، لأنه وفق فرضية النظام أن المرشد هو إمام معصوم من الخطأ، والمفترض أنه الأعلم والأكثر حكمة من غيره، وأنه “الولي الفقيه”، وظل الله على الأرض، ونائب الإمام الغائب (المهدي المنتظر) ويحكم نيابة عنه، لذلك كان الرجل محاطاً بالقداسة، وأي انتقاد يوجه له هو انتقاد للذات الإلهية، ورغم كل هذه الصفات التي يتمتع بها المرشد الأعلى، إلا إنه لم يستطع إخفاء تحيزه لمحمود أحمدي نجاد ضد منافسيه، فهنأه وباركه على فوزه فوراً عند إعلان النتائج وحتى قبل أن يصادق عليها مجلس صيانة الدستور، أو التأكد من مواقف المرشحين الخاسرين من هذه النتائج. ولما استلم اعتراضاً من المرشحين الخاسرين، وطعنهم بالنتائج واتهامهم المسؤولين بالتزوير على نطاق واسع، وتحت ضغوط احتجاجات الجماهير، أضطر المرشد إلى التراجع ومطالبة المجلس بإجراء تحقيق في الانتهاكات، وبإعادة فرز أوراق التصويت الجزئي في بعض الأماكن وليس كلها. ومن هنا ولأول مرة فقد وضع خامنئي نفسه في موقف حرج.

2- واستنتاجاً للملاحظة الأولى، فقد خسر المرشد الأعلى السيد علي خامنئي مصداقيته وقداسته، بل وهتفت الجماهير ولأول مرة بسقوطه، إضافة إلى الهتافات المتكررة “الموت للدكتاتور”. والمقصود بهذا الهتاف هو المرشد الأعلى وليس محمود أحمدي نجاد الذي يعرف الجميع أنه مجرد خادم مطيع للمرشد. وهذه سابقة في النظام الإسلامي الإيراني، إن دل على شيء فإنما يدل على فقدان هيبة المرشد ومصداقيته، حيث سقط جدار الخوف لدى الجماهير في تحدي النظام الحاكم.

3- كشفت الانتفاضة عن صراع عنيف وشرخ عميق في صفوف النخبة الحاكمة في المؤسسة الدينية، وأن هناك معارضة قوية من زعماء كبار للثورة الإسلامية لزعامة المرشد الأعلى والرئيس محمود أحمدي نجاد وسياساتهما التي قادت البلاد إلى شفا هاوية، ومن هؤلاء الزعماء السيد محمد خاتمي، والشيخ هاشمي رفسنجاني، ومير حسين موسوي، والشيخ كروبي، إضافة إلى عدد من آيات الله أعلنوا معارضتهم الشديدة لفوز أحمدي نجاد… الخ. (وفي قم، أصدر المرجع الأعلى آية الله صانعي فتوى بتحريم التعامل مع حكومة احمدي نجاد على أساس أنها حكومة غير شرعية. وقال إن التعامل معها «حرام دينيا». إذن بدأت بين كبار آيات الله وأعضاء في مجلس الخبراء التساؤلات حول «صلاحية المرشد». فمهام مجلس الخبراء هي التأكد من صلاحية المرشد، وإذا كانت الإجابة بالنفي فمن حق مجلس الخبراء إقالته. ذلك هو الدستور الإيراني. (مقابلة مع إبراهيم يزدي، الشرق الأوسط، 17/6/2009). والجدير بالذكر أن رفسنجاني هو رئيس مجلس الخبراء، وهو في صراع مفتوح مع المرشد. وهذه حالة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، تشير إلى نوايا جدية في التغيير.

4- وبناءً على الملاحظات السابقة، فهناك احتمال كبير أن معظم رجال الدين وقادة الإصلاح السياسي من داخل المؤسسة الحاكمة توصلوا إلى قناعة أن النظام الإسلامي قد فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق ما كانوا يأملون من ثورتهم الإسلامية، وأن النظام الإسلامي قد استنفد دوره وصار يهدد الشعب الإيراني بالكوارث، لذلك حان الوقت لتغييره قبل فوات الأوان.

5- يبدو أيضاً، أن توَصَّلَ الإصلاحيون ومعهم رجال الدين الكبار، إلى أن إصرار الثنائي، خامنئي ونجاد على البرنامج النووي غير المجدي، وتصدير الثورة الإسلامية، والتدخل الفض في شؤون دول المنطقة، وصرف المليارات من الدولارات من أموال الشعب المحروم، على مليشيات وأحزاب دينية في الخارج لزعزعة الأوضاع وخلق عدم الاستقرار في دول المنطقة، ستقود إيران إلى كارثة ماحقة، وإلى المزيد من العزلة وفرض الحصار الاقتصادي عليها، واحتمال شن حروب مدمرة عليها من قبل إسرائيل وربما حتى أمريكا كما حصل للنظام البعثي في العراق.
6- تصعيد التوتر بين الجانبين: كلما طالت الانتفاضة، ازداد احتمال تمادي النظام في أخذ المزيد من الإجراءات القمعية ضد المتظاهرين، وبالتالي تصعيد الصدام بين الجماهير والقوات الأمنية، إذ تفيد الأنباء بمقتل نحو 11 من المتظاهرين على أيدي باسيج، واعتقال أكثر من 500 من النشطاء الإصلاحيين، من بينهم شخصيات كبيرة من أنصار موسوي وهم: الاقتصادي سعيد ليلاز، وعالم الاجتماع حميد رضا جلالي بور، وأخيراً إبراهيم يزدي، أول وزير خارجية للجمهورية الإسلامية عام 1979، الذي تم اعتقاله البارحة وهو مريض راقد في قسم العناية المركزة في أحد مستشفيات طهران كما صرح ابنه لإذاعة بي بي سي. كذلك أفادت الأنباء عن تعرض السكن الجامعي في عدد من المدن الإيرانية لهجمات على يد مليشيا الباسيج التابعة للحرس الثوري الايراني. ومقابل هذه الإجراءات القمعية، أعلن موسوي أن يوم الخميس هو يوم إعلان الحداد على الشهداء في المساجد في كافة أنحاء إيران، حيث نظمت مسيرات متشحة بالسواد في طهران ومعظم المدن الإيرانية الكبرى، الأمر الذي سيزيد من عزلة النظام ومن غضب الجماهير عليه، وبالتالي تقريب ساعة سقوطه.
7- وفي خضم هذه الانتفاضة وإصرار الجماهير على المواصلة ورفضها لنتائج الانتخابات ودعمها لزعامة السيد موسوي، يضطر السيد موسوي أن يستجيب لنداء الجماهير، وبدوره وكافة القادة الإصلاحيين إلى أخذ موضوع التغيير بجدية وليس مجرد تغيير أشخاص أو إجراء إصلاحات طفيفة.

هل هناك أدلة على تزييف الانتخابات؟
معظم المحللين السياسيين يعتقدون بالتزييف. فالدعم الجماهيري للمرشح الإصلاحي مير حسين موسوي قبل الانتخابات كان كبيراً جداً في المدن وخاصة بين الشباب والنساء، بينما كان محمود أحمدي نجاد يتمتع بشعبية كبيرة في المناطق القروية التي تنتشر فيها الأمية. ولكن ظهرت النتائج تساوت فيها نسب التصويت بثلثين لأحمدي نجاد وثلث لموسوي في القرى والمدن على حد سواء، وهذا غير ممكن. كذلك الدعم الجماهيري الواسع لموسوي بعد الانتخابات يؤكد التزييف. والسبب الآخر هو المعطيات السابقة للنظام لا تدعو إلى الاطمئنان.

أما موقف العالم الخارجي وبالأخص أمريكا، من الانتفاضة، فقد [أوضح الرئيس أوباما سبب عدم ظهور الولايات المتحدة بمظهر الداعم للمعارضة قائلاً إن “أسهل ذريعة يمكن أن يستخدمها الرجعيون لقمع الإصلاحيين هي اتهامهم بتلقي دعم أمريكي”.] وهذا ما حصل بالفعل، فقد اتهمت إيران الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى بالتدخل. ولكن الدعم الرئيسي للمعارضة من الخارج يأتي من الإعلامي المعولم على مدار الساعة من فضائيات وإذاعات وانترنت ومراسلي الصحف، فرغم محاولات الحكومة الإيرانية فرض التعتيم على ما يجري من انتهاكات ضد الجماهير المنتفضة، فقد بات العالم يشاهد ما يجري في إيران أولاً بأول، وهذا الدعم الإعلامي يعطي سنداً معنوياً للجماهير وزخماً متزايداً للانتفاضة الشعبية، تقرب ساعة سقوط النظام.

ما هي سيناريوهات الانتفاضة؟ هل سيقبل مؤيدو الإصلاحيين بمجرد إعادة فرز الأصوات الجزئي كما أمر المرشد الأعلى، والذي من المؤكد أنه سوف لن يغير شيئاً من النتائج المعلنة، أم ستصر الجماهير على إعادة الانتخابات بين موسوي ونجاد؟ وإذا ما وافقت السلطة على إعادة الانتخابات فهذا يعني نهاية مكانة علي خامنئي وأحمدي نجاد.
وهل سيسقط النظام الإسلامي؟ وما هو البديل، وبعد أن رأوا من حماس الجماهير المنتفضة المتعطشة للتغيير، هل غيَّر الإصلاحيون موقفهم السابق من مجرد إجراء إصلاحات طفيفة على النظام، أم تغييره جذرياً إلى نظام ديمقراطي حقيقي يخرج إيران من المأزق، ويعيدها إلى التعايش السلمي مع العالم، وتغيير سياساتها التصادمية، بما فيه وقف برنامجها النووي وتصدير الثورة ودعم الحركات الإسلامية الراديكالية في الخارج؟

وعلى ضوء تسارع الأحداث في إيران، أعتقد أن كل من هذه السيناريوهات محتملة، وليس بإمكان أحد التكهن بها في الوقت الحاضر. ولكن من المؤكد أن إيران سوف لن تكن نفسها كما كانت قبل هذه الانتفاضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
صور من انتفاضة الشعب الإيراني ووحشية تعامل الشرطة مع المتظاهرين
http://www.boston.com/bigpicture/
2009/06/irans_disputed_election.html