الرئيسية » مقالات » وطن المثقفين وأفيون السياسيين

وطن المثقفين وأفيون السياسيين

هذا مقال جديد لي ، يضم مجموعة أفكار وآراء استطاعت أن تتبلور منذ زمن طويل ، نتيجة لما خبرته من معرفة متواضعة ، وما قرأته من آراء موسّعة ، وما استتبع ذلك من نقاشات في حياتي بمضامينها المتنوعة .. إن مسألة دور المثقف اليوم صعبة جدا ، واقصد المثقف الحقيقي لا نقيضه الذي يسيطر اليوم على سلطة صناعة الرأي ، ويمتهن الشاشة له ، وينشر ما يشاء له أن ينشر بحكم استهلاكية الأدوات الإعلامية للتكنولوجيا الحديثة .. ويصر الناس اليوم في منظومتنا الفكرية والجغرافية على امتداد الشرق الأوسط أن تسأل سؤالاً جوهريا وحقيقيا : أين هو المثقف؟ ومن ثّم تتبعه باسئلة اخرى عن دوره اليوم في دوامة الحياة الصعبة .

مافيات الاستحواذ

دعوني أقول بأن مثل هذا السؤال كان المفكر ريجيس دوبريه قد أجاب عليه منذ زمن ليس بالقصير ، معلنا نهايته في عمل حمل عنوان ” المثقف الفرنسي: تتمة ونهاية” ، وطالب برنار بيفو، صاحب احد أهم البرامج التلفزيونية الثقافية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين ، بتشكيل هيئة خبراء تقوم بـ تعيين النقاد ورؤساء تحرير المجلات والملاحق الأدبية وأعضاء لجان المحلفين المعنية وأساتذة الكوليج دو فرانس.. الخ من اجل استعادة التوازنات ، وارتفعت أصوات عديدة تطالب بـ إنقاذ الثقافة والإبداع من براثن الأدعياء الذين ينبتون الأدغال التي تقضي على كل النباتات الرائعة والزهور اليانعة ، وحيث أصبح من الصعب جداً على المثقف والمبدع أن يعيش من إنتاجه الرائع ، كما كان ذلك أيام الزمن الإبداعي الجميل ، ويعترف البعض بأن الوسط الثقافي و الإعلامي والفني .. أصبح مصابا بالتلوث مثل بقية الأوساط الأخرى ، يخضع للمصالح والاتجاهات والقوى وسط شبكات من أصحاب الأموال والمافيات والعصابات .. أما في العراق ، فان اهتراءات الحياة السياسية التي عاشها العراق منذ أربعة عقود من السنين ، قد همشّت المبدعين الحقيقيين ، واشترت ضمائر كّتاب آخرين .. وأقصت العلماء والأدباء والفنانين الرائعين .

أني أتهم !

دعوني أحدثكم عن فرنسا وكيف أصبحت وطن المثقفين بلا منازع ، وذلك بتحليل العودة إلى ” حدث كبير يشكّل منعطفا اكبر ” عرفته حياتها الثقافية بكل تجلياتها ، ممثلا بقضية الضابط دريفوس الذي كان قد تم اتهامه علنا بالخيانة ، فقالوا بتعامله مع العدو ، مما أدى إلى تجريده من مكانته العليا ، ومن رتبه العسكرية ومحاكمته وإصدار حكم بإعدامه .. لكن تبيّن ان دريفوس كان بريئا كما ثبت فيما بعد ، وبعد أن أعيد النظر بقضيته ، اثر اطلاق الكاتب الفرنسي الكبير أميل زولا صرخته الشهيرة على صفحات صحيفة (الفجر) عبر رسالة مفتوحة موجهة لرئيس الجمهورية تحت عنوان “اني اتهم”. ومنذئذ أصبحت فرنسا بمثابة ” وطن المثقفين ” ! وأي مثقفين ؟ انهم من النوع الثقيل الذين عرف المجتمع قيمتهم .. فما نفعهم ان لم يعرف المجتمع قيمتهم ؟ إن العراق اليوم قد ابتلي ببقايا وترسبات السفهاء والمتعصبين والمجانين وهم يعيشون في داخله أو خارجه .. نتيجة ابتذال الثقافة والمثقفين على امتداد خمسين سنة ، منهم حاقدون لاسباب سياسية كونهم لم يتمتعوا بحقوق وطنية ، ومنهم مأجورون لأطراف عديدة ، اذ يتبرعون لها حتى وان عاشوا على فتاتها ، ومنهم خاسرون للسلطة والنفوذ والجاه ، فهم يأكلون أنفسهم بأنفسهم .. وليس لهم كما تعودوا منذ صغرهم ، أو كما تربوا في مزابلهم على اتهام الآخرين من العراقيين الأبرياء تهما ظالمة ! هم يدركون تمام الإدراك إنهم يظلمون ، يجاهرون بتشويه سمعة خصومهم ليس السياسيين ، بل حتى المثقفين .. وقد وصلت الاتهامات إلى حد ذهاب العديد من العراقيين إلى المشانق والسجون ، نتيجة لأحقاد شخصية كامنة في النفوس ! إنهم مهرة في صنع خصومهم ، وهم من أسرع الكائنات بتشويه سمعة أي إنسان ، بمجرد اختلافه معه في الرأي أو الفكرة .. فكيف يا ترى سيكون الأمر إن كان الخلاف سياسيا أو حزبيا ؟ تلك الأخلاقيات الوضيعة والأمراض المنيعة خلقت فئات مشوهة حتى وان كان بعضهم يحمل شهادة دكتوراه .. ويعيش في عاصمة الضباب ! وكم يتمنى المرء ان يجد خلافاتهم فكرية وجدلياتهم علمية .. ولكنها شخصية وسياسية وسايكلوجية في كل الأحيان . انهم عندما يتناطحون ، تجدهم جميعا لا يبقون أي خط للرجعة ، ولا أي هامش لأي لقاء ..

متهتكون سياسيون

إن المثقف ـ بشكل عام أو خاص ـ ينبغي أن يكون معناه بمثابة طليعة المجتمع وان يعّبر ابداعيا عن أمنيات نسيجه الاجتماعي ، وحيث تتمثل السمة الأساسية لديه في امتلاكه لـ “عقل نقدي “. إن هذا ” المثقف النقدي ” الذي مثله بامتياز عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو قد فشل في أن يجمع بين طليعية الفكر وطليعية السياسة في مغامرة مشتركة في أفق التحرير وفي اخصب المجتمعات ثقافة في العالم ، ونحن نتكلم عن نخب المثقفين الفرنسيين الرائعة . وكان المفكر الليبرالي الكبير ريمون آرون قد عرض مثل هذا الرأي منذ أواسط عقد الخمسينيات الماضي في كتابه الذي يحمل عنوان: افيون المثقفين. إن بعض من يسمّون أنفسهم بمثقفين أو ساسة عراقيين لا يفيد معهم ما قدمه ريمون آرون ، فهو لم يجد الا بعض المتزمتين لليسار من المثقفين الفرنسيين .. ولكن الأدعياء كثر في العراق ، وهم متهتكون باسم العراق ، وهم قساة وساديون .. إنهم يرون العراق مجبولا بالدم لزمن طويل .. إن أفيون السياسيين قد دّمر المجتمع ، وما زالوا يلوكون تفاهاتهم ، ويتنابذون شتائمهم ، ويشتهرون بقبائحهم ، ويجترون شعاراتهم البالية ! إنهم لم يتعاطعوا أي أفيون ، بل هكذا هو نبتهم ، وتلك هي تربيتهم التي نشأوا عليها .. ولا يمكنهم ان يستبدلوها حتى مع سقوط الجلادين !

مفهوم : ذئاب وثعالب

ومن خلال استقرائنا على مدى سنوات مضت مختلف جوانب المشهد الثقافي سواء في منظومتنا العراقية مقارنة بغيرها ، وبكل فجاجاتها وتهرؤاتها ، بلا أية تطورات وتبدلات في مجتمع يجمع كل التشظيات والتناقضات ، ويزدحم بكل المستويات المعّبرة عن بقايا عشائر وطبقات عليا ووسطى ومنسحقة .. ودمار كل الطيبين وملايين الخيرين تحت عجلة العتاة والمجرمين والحاقدين والمطبرين واولاد الشوارع وقطاع الطرق والسفلة .. مجتمع متنوع لا حياة مفرحة للطيبين فيه ، فكيف بالضعفاء ؟ مجتمع وبجميع مكوناته و«قبائله» الصغيرة والكبيرة وقصصه وحكاياته وتواطؤاته ومنافساته وعلاقاته غير النظيفة ، وتشظيات الصامتين ، وبكل إشكال الجدل الدائرة فيه، خاصة في المؤسسات التي غدت بؤرا غير نظيفة ابدا تحوي سياسيون ومتحزبون باسم الثقافة والمثقفين ، ويتنادون حول الشعر والشعراء ، والنقد والنقاد والجوائز والاكراميات وآليات منحها، بأن ثقافتنا العراقية على اقل تقدير لا تريد أن تبقى وطننا التي تربينا عليها وطن المثقفين ، بل ثمة اسقاطات سياسية وحزبية بامتياز على الرغم من التبدلات الكثيرة والعميقة التي طرأت على دور هؤلاء المثقفين في العالم بفعل التطورات الجوهرية التي شهدها اثر ثورة المعلوماتية والفضائيات والحريات وحقوق الإنسان .. تجدهم يتنازعون كالذئاب المتوحشة بلا أية مبررات .. أنهم قادرون على أن ينتهكوا الرأي الزاخر ببساطة متناهية باساليبهم الفضة واتهاماتهم لخصومهم او حتى نظرائهم بشتى التهم الرخيصة .. قال احد أصدقائي : إنهم تربوا على أن مجتمعهم مجتمع ذئاب ، فهم يعلمونهم منذ صغرهم : ( اذا لم تكن ذئبا شديد الأذى .. أجردا ، بالت عليك الثعالب ) . وعليه ، فهو لابد ان يكون ذئبا وشديد الأذى حتى يتسّيد ويتسلط ويمارس الاذية .. حتى يمتهن الآخرين ويصادر حقوقهم في الرأي والفكر والسياسة .. وكم افكر واتأمل طويلا : لماذا لا أجد تعبير ” الاذية ” واسعا ومنتشرا الا في العراق ، بل وعّبر عنه كثيرا حتى في الاغاني العراقية الحزينة ؟ ماذا يعكس ذلك ؟ كم مورست هذه ” الاذية ” بحق شرائح مجتمع كامل ؟ وكم مرّت من خلالها شحنات من الالم ، وذرفت بواسطتها الدموع مدرارا ؟

خلل تربوي

لقد مورست بعض التبدلات المستجدة على ايدي آباء ومربين عراقيين أفذاذا منذ تكوين المجتمع العراقي الحديث ، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، كونهم لم يعالجوا العلل والآفات والأمراض التي عرفوها حق المعرفة سواء على مستوى بعض المسؤولين القدماء أو المختصين المعروفين وكانوا ان انحسروا بعد غلبة التمردات الجديدة على المجتمع .. لقد قاد الفشل السياسي والإخفاقات الحكومية إلى خلل في التربية والتعليم .. كلها عوامل أخرجت العديد من العراقيين ، وحتى المثقفين من الانتماء لعصرهم ، وأدخلتهم في عالم متوحش يقل حياؤه يوما بعد آخر .. مما ساعد الفئات الجديدة أن توغل في استثمارات الفوضى ، ونشر ما يمكن نشره بلا أي قانون ولا أي تشريعات ، ولا أي أعراف حيث يمكن للمكاسب أن تكون مؤكدة وكبيرة لكل من لا علاقة له بالتخصص ولا بالمهنة ولا بحرفية الكلمة ولا بأخلاقيات التعامل .. ومضت السنين ليجد الضابط الجاهل نفسه وزيرا ، والعامل العادي نفسه مسؤولا كبيرا في الدولة .. ونائب العريف نفسه عضوا في مجلس قيادة الثورة .. الخ تلك الاستهانة بكفاءة الإنسان والتي جاءت حقا مع زحف الزعيم للجهلة والاغبياء والمطرودين ليدخلوا الكليات والجامعات ، ثم جاء العام 1963 بشكل مفضوح ، فمنح العقيد رتبة مشير ، وفجأة يجد المراهقون انفسهم حكاما للعراق ! وتوالت النكبات والفضائح جهارا نهارا ، فهل يعقل مع منح شهادات عليا لرعيل كامل من الراقصين .. كلها حالات متلازمة ، تربى عليها جيل كامل من العراقيين !

عبث دولة

لقد عبثت الدولة العراقية بمقدرات المجتمع ، ونالت من اذكيائه ومن نبلائه ، ومن المتحضرين ومن المبدعين ومن المسالمين ومن المثقفين الحقيقيين .. نالت منهم ووصمتهم بأسوأ ما يمكن ، وعاثت فسادا بالعوائل والناس المعروفين ، وجردتهم من ألقابهم .. وكانت دوائر السلطات والحكومات مرتاحة لما يجري على الأرض ، كونها ضربت ضربتها بإسكات الأصوات المؤثرة في عالم متوحش ، فهي لا تقيم وزنا لكل هذا الذي يصدر من مناضلين حقيقيين ومن معارضين صامتين ، فماتت الضمائر وسكت بعضها .. وتحول المنتفعون والتافهون إلى أتباع وبيادق ! لماذا ؟ لأنهم كانوا وما زالوا ينتصرون دوما للتهتك واستغلال الفرص المبيتة ضد من له فلسفة حقيقية ومعلومات قاطعة .. وأنها أصبحت موروثا عائقا بين دوائر السلطة ومستلزمات المجتمع التي لا يدركها الا المثقفون الحقيقيون !

ماذا نستنتج ؟

إنني أؤكد بهذا الصدد أن العادات والأخلاقيات الأدبية والصحفية والثقافية عامة في حياتنا العراقية قد عرفت في الآونة الأخيرة بانتكاسات مريرة ، بدل أن تحيا بتبدلات كبيرة وان السائد اليوم في هذه الأوساط هو الدخول في تحالفات و دوائر نفوذ وتسوية حسابات واقتسام المكاسب والمكافآت.. وبالإضافة إلى هذا كله أصبحت الثقافة السائدة هي إعلامية مشوهة بالدرجة الأولى حيث أن الأكثر أهمية والأكثر نفوذاً هم أولئك الذين يظهرون أكثر ويمضون اوقاتا أطول أمام الكاميرات التلفزيونية.. كونهم يمثلون خنادق هنا أو روابي هناك هذا مع العلم بأنهم ليسوا الأكثر أهمية أو الأكثر تعبيراً عن الثقافة العراقية الأصلية في مشارب اهتمامهم.. هذا وكان الكاتب الفرنسي هنري دومنترلان قد أشار إلى مثل هذا الواقع بالقول منذ عقد الستينيات الماضي بأن ” الذين يحتلون الصفحات الأولى ليسوا هم بالضرورة الأكثر أهمية “.

نشر مختصر المقال في الصباح 18 يونيو / حزيران 2009 ، ويعاد نشره كاملا على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com