الرئيسية » مقالات » كنت استاذاً و صديقاً .. فليرحمك الله يا سلام الحيدري

كنت استاذاً و صديقاً .. فليرحمك الله يا سلام الحيدري

بلا شك فبرحيل الاستاذ سلام الحيدري رئيس تحرير صحيفة المواطن ، فقدت الاسرة الصحفية العراقية احد ابرز الاسماء و الاساتذة المبدعين .. كان قلماً هادراً و شاعراً مرهفاً .. والاهم من هذا و ذاك .. كان المرحوم انساناً بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معاني .. لقد فقدنا استاذاً و صديقاً عزيزاً ، قل ان تجد مثله …

كنت لا ازال طالباً في المرحلة الاخيرة من كلية العلم السياسية ، عندما تعرفت على الاستاذ سلام الحيدري .. حيث جمعتنا الصدفة في احد اروقة الكلية .. فعرف نفسه بأنه رئيس تحرير صحيفة المواطن وجاء ليشاهد الجامعة و يبحث عن الاقلام الشابة .. فكانت فكرة لم نعهدها كطلبة ان نجد من يبحث عن الاقلام في عالم اصبح صناع الخبر و صناع القرار لا يبحثون الا عن الاصوات .

جرى حوار عام في وقتها ، وكنا مجموعة من الطلبة .. و ساقنا الحديث الى ملف حقوق المرأة .. وقال لي هل ستنجح المرأة العراقية في خطف حقوقها .. فأجبته انها ستنجح متى ما طرحت مشكلاتها الخاصة و ابتعدت عن طرح مشاكل غيرها ، فأستعجب الجواب و قال لي ماذا تقصد .. فاجبته (ان الناشطات النسويات العراقيات لم يتحررن من الافكار التي تطرحها نساء اخريات من جنسيات اخرى لعلهن اشهر من نساءنا اعلامياً .. ولكن هن يتحدثن عن تجاربهن ، ونساء العراق يسوقن نفس الكلام الذي لا ينسجم مع معاناتهن الحالية .. فتسمع احياناً من تطالب بالتعليم للنساء او الحرية السياسية .. وهذه الحقوق ان كانت مفقودة في دول مجاورة فهي مكفولة في مجتمعنا منذ عقود .. اعتقد ان للمرأة العراقية مشكلات تنفرد بها عن مجتمعات الدول الاقليمية القريبة و على المطالبات بالحقوق التركيز على هذه المشكلات فقط ). ، كان الحيدري يستمع بهدوء و لما اكملت قال لما لا تكتب هذه الاراء الجميلة و تنشرها في صحيفتنا كمقال .. فضحكت و شكرت له عرضه وقلت له سنتواصل .. فتبادلنا ارقام الهواتف و رحل .

و تواصلنا منذ ذلك الحين مراراً ، و طلب مني ان التحق للعمل في صحيفته ، الا انني اعتذرت منه مراراً لانشغالي بدراستي .. وفي العام 2006 اخبرني انه بحاجة لعمل ملف اسبوعي حول الاعمار في العراق و بحاجة لكاتب ملم بالواقع السياسي و الاقتصادي للبلاد و لحركة الاعمار فيه و معرقلاتها و انه يجد هذا الكاتب في شخصي ، و بالتالي يجب ان تعمل في الصحيفة .. ويومها قبلت العرض و عملت كمحرر سياسي في صحيفة المواطن وهنالك تحولت العلاقة الرسمية بيننا الى صداقة متينة ، و عملت في ملف اعمار العراق ثم سرعان ما اصبحت كاتب العمود السياسي في الصحيفة (في الحدث) وكان هذا العمود هو اول عمود اكتب فيه بصورة دورية في الصحافة العراقية .

اما علاقتي بالفقيد فعلى الرغم من فرق السن الذي بيني و بينه ، الا ان علاقتنا لم تكن يوماً علاقة عمل رئيس تحرير مع محرر او رئيس تحرير مع كاتب ، وانما كنا دوما اصدقاء .. وكان رحمه الله صديقاً صدوقاً يتحدث بحرية عن ما يفرحه و ما يحزنه عن واقع العراق و عن واقعه الشخصي .. وكان الجلوس معه لا يخلوا من النكات و الضحكات الجميلة و الحديث عن المواقف اليومية ، و كانت الابتسامة لا تفارقه و البساطة عنوانه الدائم .. ولم يكن ممن يتضايق من اراء الاخريين ، فأنا وكعادتي كنت جرىء و غير مجامل عندما ارى انخفاضاً في مبيعات الصحيفة مثلاً ، و على الرغم من ان الموضوع لا يعنيني مباشرتاً الا انني كنت ابدي الملاحضات و كان الفقيد يستمع و بأهتمام و ليس مني فحسب بل من الكثير ، وكان يعمل بكل الملاحضات و دؤوب على التطوير حتى نجح في تطوير عدد الصفحات من 12 الى 16 صفحة و طور من مبيعات الصحيفة و اماكن توزيعها .

اتذكر انني في احد الايام شكيت تعطل جهاز الحاسوب الذي كنت اعمل عليه ، فبادر بسرعة ليقول اعمل على جهاز الحاسوب الخاص بي .. فقلت له ان عملي يطول فأجاب ببساطته المعهودة وما المانع فأنت تستخدمه اكثر مني و لاغراض العمل ، تصوروا اذن ما بساطة هذا الرجل وهو رئيس للتحرير و يتعامل مع محرريه و كأنهم اصدقاءه .. اما عندما كنا نخرج سوية فكان صديقاً متواضعاً لا تشعر بالممل و انت معه ، الذكريات و المواقف الجميلة التي جمعتني بهذا الرجل كثيرة و فقدانه اليوم يحزنني كثيراً كما احزن كل اصدقاءه و كادر صحيفته الذين تعامل معهم كالاخ و الصديق .

بل انني حتى و بعد ان غادرت الصحيفة متفرغاً لعملي .. لم تنقطع صداقتي بهذا الرجل (الذي قل نظيره) وكنا على تواصل ، و لم اتخيل اطلاقاً ان الرسالة التي استلمتها على هاتفي صباح يوم وفاته من احد الاصدقاء الذين يعملون بالصحيفة كانت ستخبرني برحيل الاستاذ (سلام الحيدري) نعم ايها الاستاذ و الصديق لقد رحلت قبل الاوان و لكن ارادة الله لا ترد .. ولكم يحزنني اننا لن نلعب البليارد مرة اخرى لتبر بوعدك و تهزمني .. فبعدما اودعت الكرة الثامنة في جيب طاولة البليارد الخضراء معلناً فوزي (في اخر مرة التقينا بها) ، ابتسمت ابتسامة الفائز وقلت له هل ستلعب معي مرة اخرى ، فضحك وقال نعم وسأهزمك في المرة القادمة فضحكنا وغادرنا المكان وانا اقول له لن تستطيع هزيمتي في البليارد وهو يقول بل سأفعل .. ولكن القدر كان اسرع من ان يتركه يبر بوعده فقد رحل الاستاذ و الصديق سلام الحيدري ..

اكتب هذا الكلام فيك يا استاذي و صديقي ، لانك من الاشخاص الذين يستحق ان يذكروا و يترحم عليهم .. كنت انساناً محترماً بسيطاً مهذباً صديقاً صدوقاً ، تحترم اصدقائك و تتفقدهم و تتعامل معهم بأخوية و لا تفارقك الابتسامة و الكلمة الطيبة .

فليرحمك الله ، و ليلهمنا و يلهم ذويك و اصدقائك الصبر على فقدانك ، و مئات الحسرات على من فقدنا في هذه السنوات القلائل ، فليرحمهم الله جميعاً ، ولعل البعض سيستغربون عزائي فيك و بالعديد من الاعزاء الراحلين بغفلة عن زماننا ، عندما اتعمد ان اترك هواتفهم مخزونة في هاتفي الجوال وانا اشعر بالعجز عن محو اسماء الراحلين الغالية ، هكذا هو حال الدنيا ولكني لا اطيق ان امحو اسماء وارقام اصدقائي الاعزاء الذين خطفهم الموت عني ، لعله عزائي بهم ان ابقيهم كما هم بهاتفي وكأنهم لازالوا احياء نعم يا ابا علي فأسمك وارقام هاتفك لازالت في جهاز هاتفي لم امحوها ولعلي لن اقوى على ذلك ، لاترحم عليك كلما مر اسمك امام عيني وانا اقلب في ارقام هاتفي .. ليرحمك الله يا استاذي و صديقي .