الرئيسية » مقالات » حوار مع سامي الذيب: ترتيب آيات القرآن الكريم بحسب التسلسل التاريخي

حوار مع سامي الذيب: ترتيب آيات القرآن الكريم بحسب التسلسل التاريخي

توطئة للمترجم
لأول مرة منذ التدوين الأول للقرآن الكريم، تصدر نسخة جديدة متميزة من قبل أحد أشهر الباحثين في القانون الاسلامي في سويسرا. لم يكتفي الدكتور سامي الذيب ابو ساحلية* بترجمة القرآن ببراعة إلى اللغة الفرنسية، إنّما قام أيضا بإعادة ترتيب سوره حسب تاريخ نزولها أو بحسب التسلسل التاريخي المتزامن مع فترة حياة الرسول. كما تحتوي هذه الطبعة الجديدة على ذكر صلة كل آية أو مرجعيتها من الانجيل أو التوراة والكتب اليهودية والمسيحية الأخرى، مع إشارة للقراءات المختلفة والناسخ والمنسوخ. بذلك تشكل هذه الطبعة، المنشورة في عام 2008، إنجاز قيّم ومفيد وخاصة للباحثين في هذا المجال بحيث يمكن من الآن وصاعداً التمييز بين حقبتين مهمتين من تاريخ حياة الرسول : الأولى في مكة والتي تتضمن بمعظمها آيات أخلاقية وعامة أما الثانية في المدينة التي تزامنت مع إقامة الدولة الاسلامية والتي خلالها صدرت معظم الآيات التشريعية. وها هو الدكتور سامي الذيب يتحدث إلى صحيفة النوفيليست السويسرية عن كتابه الجديد والغاية والفائدة منه.



سامي الذيب، في البداية سؤال عام (استباقي)، مامدى معرفة الاسلام بين أوساط النخب في سويسرا؟

ليس هناك أي دروس في القانون العربي والاسلامي في الجامعات السويسرية. لقد درّست ذلك في جامعتي باليرم وإكس مارسيليا، ولكن عندما اقترحت إلقاء هكذا محاضرات في كلّيات القانون واللاهوت والعلوم السياسية في سويسرا، لم أجد أحداً مهتما بذلك. وهذا أمر مثير للقلق لأن ذلك يعني أن الجامعيين والسياسيين وحتى رجال الكنيسة في بلدنا لا يعرفوا بشكل كافي ما يتحدثون عنه كما أنهم غير مستعدين لإدماج المسلمين الذين يزدادون بشكل دائم. كما أن الشريعة الإسلامية تطرح مشاكل ملموسة للمجتمع الغربي مثل قانون الأحوال الشخصية، المقابر، الحرية الدينية، طقوس الذبح، إلخ. يجب معرفة مصادر الشريعة الإسلامية لكي نتعامل مع مطالب المسلمين من الناحية القانونية. ومع ذلك لا يوجد حتى رجل قانون واحد، متخرج من كليات الحقوق السوسيرية، دارساً لهذه الأمور.

على الرغم من أننا نتكلم عن تهيئة أئمة الجوامع في سويسرا لتفادي التطرف الإسلامي…

في الوقت الراهن، وكما شرحت لكم، ليس لدينا الكفاءات الجامعية الضرورية للقيام بذلك. إذا قمنا بإعداد الأئمة في سويسرا، فإن التدريس الذي يلقن من قبل أئمة آخرين يمكن أن يكون من الصعب التحكم به.

لننتقل إلى كتابك، لماذا قرآن بحسب التسلسل التاريخي ؟

إنّ السور القرآنية غير مرتبة حسب التسلسل الزمني لتاريخ نزولها، وهذا ما يصّعب قراءتها. خلاصة القول، وبحسب الرواية، لقد قام الخليفة عثمان بترتيب سور وآيات القرآن بعد خمسة عشر أو عشرين سنة من وفاة محمد. حيث تمّ وضع السور الأكثر طولاً في بداية الكتاب رغم أن نزولها قد كان في وقت لاحق (بين 622 و632 بحسب التقويم الميلادي)، وذلك خلال الحقبة المدنية، في الوقت الذي أصبح فيه محمد رئيس دولة. وهذا ما يفسّر وجود قواعد تشريعية في هذه السور. في الحقيقة، إن تلك السور كانت أشدّ قسوة لأنها تنظم تشريعات الحرب، المجتمع، الخ.

في المقابل، فإنّ السور المرتبة في آخر القرآن تتعلق بالحقبة الزمنية الأولى لمحمد كرسول في مكة، بين 610 و 622. هذه السور أكثر شعريّة وأخلاقية. باختصار، ووفقاً للتسلسل التاريخي، فإننا نقرأ القرآن حاليا بالعكس وهذا ما يجعله صعبا للفهم بالنسبة للشخص العادي. لقد قمت بإعادة ترتيب ذلك بشكل صحيح استناداً لتعليمات جامعة الأزهر في القاهرة التي تعتبر ذات نفوذ مهم في الاسلام السنّي.

ما هي الفائدة من هذا التسلسل التاريخي؟

يبين لنا التسلسل التاريخي كيف تطور الوحي وكيف أخذ بالتدرج من المرحلة النبوية والشعريّة إلى المرحلة الأكثر تشريعاً. وبالمناسبة، يوجد تيّار ديني في الاسلام، غير مقبول في جامعات العالم الإسلامي، ولكن يحاول إسماع صوته عن طريق الأنترنت، هذا التيار يطالب بالأخذ بالجزء الأول من القرآن الكريم الذي يعتبر أقل عنفاً وأكثر نبويةً. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إعادة وضع التشريعات الإسلامية في سياقها التاريخي الثقافي وإعادة تفسير القرآن الكريم بطريقة تؤدي إلى تطبيق مبادئه الأخلاقية والعالمية دون غيرها. معظم المثقفين الليبراليين المسلمين ينضمون إلى هذا التيار ( المسمى بالقرآني) الذي يهدف إلى العودة إلى إسلام صافي. في هذا الوقت، لايستطيع أنصار هذا التيار التعبير بشكل فعلي وعلني عن آرائهم في غير آوربا.

ولكن هناك أيضا إلى جانب القرآن الكريم ، الأحاديث النبوية، هذه الأفعال والتصرفات المنسوبة لمحمد قد وردت في موسوعات لا حصر لها وهي السنة ….

نعم، كما أن تلك الأحاديث تؤثر بشكل كبير بالشريعة الإسلامية وتعتبر مصدره الثاني. فمثلا رجم النساء الزانيات وقتل المرتدين نجده في الأحاديث وليس في القرآن.. هناك تيار ديني آخر في الإسلام، هو أيضا مرفوض في الاسلام الرسمي، يقترح تصفية الشريعة الاسلامية من كل ما هو غير موجود في القرآن الكريم وترك السنة جانبا.

لقد قدّمت أيضا في كتابك الجديد ترجمة فرنسية جديدة للقرآن. لماذا لم تستخدم الترجمات الموجودة؟

لا يوجد أي ترجمة فرنسية متناسقة. ومن المهم أيضاً أن نقول أنّ الكثير من الآيات القرآنية، التي تحوي نصوص مختزلة حتى لا نقول مبتورة، مستعصية على الترجمة في بعض الأحيان. لذلك أشرت في ترجمتي إلى حوالي عشرين ترجمة ووضعت في الحواشي التباين بين هذه الترجمات.

كما أشرت أيضا إلى اختلاف القراءات القرآنية، وهذا ما هو معترف به من قبل السلطات الاسلامية نفسها. أكثر من نصف الآيات القرآنية قد تعرضت للتباين. بعض الكلمات قد تعرضت لأكثر من عشرة تباينات مع تعديل شامل للمعنى، ولذلك فإن القرآن غير ثابت!.

كما أشرت أيضا في كتابي إلى جميع الآيات التي تعتبر منسوخة من قبل فقهاء الشريعة. والقرآن نفسه يشير بأن هناك آيات منسوخة ولكن دون أن يحددها.

من حيث المبدأ، إنّ الآيات اللاحقة تنسخ السابقة في حال وجود تناقض بينهما. ولكن هناك جدل في الإسلام حول هذه المسألة بين الليبراليين والمحافظين. انهم الأصوليون على وجه الخصوص اللذين يستعملون مبدأ النسخ معطين الأولية إلى الآيات السياسية القاسية التي وجدت في المرحلة النبوية الأحدث ( في المدينة).

في الواقع، ألم تكن تنوي فقط من تحريرك لهذا القرآن، مترجم و مفسر، أن تسهل قراءته…

نعم، الهدف أيضا هو تزويد الباحثين والطلاب المسلمين بأداة متعددة الوظائف، عملية و محترمة لتقاليدهم لكي تساعدهم على قراءة صحيحة للقرآن وتطوير قدراتهم النقديّة. وهو ما لم يكن متوفراً في السابق. الآن على المسلمين تكوين ردة فعلهم على هذه الأساسيات الموضوعية.

ينشر بالتعاون مع فريق الترجمة في شبكة العلمانيين العرب
www.3almani.org

١٧ حزيران (يونيو) ٢٠٠٩بقلم