الرئيسية » الآداب » متاهات الغربه والوجد والأنتظار

متاهات الغربه والوجد والأنتظار

الغربة مدية صدئة
تصول وتجول في عروقي كل لحظه
في الغربة خطاي متعثرة ومرهقة
وفي أعماق ذاتي
تتأجج حرائقها
ويزمجر سعيرها
ويتجذر صداها في دروبي الموحشه
في البلاد الغريبة التي أدمنت فيها حزني
انتظرت نجمة تلوح لي من بعيد
لتضيئ لي الطريق
ولكي أخبرها بوحدتي القاتله
ولهفتي المتأججة
وأمنحها عناوين قصائدي
لكنها لم تظهر أبدا .
لم يبق لي شيئ هنا
سوى صرخات الروح الثكلى
لايمكنني أن أقضي ماتبقى من العمر
في دهاليز المنفى المعتمه
لاأريد أن يحتضن أضلعي
غير ترابك ياوطني
فالغربة موت بطيئ
يختاره الأنسان
في لحظة اختيار جهنمية
في زحام المدن الغريبة
تضيع كل ملامح الأنسان
لتصبح ريشة في مهب الريح
تبحث عن شمعة تضيئ لها الطريق
فترى كل الشموع قد تحولت ألى صخور صماء
الأشجار هنا
لاتشبه أشجار بلادي
أنها كالأشباح العاريه
وفروعها كالأخطبوط الذي يحاول افتراسي
وهي تعلو كأعناق الزرافات الهرمه
تتأجج حرائق روحي كلما طال مكوثي في الغربه
آه ياأيتها المدن المكتظة بعبق القلوب النقيه
آه ياأيتها الضفاف الحنونة التي زحف أليها الجفاف
والتي أشبعها السفاحون حزنا
آه ياشمسنا المسبية
آه ياشلالات الدماء الطاهرة القانيه
التي نزفت من دماء شهداءك ياوطني
على أيدي برابرة ولقطاء الأرض
الساعين ألى سيادة قانون الغاب
فمتى تقهر ياوطني
قوى الظلام والجريمه
عشاق الدم
وتدفنهم في جحورهم ألى الأبد ؟؟؟؟
ليزدهر ترابك المقدس
وتتفتح فيه الأزاهير من جديد
آه آه آه ياوطني
يداهمني وجع كل المتعبين في دروبك
وترصدني أوجاعهم
وهي تموج في عروقي
مثل صخب الأمواج العاتية
من دماء الضحايا الأبرياء
و دموع الأمهات
وحزن الأطفال
وعويل الصبايا
واستغاثات الفقراء
أرسم ملامح وجعي
أنها تتحول في أعماقي
فصولا دامية
وتتكوم جراحا نازفة ياوطني
وأنا أقف أمام شبابيكي الصامتة
وحين يحط المساء رحاله على صدري
يتحول كحوافر الخيول الجامحة
لتسحق أضلاعي المشتعلة بنار الوجد
في ليل منفاي
وفي طرقي الموحشه
لن أرى غير انهمار الثلج
وارتعاشات في الضلوع
تهز أوتار الحنين
في جسدي المتعب
آه يازهور الكاردينيا الحمراء
والرازقي الناصعة البضاء كصباحات بلادي
والقرنفل الملونة العبقة الفواحة
التي كنت أشمها كل صباح
لماذا قتلكن العطش المر في ربيع بلادي ؟
رغم كل الجراح ياوطني
سأظل أحدق في الأفق البعيد …البعيد
علني أرى تلك النجمة الشاردة
لأبث أليها مايختلج في أعماقي
وأبادلها أسراري التي لم أبح بها
آه آه آه ياوطني
سأظل أهفو كفراشة ألى ارتعاشات ضوءك
ستظل روحي ظامئة ألى شواطئك القدسيه
أنا لاأملك في متاهات غربتي
غير الذكريات والكلمات النازفة
أنها مروج وحدتي
وأناشيد انتمائي
المجدولة بالشوق والحنين والأنتظار
آه آه آه ياوطني
أنا كلما أخطو خطوة في متاهات الغربه
أراك شاخصا أمامي
كشمس ساطعة لاتغرب أبدا
تتوهج في كل ذرة من خلايا جسدي المتعب
لتمنحني موجات الدفء
ودفقات الأمل
وسر الحياة
أمام كل نخلة من نخيلك ياوطني
تجلت أعرق حضارات الأرض
وفوق كل سنبلة من حقولك الحزينة
قرأت أكثر من تميمه
وعند كل منعطف من دروبك
انهمرت ابتهالات العشق
وفي أعتاب كل مسجد
أرتفع أسم الله ليحرسك من عوادي الزمن
وفي عتبة كل باب انهمر المطر
وتوهجت قناديل الأمل المرتقب
أي سر يكمن في ترابك ياوطني
وأية جذوة نورانية تحكي سر انبعاثك؟
وكم من الأزمان العصيبة مرت بك ؟
ولم تستطع أبدا أطفاء شعلتك الذاكية
وعندما أعانقك ياوطني
وأتفيأ بسعيفات نخيلك الشامخ أبد الدهر
وأتجول في شوارعك القدسية التي تضج بالحياة
حينذاك فقط ستهدأ حرائق دمي
وتتلاشى متاهات الغربة
من خلايا جسدي المتعب

جعفر المهاجر – السويد
19/6/2009