الرئيسية » مقالات » كفاءات خارج الوطن* – خلدون جاويد

كفاءات خارج الوطن* – خلدون جاويد

اجرى اللقاء : صفاء فاخـــر 

قد يكون هو العارف بوعي حاد ماتفعله الهرمونات التي يفرزها الدماغ من محو للتوترات في حالة الضحك، وقد تكون روحه الشاعرة المرحة، انه يقهقه بكل الطفولة حينما تحدثه بنكتة جديدة، وهو السجل الحافل بجديد النكات، حتى صار الضحك وسيلته الفعاله في مبارزة الحزن، ولكن هيهات فالحزن هو الغالب في كل مبارزة، الحزن الذي لا يطفئه للحظه الا الشعر ليعلن موقفا ما في ضجيج هذا العالم.


في شقتة الاكثر من متواضعة في احدى ضواحي الدنمارك، التقينا الزاهد حتى بمنضدة بسيطة يعيد عليها كتابة مسودات قصائده الغزيرة، المضياف جدا بما يستطيع، المتمكن بالمسائل المستعصية باللغة العربية، والمجيد للغة الانكليزية، التقينا المبدع خلدون جاويد واجرينا معه اللقاء التالي:
لكم تاريخ شعري غزير وطويل، ومن الملاحظ ان اكثر قصائدكم مبنية بشكل فني عال , ولكن بعضها في غاية المباشرة، ، فما هي رؤيتكم لذالك ؟ وهل لكم ان توجزوا للقارىء تجربتكم الشعرية؟
في عام 1962 كانت الخربشات الاولى التي استهلت بها طفولتي انتكاساتها النفسية وانا ابن عائلة عنيفة في تعاملها او مذهلة في تناقضاتها مما ترك هذا العنف والتناقض آثارا قاسية لم اجد لي مجالا للتعبير عنه الا بالكتابة ولو لنفسي على الاقل .
تعرفت في شبابي الاول على الشاعر اليافع رياض البكري مما ترك اثره الكبير الذي لازمني مدى الحياة ، فهو الذي اصغى لي ونقح وارشد وعلم ! وهو الذي شرح لي ميزان الذهب للاديب صفاء خلوصي ، وأطلعني على خيرة القصائد العربية وطور في ّ الرغبة لحفظ النصوص القديمة والحديثة .
انتهيت من دراسة الادب الانجليزي في عام 1973 من كلية الاداب قسم اللغات الملغاة ولا بد ان تكون 4 سنوات مهمة من حياة التلمذة ذات تأثير اضافي .
في التثقيف الذاتي ، كان الأدب العربي والانجليزي اضافة الى عشقي للأدب الروسي الذي كان شائعا في العراق والعالم ، هو الثالوث المحفز على عناق الانسانية بالشعر .. واذا كان شعري وهو حصيلة للمكونات اعلاه قد اتسم ببعض مما تفضلتم بالاشارة اليه باعتباره على جانب من الابداع الفني، فهذا مالايدفع بي الى ايهامي بسوى اني ذرة صغيرة على شاطئ الشعر كما قال نيوتن : على شاطئ العلم .. اما ان اكون مباشرا احيانا فاني افخر بمباشرتي التي لاتتخلى عن كونها قلبا حنونا وذات جذب شعبي المس انعكاساته في اطراءات واستحسان مئآت الناس من الذين اراهم في الوطن او عبر مراسلات عربية وعالمية .. المباشرة مبهرة اذا تعاملت معها بشوق وصدق لحظة ابداع.

انتم تنظمون الشعر الشعبي ايضا فهل تجدون فيه مساحة اكبر في التعبير، وان وصوله للقارىء او السامع اقوى من الشعر المنظوم باللغة العربية الفصحى؟

لم اكتب الشعر الشعبي على الطريقة المعروفة انما استهويت دور الاغنية في حياة الناس، اعجبت بأغاني جعفر حسن منذ السبعينات ، اعجاب الناس الهائل بالاغنية السياسية ، اتمنى على الشعراء ان يسهموا في جعل الاغنية مدرسة جمالية واخلاقية للناس ومرجعا في الوعي واللآوعي ، وان يكتبوا للفنانين العراقيين ، وللجيل الجديد من الاصوات .. لحن لي الاستاذ الفنان المبدع طالب غالي اغنية قلبي عراق احلى فجر ..
يأتي الدفق عندي بدون طلب ولا وفق مشروع انما هو استهواء .. تقول ان الشعر الشعبي اقوى ، ربما ، على الصعيد الشعبي ، لكن قصيدة عمودية قوية احيانا في حفل جماهيري تُصعد بالناس الى ذرى النيافة والابهار والابهة ، وتكتسح ربما أي جنس كتابي آخر. تعتمد على كيف ومتى واين .

ان المتابع لكم يستطيع ان يرصد بسهولة انكم لازلتم من المتغنين بالشيوعية فهل تعدون نفسكم شاعرا مؤدلجا؟
انا لا اعمل ايديولوجيا .. استند بشيوعيتي في مجال الشعر من كوني شائعا في المحبة لا وفق مسارات فكرية، وتنظيمية، واطر، وتحجر ذهني طوائفي.. المحبة الانسانية عندي كمحبة ابي العلاء المعري للانسان والنبات والحيوان والحجر .. انظر هنا التوصيف الرائع للجواهري في قصيدة قف في المعرة وامسح خدها التربا. وانظر فابتزاروف الشاعر البلغاري ” لن نضحك حتى نضحك معا .. لن نغني حتى تجف دموع العالم ” ! وناظم حكمت : ” كلنا من اجل واحدنا وواحدنا من اجل كلنا ” انظر الكلمة الرائعة : ” الناس سواسية كأسنان المشط ” شيوعيتي هنا لا حزبية انما قاموسيا وانطلاقا من شاع ـ يشيع فاني مع تضوع العطر للجميع وشعاع الشمس وان يكون الملبس والطعام للجميع . الكلمة شيوعية فيها التباس لكنها قاموسيا واضحة عشاقها كثيرون ولذا يخاف منها من يمتلك ملكية ما او يتاجر من اجل ربحية مستقاة من جيوب الناس ومن اجل بناء للخاصة دون العامة . انا باختصار عاشق وعشقي هم الناس لا المال والجاه بغيتي ولو كنت املكهما لارسلتهما فورا الى من يحتاج اي اني اشيع ماليتي .. تقرأ الكثير من قصائدي اتناول فيها بالنقد والتقريض والتعنيف من يتأنقون ويكتنزون ويبذرون . احب علي ابن ابي طالب وابا ذر وكارل ماركس وجيفارا وغاندي والام تيريزا وهادي العلوي والعشرات من اضراب هؤلاء الافذاذ ولذا فانا شيوعي المحبة واكتب من صميم محبتي للجميع . لا اكتب وفق وصفة ايديولوجية العياذ بالله !

لكم بحوث ربما لايعرفها القراء كثيرا, وقد انتهيتم للتو من بحث نلتم علية شهادة الماجستير من الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية في لندن، فهل لكم ان تحدثوننا عن المجالات التي بحثتم بها، وتسلطون لنا الاضواء عن الجامعات العربية المنتشرة الان في اوربا وامريكا ومستواها العلمي؟

كنت مصابا بالكآبة المرضية الحادة ونوبات بكاء !!! ولذا قررت ان احطم كآبتي بالقراءة الميدانية فجلست ابكي وأقرأ، او بالعكس ! حتى حصلت على الماجستير في عامين، واشتملت على الرؤية الفلسفية في القصيدة العربية المعاصرة. كنت اشبه بروبيرتو نيرو في فيلم يقود هو فيه عصابة مافيا وبذات الوقت ينهار من نوبات جاهشة!.
جردت جردا فلسفيا ميدانيا ، ودينيا ايضا ، لأهم الشذرات والمفاهيم الفلسفية الورادة في الشعر وعلى مدار القرن العشرين وضمنتها في الاشكالية المعنونة أعلاه. ولم أكن اعنى كثيرا بكون الجامعة معترفا بها في بغداد ام لا !!! كنت مريضا حد الغثيان ! والآن لا احب ان اخوض في موضوع أي جامعة لانها لاتعنيني سواء ان كان معترف بها ام لا .. قال لي احد الفنانين العراقيين الكبار في لندن عندما شاهدني قادما لغرض الدراسة .. ماذا تعمل بالماجستير ؟ ! يا أخي انت شاعر !! .
البحث يعجبني .. امة بدون بحوث امة جاهلة للبيئة للمحيط للحضارة لاتعرف مكانتها بين الشعوب ولاتشخص امراضها لتداويها .. يسعدني ويستهويني ان اعمل في مجال البحوث لكن الشعر ـ ثابُرْني ـ يجرفني ويكتسح حياتي كل يوم .

حضوركم كبير ومستمر في المواقع العربية الالكتونية ,وقد لا ابالغ اذا ما اصفه باليومي ، فكيف تقيـّمون هذه المواقع كوسيلة اتصال من جهة، وهل انها فعلا مكان لفرز المواهب الحقيقية من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة كيف يتم تأمين الحماية لمنجزالمبدعين من السرقة برأيكم ؟
المواقع الالكترونية ثورة. العلم يقطع اشواطا في ترقية الاتصال ولو جرت الاستفادة منه لعالم الخير لا الشر ـ والخير والشر هنا مفهومان فلسفيان نسبيان ـ لارتقى الانسان الى الذرى ورقيا لايمكن تخيلها. نحن ندين بالشكر والامتنان للعلم وابداعاته العبقرية. اعتبر شهرتي الشخصية في 4 سنوات على الانترنيت تعادل كل عمري الشعري أي 44 او 45 عاما من الكتابة. عمري الآن 61 عاما لا اشعر بالخيبة بل بالرضا لأن الكومبيوتر قد اوصل اسمي الى ابعد نقطة على الأرض. من كل مكان اتلقى الرسائل وفي كل مكان اذهب يحتضنني انسان غريب ليقول لي اني من عشاقك .. انا اتابعك . اشهد اني انسان سعيد لأن اصدقائي بالملايين . ان كلماتهم تحييني .
اما بصدد القرصنة : ابداعات ونتاجات الناس على الانترنيت وهي عرضة للسرقة … قررت ان لا انشر شعري مخافة السراق لكن لا ! لا الف لا ! ان دور الكلمة وعناقها للناس اثناء ظهورها هي خدمة لهم .. المهم الكلمات تستحيل الى طاقة مادية ، دعهم يسرقوننا جميعا ! وهل لم تـُسرق اعمارنا واحلامنا .. ليكن! .. عندي عشرين ديوانا 6 منها مطبوع والبقية تنتظر ! لو سرقت جميعا لا اهتم ، الذي اعنى به وانذر عمري من اجله هو 3 كلمات ياليتها تصل الى الناس وهي ” ياعراقيين احبوا بعضكم “.
اسستم الملتقى الثقافي العراقي في الدنمارك كمنبر ثقافي عراقي في كوبنهاكن فما هي اهدافه؟، وما هي نشاطاته؟
الملتقى الثقافي هو مفهوم تجريدي او يافطة او شعار او فكرة، احدى تجسداتها المقهى الثقافي، هدفه اشاعة روح التعدد. وخلق وشيجة من علاقات انسانية، كل الناس يجمعهم المشترك الثقافي الابداعي، من المحلي الى العالمي، لايهمنا الانتماء يهمنا أني احبك لانك انسان وصديقي في الفكر مهما اختلفت ايمانا ام الحادا. الابداعي الثقافي التنويري المحرض على التطور الجديد المولود في كل لحظة، هو طريق لخطى الحياة واستمرار لجدتها .
الثقافة تأخذنا الى الواسع الى الاطلاع على لامتناه اما اللآثقافي فهو التلقيني الماضوي الذي يصطدم بجزئيته مع كونية العلوم والمعارف. نحن لانؤمن بقبو ومنبر واحد !!!! نحن الشعوب وكتبنا شموعنا والضوء للجميع ، مع تشديد احترامنا لكل كتاب يقود الى السلام بيننا.

لقد كرمتم مؤخرا بدرع الاكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك، كيف تقيمون هذا؟
اي تقييم ومن أي جهة لنا هو محط الاعتزاز .. لكننا لانفضل الأخذ، نريد نحن ان نعطي، ونكتفي بالذهاب الى بيوتنا بيد خاوية.

هل ان مساحة القصيدة ضاقت فطرقتم باب الرواية؟ ام ان الرواية اصبحت اكثر رواجا من القصيدة فطرقتم بابها؟ هل لكم ان تحدثونا عن تجربتكم الروائية؟

لا ادعي هذا الشرف كوني كاتبا روائيا … عندي مخطوطتان ومجموعة قصص قصيرة لا ارى لي املا بهما كونهما يتركان ـ من بعدي ـ قيمة واهمية ترجى لكنهما تسجيل لحالات عنف وقسوة مررت بها في الحياة وتناقضاتها.

استاذ خلدون هناك الكثير من وصفكم بانكم خليفة الجواهري، وانتم شخصيا لكم تجربة طويلة وقد تكون مريرة مع الشاعر الكبير الراحل، وقد الفتم كتابا عن هذه التجربة فكيف تحدثوننا عن ذلك؟

أي عاقل سيتبرأ من الادعاء كونه خليفة للجواهري، ولست مستعدا ان اكون هدفا للأقاويل .. نعم قالوا هكذا وما قالوه لاشأن لي به البتة .انا خلدون جاويد مقتنع حد النخاع بنفسي ، ولا اريد ان اُشـَبـّه بأحد .
عملت مع الجواهري 3 أشهر واذا كان ثمة تأثير لأحد علي ّ ايجابيا فهو تأثير رياض البكري الشاعر الاعجوبة الذي قتلته الفاشية في ازهى سني عمره.
كتبت مذكراتي وهي امتعاضات يومية لما كان يجري لي في مجال العمل اذ كنت مصححا في مجلة النهج ورسالة العراق والثقافة الجديدة وعند الجواهري وبالكاد البي احتياجات عائلتي في سوريا قبل اللجوء الى الدانمارك. كان عملي كابوسا … الكتاب ” لماذا هجوت الجواهري ورثيته ” قد لقي رواجا كبيرا.. لا اريد التحدث الآن عن اقاصيص عام 1988 !! تقبل اعتذاري رجاءا … ” ستائر النسيان .. نزلت بقى لها زمان . “.
انتم تذكرون عن اهتماماتكم الانية في احد المواقع التالي :
((اعمل من اجل تحرر المرأة ، لأن المرأة هي الوجه الآخر للحياة الديموقراطية المنشودة بل الجانب الشديد الحساسية فيه)) كيف تترجمون للقارىء هذا؟
اقف مع المرأة وبعدل ضد كل من يراها قليلة شأن . وكتبت الكثيربحقها انظر الموقع الفرعي لي في الحوار المتمدن .. انه يعج بحبي لها والانتصار لحقها في العلم والحرية .
هل ينصفكم النقاد والقائمون على المؤسسات الثقافية في العراق وانتم قطعا امكانية كبيرة في عالم الثقافة العراقية؟
الإنصاف حصلت عليه اكثر من عناق الناس. اذا قرأت قصيدة لي بعنوان ” نحن اللارسميون ” ستعرف الوجع الداخلي لكوني انا وحيد ولا اقترب من احد ، ورحم الله الجواهري العظيم القائل :
احاول خرقا في الحياة فما اجرا
وآسف أن أمضي ولم ابق ِ لي ذكرا
الى ان يقول وهذا ما اروم الإشارة اليه او مايشبه حالتي :
الم ترني من فرط شك وريبة
ارى الناس حتى صاحبي نظرا شزرا
ليس لدي ما اريده من الناس .. يعجبني ابو يزيد البسطامي القائل وهو في حضرة الاله الذي سأله عن بغيته فأجاب باكيا من شدة الحب والخشوع : اريد ان لا اريد .
انا لم اعان ِ ظروفا تجعلني اقول ماقاله هذا الشاعر الفخم: ” لبست لباس الثعلبيين مكرها ً “. لا اريد المقابل من المودة والمحبة … انا منذور للناس وليس للاحزاب والموظفين والمسؤلين . حفنة من تراب وطني هي هديتي . والذي يعطيني يؤذيني لأني لا اريد ان اُحسب على هدية أحد ! … احذف وامزق أي رسالة يشم منها رائحة بيع وشراء . او سياسة هذا لي وهذا لك .
في الختام ، اتمنى لك النجاح الباهر في عملك الصحفي المرموق الذي يدل على روحية المحبة والصداقة ، وحبك للثقافة . اشد على يدك ، والف شكر .



*” كفاءات خارج الوطن” سلسلة لقاءات تسلط الضوء على طاقات وكفاءات عراقية خارج الوطن، محاولين من خلالها الوقوف عند الرؤى والطموحات العراقية المختلفة من اجل المساهمة ببناء عراق جديد على اساس ديمقراطي حر.