الرئيسية » مقالات » المعاني المفقودة

المعاني المفقودة

سمعت أن الصديق المؤرخ المصري الراحل الدكتور يونان لبيب رزق قد انزعج جدا من احد الصحفيين الشباب عندما خاطبه بحدّة وصلافة كون الرجل قد أحيا عهد فاروق الأول في التاريخ المرئي من جديد على حساب سمعة جمال عبد الناصر في المسلسل الممتاز عن الملك فاروق ، اذ كان الأخ يونان مشرفا تاريخيا عليه ، وكان قد أدى واجبه تجاه عمله بإخلاص متابعا شؤون العمل ومناخه وكل جزئياته وإخراج النص ، وببراعة كبيرة عندما وجد كلمته يحترمها الجميع ، ورأيه هو الأساس في التنفيذ ، إذ يدرك جميع من رافقه في العمل ، أن لا احد باستطاعته التطاول على مسؤول عن تفصيلات تلك المرحلة التاريخية منهم الا أستاذهم المؤرخ الذي لم يقبل على نفسه أن يكون مشرفا تاريخيا Supervisor لمجرد قراءته ” نص ” بعيد كل البعد عن الحقيقة .. ولقد اقترب التاريخ المرئي للملك فاروق وأسرته الحاكمة من بعض الحقائق التي شوّهت تشويها كاملا على مدى نصف قرن من زوال ذلك الحكم !

لماذا .. براءتي من العمل ؟
هذه المقدمة ، تجعلني أقف قليلا أمام تجربة عراقية فنية جريئة لإخراج تاريخ مرئي لواحد من أكثر زعماء العراق إثارة للجدل والاختلاف هو نوري باشا السعيد ، ولكن ، للأسف الشديد ، كانت تجربة اقل ما يقال عنها ، إنها أدنى بكثير مما كنا نتّّوقع .. وعندما وافقت على ان اكون مشرفا تاريخيا على العمل ، لم تكن هناك أية مشكلة عندي ، فلقد كنت قد ساهمت في الإشراف والتدريس الأكاديمي عن التاريخ المرئي .. وأساليبه ومناهجه وضروراته ومتطلباته وتقنياته ، ولكنني صدمت بعد بّث العمل أن اغلب ما كنت أشدد عليه ، وألحّ للتدقيق فيه .. لم يؤخذ مأخذ الجد أبدا .. لقد بدأت الإشراف على العمل من دون أن اعرف حجمه .. من دون اعرف انه سيتوقف في نصف المرحلة الزمنية .. من دون أن اعرف أن التنفيذ سيبدأ والنص لم تكتمل كتابته .. من دون أن اعرف أن ثمة مشاكل فنية على مستوى التمثيل والإخراج قد حاقت بالعمل .. من دون أن اعرف أن خطوطا حمراء قد رافقت العمل وصعب جدا اجتيازها ..
كنت قد نشرت قبل سنين في مثل هذا المكان من مزامناتي الأسبوعية وفي ملحق ألف ياء في الزمان مقالة عن التاريخ المرئي العربي وذلك في العدد 1151 يوم الاثنين 4 مارس / اذار 2002 . ومما قلت فيها : ” لقد كانت بعض التجارب .. الدولية في إنتاج سيمافور تاريخي مرئي ناجحة فنيا .. وقد ائتلفت : قوة المضمون التاريخي مع العناصر الروائية مع حجم الممثلين من المبدعين .. ، ثم انطلقت قوة الإخراج إلى حيث الميدان بتوفر عاملين أساسيين مساعدين : المال العربي والتقنيات الجديدة .. وقد أثبتت التجربة الإبداعية أن .. صناعة السيمافور التاريخي المدهش ، إذا ما توفرت العناصر الأساسية للبناء : المضمون القوي ووفرة المال وسقف الحريات والتقنيات الحديثة والإخراج الفني. واشدد هنا على وظيفة النص المدهش في فنه ، والمجرد من ادلجة عصر مختلف بآلياته وعناصره وتركيبه وتفكيره ، يلازمه إخراج فني رائع مجرد من أية نوازع سياسية أو منطلقات أيديولوجية ، لكنه مكرس لخدمة جملة من المبادئ التاريخية .. سواء كان مكتوبا أم مسموعا أم مرئيا ! ” .

أهمية موضوع .. وعجز مسلسل !
لقد أثار مسلسل نوري باشا السعيد موجة كبيرة من ردود الفعل والكتابات والنقدات والرؤى ، ليس بسبب قوة المسلسل ، بل بسبب أهمية ” الموضوع ” الذي أصبح تاريخا تتجاذبه الأجيال ، والذي لم يحكم صنعته ابدا كل من ساهم بتنفيذ تاريخه المرئي ! واذا كانت ثمة هنات وسقطات واخطاء فنية او تاريخية ، فلا علاقة لكاتب النص مثلا بها ، فهو يحاسب على النص الذي قدمّه ، في حين يشترك الجميع في تحّمل فشل التجربة كلها .. إن أفضل ما قدمه هذا ” المسلسل ” للمجتمع العراقي ، انه اثار الحديث ، ونبش التاريخ عن أهم شخصية إشكالية في تاريخنا العراقي المعاصر . إن الكتاب المنهجي الذي نعتمده دائما ومنذ العام 1990 لمؤلفه ديفيد ليونشتاين وعنوانه :
The Drama of History: Historical Vision, Iconoclasm, and the Literary
في تدريسنا للسيمافور التاريخي ، وضوابط العمل السينمائي والمسرحي او التلفزيوني في التصور والكتابة والخلق والتنفيذ لآي موضوع تاريخي ، يستلزم من الجميع ان يكونوا حياديين ، وان يكون ” النص ” معّبرا عن أحداث ووقائع وخطاب كما كانت قد وقعت بالضبط .. ولا يمكنه أن يعّبر أبدا عن موقف سياسي او أي عاطفة مشبوبة ، او أي ترويج اعلامي ، أو انحياز شخصي ، وان يمتنع كاتب النص من استخدام خياله في نسج تفاصيل لا اساس لها من الواقع التاريخي ، الا في حالة فقدان المعلومات او التوغل في اختيار تاريخ كلاسيكي قديم ، او أي حالة من العصور الوسطى .. على كاتب أي نص او سيناريو في السيمافور التاريخي أن يسيطر على المادة التاريخية لا ان يجعلها تسيطر عليه ، او على مشاعره ، فتخذله ، ويضيع في متاهتها ، كما يقول فردريك شيللر في كتابه الدرامات التاريخية .. وكنت أتمنى على كاتب نص مسلسل الباشا ان يتعّلم من هذه ” التجربة ” الكثير ، كالدرس الذي تعلمته أنا نفسي ، فاذا كان لا يعترف بأن ثمة اخطاء جسيمة قد حصلت ، وهو غير مسؤول عنها ، فليس من حقه ابدا أن يخاطبني بمقال مفتقد لكل المعاني ، ويكفي عتبه معنونا بـ : ” ايها المشرف التاريخي .. مم تتبرأ ؟ ” .. وكنت اتمنى مخلصا ان يكون خاليا من كل المجاملات التي لا معنى لها ابدا بعد هذا العنوان الذي يصدر عن مثقف ومبدع ظن خطأ انه المسؤول عن فشل التجربة ، فراح يخاطبني بهذا الاسلوب !

لا احد يعلمّني مهنتي !
لم أتوقف ابدا عن كل الذي كتبه الا عندما راح يجعل من نفسه استاذا عليّ يعلمني مهنتي التي ازاولها منذ اكثر من ثلاثين سنة .. وكم تمنيت عليه ان يقول كلمة سواء لاشكره عليها واضعه على الرأس والعين ، فكثيرا ما اتّعلم حتى من طلبتي الذين اعتز بهم غاية الاعتزاز ، ولكنه أخطأ وهو يخاطبني : ” عن فهمك للخبير التاريخي ليس هو التعريف العلمي الموجود عندنا في الدراما. أنت لست مسؤولاً لا عن إخفاق ممثل أو مخرج أو نقص في الأزياء أو المناظر أو اختلاف في الموسيقي. أنت لست مسؤولاً عن كل هذا سيدي. أنت فقط مسؤول عن الأفكار والحقائق التاريخية التي قالها المسلسل ” . ولا ادري اين تعلم الدراما ؟ لأنني ادرك جيدا اسلوب الخطاب وذوق الحوار عندنا نحن العراقيين .. ولكن عليه ان يعرف ان المشرف التاريخي في كل الافلام والسيمافورات التاريخية ، سينمائية كانت ، ام مسرحية ، ام تلفزيونية هو المسؤول الرائي عن كل تفاصيل الدراما التاريخية .. فهو ينبّه الى اللغة المحكية ، والى فضاءاتها والاشياء المستعملة والالبسة والالوان حسب كل عصر ومرحلة ، وتشخيص الممثلين للشخصيات التاريخية التي سيؤدون ادوارها ، ولا يمرر اخراج وتصوير اية مادة من دون التأكد من صلتها بالمرحلة التاريخية تماما ، وانتماء كل شيء بدءا بالنص وانتهاء بالمكياج والديكور الى زمان الموضوع ومكانه ، وهو لا يقبل ان يبقى التصوير مسجونا في استديوهات من دون تصوير البيئة المحيطة بما كانت عليه في الماضي المرئي . لقد اعترض المشرف التاريخي لفيلم غاندي في اللحظات الأخيرة لاستخدام تلفون اوتاماتيكي لم يكن قد اكتشف بعد على أيام غاندي في شبابه ، فاستبدل بتلفون قديم في الحال بعد أن أوقف التصوير لساعات طوال .. ويأتيني صاحبي بعد التي واللتيا كي يخاطبني بهذه اللهجة التي تثير الانزعاج حقا ! المشرف التاريخي هو الخبير المسؤول عن تاريخية العمل وكل فضاءاته .. وهو الذي يجيز أطروحة دراسات عليا ، وهو الذي يجيز الأبحاث العلمية للنشر .. وهو الذي يجيز تحرير النصوص ، وهو وحده الذي باستطاعته ان ينتقد المؤرخين الكبار والصغار ، أو يستدعى ليحّكم في قضايا تاريخية بين دول .. فكيف تخاطبه بهذا الأسلوب ، وهو الذي أعلن منذ اللحظة الأولى عندما بثت الحلقات الأولى تخلّيه عن تحمّل مسؤولية الأخطاء الجسيمة في رسالته الأولى .. وقبل أن يقرأ الردود الساخنة التي توالت ضد المسلسل .

هل تعلمنّا الدرس اياه ؟
كم كنت أتمنى أن يكون المسلسل متوازنا ، ليخاطب كل التيارات والاتجاهات بمحاولة موضوعية .. إن موضوعا عراقيا إشكاليا في تاريخنا المعاصر اسمه نوري السعيد ، ليس من الهين التوغل فيه سياسيا ، والخروج بتاريخ مرئي مثير للإعجاب ، الا اذا كنت مستجيبا للتحديات .. فالمجتمع ينقسم إلى نقيضين في تقييم الرجل ، وعلينا باحترام كل المواقف كي يتكون نقيض النقيض في المستقبل ، وسيبقى تاريخ كل الزعماء العراقيين أمانة بأعناقنا على مدى الأجيال القادمة . إن لدي ّ ما يمكن مناقشته عن نوري السعيد والتحدث عن تاريخه طويلا ، ولكن ليس من خلال دراما كسيحة فشلت في توصيل رسالة حقيقية إلى المشاهدين ، وخصوصا والذين يشغلهم دوما اسمه .. كما فشل في منح الجيل الجديد فكرة صائبة عن تكوين رجل له غموضه . إن التاريخ المرئي لنوري السعيد لا يمكنه أن ينجح أبدا بالطريقة التي أنجز عليها من كل النواحي .. انه تاريخ لا يحتاج إلى لغو كثير في ردهة ، أو غرفة ، أو اوتيل حقير ، بل الى حركة وفعل كبيرين : التظاهرات .. الأحزاب .. الانكليز .. الشارع السياسي .. العشائر .. الزيارات .. المناورات .. الجيش .. نصوص خطابات .. ابن كنّو .. الصحافة .. الافكار الجديدة .. الخ .. عندما يفتقد كل هذا وذاك ليس مقارنة بفيلم الدكتور زيفاكو مثلا ، بل بمسلسل الملك فاروق ، فينبغي علينا ان نكون شجعانا ، ويعلن كل واحد عن مسؤوليته ، فان كنت قد الححت على جوانب أساسية لم يؤخذ بها ، ولم يعر لكلامي وتوجيهاتي أي اهتمام ، وكأن اسمي كليشة قد وضعت لإيهام الناس بمصداقية العمل ، وهي مفتقدة اصلا ، فمن واجبي القول أن : مراجعتي التاريخية .. بريئة الذمة ! وبهذه المناسبة ، اشكر كل الأصدقاء الذين ساهموا بإثراء النقاش حول هذا ” المسلسل ” ، وسواء اتفقت أم اختلفت معهم .. فان من واجبنا ان نتعلم من بعضنا بعضا من اجل عمل أكثر رصانة وإثارة وصنعة ، فالتاريخ ملكا للجميع ، ولا يمكن أن يحتكره شخص أو حزب أو عشيرة .. أو مسلسل فاشل كان يتطلع كل المخلصين إلى أن يكون علامة بارزة في الدراما العراقية ، وإذا به يفتقد كل المعاني !

نشرت في الزمان اللندنية ، ملحق الف ياء ، 15 يونيو 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com