الرئيسية » شؤون كوردستانية » (الكورد وأعوام الـ 68 ــ هل يوجد فكر أصيل للكورد؟)

(الكورد وأعوام الـ 68 ــ هل يوجد فكر أصيل للكورد؟)

كان الكورد، ولغاية الستينات ينظمون أنفسهم ضمن صفوف اليسار التركي وبالأخص ضمن صفوف حزب العمال التركي (TIP)، وقلة منهم كانوا ينضمّون إلى صفوف “الثورة الوطنية الديمقراطية” (MDD). في أواخر الستينات بدأ الكورد بتأسيس منظماتهم الخاصّة، حتى انتهى بهم الأمر إلى الانشقاق عن اليسار التركي، وكانت نتيجة ذلك “الجمعيات الثورية والثقافية للشرق”(DDKO) من أوائل هذه المنظمات.
كانت اعتصامات الشرق التي أقيمت في صيف 1967 من ابرز الأحداث الاجتماعية والسياسية التي قام بها تنظيم “DDKO”، كان قد قام بتنظيم هذه الاعتصامات كل من حزب العمال التركي والوطنيين الكورد. في عام 1966 أُسِّس الحزب الديمقراطي الكوردستاني – تركيا (PDKT)، التنظيم الذي انضم إليه الوطنيين الكورد. وبعدها حدث انشقاق ضمن صفوف هذا الحزب المحظور وتأسس حزب باسم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في تركيا (PDK-T).
إنّ محاولات الكورد في انشقاقهم عن اليسار التركي وتشكيلهم لمنظماتهم المستقلة كانت مرتبطة بالمفهوم الاجتماعي ومفهوم الكوردايتي /الفكر الوطني الكوردي/. هذا المفهوم الذي كان يتطوّر كان مهماً من حيث فهمه ونظرته إلى قضية الكورد وكوردستان أيضا. كيف كان ينظر هذا الفكر إلى كوردستان وكيف كان يفهمه؟ هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة.
في ذلك الوقت وفي تلك الأعوام، كان اليسار التركي يستخدم شعارات مثل: “النضال ضد الامبريالية” والنضال من اجل “تركيا مستقلة”. كان اليسار التركي يتحرك ويعمل ضمن هذا المجال فقط، ولكن كان اليسار الكوردي الذي كان ينشق عن اليسار التركي ويحاول أن يؤسّس منظماته المستقلة يستخدم نفس الشعارات. أي كان اليسار الكوردي يواصل نضاله ضمن هذا المجال أيضا. شئنا أم أبينا، هذا ما يدفعنا إلى أن نتساءل “هل يوجد فكر أصيل خاص بالكورد؟” هناك فكر أصيل خاص بالترك، وقبل كل شيء هو فكر يعادي الكورد. فهذا الفكر لا ينظر إلى الكورد في حقل الحقوق والحريات، بل ينظر إليه فقط ضمن المجال الأمني. بالطبع يُمكن استثناء بعض المؤسّسات أو الكتّاب، لكن هذا الاستثناء لا يمكن أن يُغيّر شيئا من مضمون الفكر التركي.
لا أعتقد آنّ الجمعيات الثورية والثقافية للشرق (DDKO) في الستينات كانت صاحبة مفهوم سليم حول الكورد وكوردستان. فهل هناك مفهوم سليم حول الكورد وكوردستان في الحاضر؟ يجب أن يُسأل هذا السؤال وأن يُجاب عليه. في هذا السياق، اعتقد أنّ فكر وموقف حركة الوحدة القومية (TEVKURD) ومن يناصرها يستحق الاهتمام.

ما هو الفهم السليم لقضية الكورد وكوردستان؟ أثناء الحرب العالمية الأولى وفيما بعد، أي في العشرينات أثناء تأسيس الأمم المتحدة، تعرض الكورد إلى التفتيت والتقسيم والتوزيع في وسط منطقة الشرق الأوسط. على الرغم أنّ عدد سكانهم يتجاوز الأربعين مليون نسمة، فإنهم لا يتمتعون بأي منزلة ضمن موازين العلاقات الدولية في العالم. فلا يُذكر اسم الكورد في الأمم المتحدة ولا في المجلس الأوروبي ولا في الاتحاد الأوروبي ولا في المؤتمر الإسلامي، بل يُبحث اسمهم فقط عندما تُبحث قضايا “الإرهاب” و”الإرهاب العالمي” ويُربَط ذلك وبين مقولة “سوف نقضي على جذور الإرهاب”. فإذا أدرك الكورد هذا الوضع جيدا، حينها يمكن أن يتكوّن فكر سليم حول الكورد وكوردستان. كيف اُلبس الكورد لباس اللعنة هذا؟ هذه الأمة التي تعرضت إلى التفتيت والتقسيم والتوزيع لديها نقاط ضعف، فما هي نقاط الضعف تلك؟ فإذا فُسّر هذا الأمر بمفاهيم علمية وسياسية ودبلوماسية، عندها سيتكون مفهوم سليم حول الكورد وكوردستان.
في عهد تأسيس الأمم المتحدة في العشرينات (عصبة الأمم آنذاك)، استهدف التدخل الامبريالي الأكثر جدية في الشرق الأوسط الكورد ووطنهم كوردستان. هذا التدخل في نفس الوقت هو التدخل الأكثر إدامة. إنّ الفكر التركي،اليسار التركي واليمين التركي و …، لا يتوقف عن ترديد شعار “النضال ضد الامبريالية”، في حين أنّه يتم التعامل مع عملية التفتيت والتقسيم والتوزيع وكأنها غير مرئية وغير واقعة. يتصرفون وكأنه ليس هناك أي موضوع أو أي تدخل بهذه الطريقة، لذا نستنتج أنّ عملية تشكل مفهوم سليم حول الكورد وكوردستان لا يمكن أن يكون إلا نتيجة بحث مستفيض.
أثناء تأسيس الأمم المتحدة، وحين كانت كل من مستعمرات العراق والأردن وفلسطين مرتبطة بانكلترا، وكل من مستعمَرتي سوريا ولبنان مرتبطتان بفرنسا، لم يتم التفكير حينها بتأسيس مستعمرة باسم كوردستان، على العكس تماما قُسّمت كوردستان بين الدول التي شُكلت حديثا. لذا وبدون شك يجب البحث بشكل جدي في هذه العملية.
كلما أقوم بشرح وضع الكورد وكوردستان في العشرينات، تخرج أصوات لتقول “بيشيكجي لا يبحث في التطوّرات التي تتابعت بعد العشرينات، انه متقوقع في العشرينات…” هناك انتقادات أو تقييمات بهذا الشكل، لا اعتقد أن تكون هذه المحاولات جديّة أو أن تكون انتقادات وتقييمات سليمة. سوف أوضّح ذلك كم يلي: كان الانكليز في الحرب العالمية الأولى يجرون محادثات سريّة مع قائد العرب الشريف حسين، وفي تلك الاجتماعات وعدته المخابرات الانكليزية بتأسيس إمبراطورية كبيرة للعرب. ناضل الشريف حسين وفعل كل ما بوسعه من اجل تحقيق هذا الهدف، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى، لم تؤسَّس الإمبراطورية العربية كما وُعِدَ بها الشريف حسين وخير دليل على ذلك، أصبحت إحدى مناطق تلك الإمبراطورية الموعودة وطنا لليهود وأسّست فيها دولة يهوديّة. فإذا تحدّث بيشيكجي فقط عن هذا الموضوع وبحث عن عدم الإيفاء بالوعد الذي أُعطي للشريف حسين ولم يتعرّض إلى الأحداث التي توالت بعدها، عندها يمكن القول بان بيشيكجي متقوقع في العشرينات، ذلك لأن العرب وبشكل عام متطورون كثيرا عما كانوا عليه في العشرينات في كل النواحي السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية. فهناك الآن من خليج فارس وحتى فاس 22 دولة عربية وبالإضافة إلى دولة فلسطينية مستقلة، سيصبح عددها 23 دولة. هل للكورد نفس الوضع؟ إنّ وضع الكورد لم يتطوّر عن العشرينات أبدا، بل يمكن القول إنهم متخلفون أكثر من آنذاك وعُمل على إبقائهم متخلفين عن غيرهم، ذلك لأن الكورد في الفترة العثمانية كانوا بطريقة أو بأخرى، وبهذا الشكل أو ذاك أصحاب إدارة ذاتية. لم يكن يُنكر كل من اللغة الكوردية أو الثقافة الكوردية. من المعلوم انه ومع تأسيس الجمهورية التركية، بدأت سياسة الإنكار وإلغاء الآخر وتطبيق هذه السياسة بثبات. إنّ الاتحاديين الذين أصبحوا فيما بعد كماليين والذين كانوا يشاهدون ويعلمون أنه في العقد الأول من القرن العشرين كانت هناك مجلات وصحف تنشر باللغة الكوردية، بعد عام 1923 بدؤوا يردّدون مقولة “لا توجد لغة بإسم اللغة الكوردية”. أمّا الذين كانوا يفكرون ويتصرّفون عكس ذلك، أي أنّ الذين كانوا يذكرون الكورد وكوردستان، كانوا يواجهون تهم إدارية وسياسية كبيرة. من هذه الناحية يجب أن يتم البحث في العشرينات، أي أثناء تأسيس الأمم المتحدة. من المؤكد أنّ هذا الموضوع هام جدا، يجب أن يُسأل في كيفية تفصيل لباس اللعنة للكورد، فإذا لم يكن لدى أمّة لغة أو سُلبت منها لغتها، فهذا يعني أنّ تلك الأمة فقدت كل ما لديها.

لا بدّ أن يكون هناك فكر أصيل خاص بالكورد. أن تكون في الشرق الأوسط وأن يكون عددك 40 مليون نسمة، ولكن ليس لديك مكان في أي منظمة دولية، فقط عندما يبحثون مسألة “الإرهاب” يذكرون اسمك. والذين يقولون “إننا نطالب بالاعتراف بقوميتنا، نطالب بأن يكون التعليم بلغتنا الأم، باللغة الكوردية” يُحاكمون ويُحكم عليهم بتهمة “الإرهاب”. كيف يكون ذكر شيء ما ضمن حقل “الإرهاب”؟ إنّ ذكره سيكون ضمن سياق “سوف يُقضى على جذور الإرهاب” و”نحن مصرّون على مكافحة الإرهاب، وسوف نستمر في ذلك”. إذاَ، كي نتمكن من فهم هذه التناقضات الأساسية، هناك حاجة ماسة إلى فكر أصيل خاص بالكورد. ليس لأننا “كنا في التاريخ مشهورين جدا، لم يكن هناك أحد أعظم منا”، بل لأنه “رغم عددنا الكبير هذا وأرضنا الواسعة، كيف أصبحنا لا شيء”. وأيضا، بسبب “لماذا لم نصبح حتى أصحاب اصغر نظام سياسي”. من اجل هذه الأسئلة والاستفسار عن هذه الأشياء، هناك حاجة إلى فكر أصيل خاص بالكورد.
عندما تحترق الغابات في منطقة ايجة أو البحر الأبيض، يورد الإعلام التركي في عناوينه الرئيسيّة “لقد احترقت أفئدتنا”. يقول: “إنّ سيارات الإطفاء وطائرات الهليكوبتر والناس والجيش جميعهم يساعدون بعضهم بعضا لإطفاء نيران الحرائق”. إنّ الإعلام يقوم بحملة كثيفة من اجل ذلك وتُزرع الأشجار مباشرة. ولكننا نجد أنّ الجيش هو الذي يحرق الغابات في المناطق الكوردية، الدولة تُحرق الغابات في المناطق الكوردية بشكل منظم، وعندما يحاول الناس إطفاء الحرائق بالسطول والأواني، فإنّ قوات الأمن تتدخل ولا تسمح بذلك. إنّ مثل هذه الأحداث لا تجد لها مكانا في الإعلام التركي. في هذه القضية هناك تناقض كبير ولكي يتم البحث في هاتين القضيتين المتناقضتين، هناك حاجة إلى فكر أصيل خاص بالكورد. بالرغم من هذه المشاعر والأفكار المتناقضة جدا، نجد ترديد مصطلح “الأخوّة” أيضا، “أخوّة الترك والكورد”. في ضوء هذه التناقضات العجيبة، لنتساءل: كيف تم خلق هذا المفهوم يا ترى؟ وما وظيفته؟
في كل عام وفي شهر آب/أغسطس يأتي عمال البندق مع عوائلهم إلى مناطق Ordu و Giresu ويبيتون هناك في خِيَم مرقعة، يواجهون في طريق سفرهم العديد من حوادث السير، وأيضا، كما هو معلوم، يواجهون العديد من المشاكل الأخرى، مع هذا كله لا ينتهي ترديد مفهوم “الأخوّة”. يستخدم الكورد هذا المفهوم كثيرا، يجب أن يتم البحث في هذه اللامبالاة أيضا.
إنّ مسؤولو الدولة والحكومة التركية لا يسمحون بتسمية أزقة وحارات المدن الكوردية بأسماء دَنيز ازميش و وَدات آيدن وموسى آنتر وكمال آكبولوت و اولوج كوركماز (Deniz ezmiş, Wedat Aydin, Mûsa Anter, Kemal Akbulut, Oluç Korkmaz) ويعتبرونها جريمة. ومثالا على ذلك نرى محمود آليناك، احد المسؤولين في تشكيلات حزب المجتمع الديمقراطي (DTP) في مدينة قارس/Qers حوكم وحُكم عليه بسبب هذه المسألة. في حين تُسمى كل من الجامعات والهيئات وكل مكان باسم محمود اسعد يوزكورت وأيضا الجنرال مصطفى موكلالي له نفس الوضع وهو الذي أعطى الأمر بقتل الكورد الثلاثة والثلاثين في موكس التابعة لـ Wan … مع كل هذه الأشياء كيف يمكن ترديد ذكر مصطلح “الأخوّة”. إذا، ومن اجل كلما سبق يجب أن يكون هناك فكر أصيل خاص بالكورد.
إنّ أوروبا تُعرَّف بأنها ساحة الحريّة ويُسمّى المجلس الأوروبي بـ “ضمير أوروبا” و”ضمير العالم” ولكن أوروبا و”ضمير أوروبا” كانتا دائما أصحاب مواقف ظالمة وسلبية تجاه حرية وحقوق الكورد. فعلى سبيل المثال، تساند أوروبا بقوة استقلال قرداغ التي لا يزيد عدد سكانها عن 600 ألف نسمة، وكوسوفو التي لا يزيد عدد سكانها عن 2 مليون نسمة، أما بالنسبة إلى الكورد الذين يتجاوز عددهم الـ 40 مليون نسمة في الشرق الأوسط، فإنها تبدي موقفا سلبيا تماما. فلكي يتم البحث في هذا التناقض العميق لموقف أوروبا، هناك حاجة إلى فكر أصيل خاص بالكورد.
إنّ الكورد ووطنهم كوردستان تعرّضا إلى التفتيت والتقسيم والتوزيع في الفترة التي كان الاتحاد السوفييتي يدافع بقوة عن مبدأ حق تقرير المصير للأمم. إنّ الاتحاد السوفييتي لم يساند الكورد في تلك الفترة بل ساند القوى التي كانت تضطهد الكورد. في تلك الفترة لا يوجد فرق كبير بين سياسة معاداة الكورد التي كانت تتبعها كل من انكلترا وفرنسا والسياسة التي كان يتبعها الاتحاد السوفييتي. إنّ الاتحاد السوفييتي، مثله مثل انكلترا وفرنسا، يتبع سياسة معاداة الكورد، فهو الذي يساند القوى التي تضطهد الكورد.
كان مصطلح “الأمم المُضطهَدة” يُستخدم في عهد الاتحاد السوفييتي. رغم إبادة الأرمن في عام 1915 وعمليات الإبادة الجماعية في أعوام 1919 و1920 كيف يُستخدم هذا المصطلح ثانية بالنسبة إلى الأناضول؟
إنّ الكورد يواجهون سياسة الإنكار والإبادة التي لا نجد لها مثيلا في أي مكان آخر من العالم. يجب أن توضّح سياسات الإنكار والإبادة التي تواجه الوضع الثابت للكورد وتواجه مسألة مطالبهم بمصطلحات علمية وسياسية. ومن أجل كل ذلك، هناك حاجة إلى فكر أصيل خاص بالكورد.
في الستينات، لاحظ الكورد، وبالأخص الطلبة الكورد في الجامعات، أنّهم بحاجة إلى تنظيم أنفسهم تحت سقف منظمات خاصة بهم. يمكن أن يقول المرء بأن هذه الخطوة كانت نتيجة تطوّر فكري، ومع ذلك استمرّ اليسار الكوردي بالمناداة بنفس الشعارات التي كان ينادي بها اليسار التركي. كان هذا الموقف يسد الطريق أمام تطوّر فكر الكوردايتي /الفكر الوطني الكوردي/. فلا يمكن أن يتكون مفهوم سليم تجاه قضايا الكورد وكوردستان عن طريق الفكر التركي أو باستخدام شعارات اليسار التركي. في هذا الموضوع يجب أن يفكر الكورد بنفسهم، يجب أن يقوم الكورد أنفسهم وبأفكارهم الخاصّة بشرح وضع الكورد وكوردستان. لذا ومن اجل كل تلك القضايا والمواضيع التي ذُكرَت، هناك حاجة ماسة إلى فكر أصيل خاص بالكورد وكوردستان.

10 أيلول/سبتمبر 2008

(*)
• النص مُترجُم عن الكوردية ومقارَن مع التركية، وبموافقة واطّلاع الدكتور إسماعيل بيشيكجي.
• النص الأصلي منشور في مجلة «Tîroj» عدد: 34 ص35-37، سبتمبر- أكتوبر/ أيلول- تشرين الأول بعنوان: «68’liler ve Kürtler – Özgün Bir Kürt Düşüncesi Var mı?»
• الترجمة الكوردية من قِبل الأخ روشان لازكين منشور في www.peyamazadi.org بعنوان:
«Gelo Fikrekî Orîjîna yê Kurdî Heye?»