الرئيسية » مقالات » ليس دفاعا عن الوزير-2

ليس دفاعا عن الوزير-2

إن الحملة الإعلامية ضد وزارة النفط مازالت مستعرة، ولم يعد هناك شك من أنها بدوافع سياسية، لذا كان من الضروري تخصيص هذا الجزء أيضا لإيضاح بعض التفاصيل التي تنصف الوزارة والوزير رغم وجود ملاحظات حقيقية على الأداء إجمالا في هذا القطاع، حيث كنا ضمن العديد من المختصين قد عالجناها سابقا من أجل تقويم السياسة النفطية ووضعها في المسار الصحيح، وبالفعل طورت الوزارة الكثير من سياستها كاستجابة لرؤى المختصين التي قدموها خلال عدد من المؤتمرات والورش والكثير من المقالات التي نشرت باللغتين العربية والإنجليزية، أضف إلى ذلك أستطيع القول أن الرؤى التي سنطرحها في هذا المقال متقاربة جدا مع موقف العموم الغالب من التكنوقراط النفطي العراقي كما قرأته من خلال المراسلات الحوارية وتبادل الآراء التي غطت الشبكة العنكبوتية هذه الأيام.
لذا حقا لا أعتبر ما جاء بهذه المقالة، بأجزائها، موقفا شخصيا بل هو موقف مهني صرف هدفه الدفاع عن ثروتنا الوطنية وليس دفاعا عن شخص ما أو هجوما ضد آخر.
في مجال المصافي واستغلال الغاز:
في حديث له نقلت جوانب منه صحيفة الشرق الأوسط الصادرة يوم الثالث من الشهر الجاري، يقول مقرر لجنة النفط والغاز في البرلمان، وأحد الأقطاب الثلاثة للهجوم على وزارة النفط، يقول “”النتائج الكارثية للسياسة النفطية للوزارة التي ضيعت على العراق فرصا تقدر بمليارات الدولارات، فضلاً عن عدم بناء أي مصفى خلال الفترة الماضية””! ويضيف “”أن الموازنة قد خصصت مبلغ 9 مليارات لتنفيذ مشاريع لم ينفذ أي منها””!
حقيقة ليس سهلا العبور فوق تلك الاتهامات التي أطلقها هذا المسؤول الكبير، لأن من خلال متابعتي أستطيع أن أشير إلى بعض، وليس كل، إنجازات الوزارة خلال عمرها القصير، وهو ثلاث سنوات، ذهبت منها سنتان هدرا بسبب الخلل بالوضع الأمني الذي يعيق كل شيء، ففي مجال المصافي:
• إنشاء ثلاثة مصافي سعة كل منها70 ألف برميل يوميا، واحد منها تحت التشغيل التجريبي وسينتهي العمل بالاثنين الأخرى بداية العام القادم.
• إنشاء عدد آخر من المصافي الصغيرة بطاقة إجمالية تزيد على50 ألف برميل يوميا.
• إعادة تأهيل الكراكر العملاق في مصفى بيجي والمتوقف عن العمل منذ عام1988 وهو الآن تحت التشغيل التجريبي.
• إعادة تأهيل العديد من الوحدات الإنتاجية المتنوعة في مصافي بيجي والدورة والبصرة بحيث استطاعت الوزارة تغطية كامل احتياجات السوق العراقية بالمشتقات ولم تعد الدولة مضطرة لشرائها من الخارج بفاتورة وصلت قيمتها7 مليارات سنويا يوم تشكلت الوزارة.
• هناك مصنع كبير لإنتاج الغاز السائل تحت الإنشاء سوف يسد احتياجات العراق المستقبلية، كما تم تأهيل الخط الناقل للغاز المسال إلى معامل التعبئة بالقرب من بغداد مما يقلل من كلفة الغاز السائل على المستهلك.
• تم تشغيل خط لنقل الغاز الطبيعي من الجنوب إلى وسط العراق لتزويد محطات الطاقة الكهربائية.
• استطاعت الوزارة بمساعدة القوى الأمنية من وقف عمليات التهريب للمشتقات عبر الحدود أو بيعها للمستهلك المحلي بأسعار خيالية كانت تذهب إلى جيوب زعماء المليشيات.
• وفرت الوزارة البطاقة الوقودية لجميع العراقيين.
• وهناك مشاريع اخرى في المجال الاستخراج سنأتي على ذكرها في هذا المقال.
ما تقدم ساهم بتوفير حوالي40% من دخل العائلة العراقية كما وأصبحت تنعم بشتاء أكثر دافئا وصيفا أقل حرارة، الأهم من ذلك أن السيطرة على الأزمة الوقودية قد ساهم بخفض نسب التضخم من مستوياتها المرعبة خلال السنوات2003 ولغاية2007 التي كانت تتراوح ما بين27 و53%، ولكن بعد السيطرة على الأزمة الوقودية قد انخفض التضخم إلى3.8% خلال العام المنصرم2008، وهو يعتبر مستوى معقول جدا مقارنة بمستويات التضخم العالمية. ما تقدم هو ما نص عليه تقرير لوزارة التخطيط وتقارير اقتصادية أخرى يعتد بها، كما وذكر تقرير وزارة التخطيط بالنص أن هذه الأرقام قد تحققت بفضل توفير المشتقات والبطاقة الوقودية وتحسن الوضع الأمني.
نلاحظ مما تقدم أن سببين من ثلاثة أسباب أدت إلى بعض الرفاهية الاقتصادية للشعب قد وفرتهما وزارة النفط.
واستمر مقرر لجنة الطاقة في البرلمان بعرض أوراق الاستجواب بقوله أيضا “”حاول خلال الفترة الماضية تضليل الحكومة والبرلمان والشعب حيث قدم في موازنة عام 2009 سقف إنتاج يمكن من خلاله أن يصدر العراق2 مليون برميل يومياً، علماً أن هذا الرقم لا يمكن تحقيقه خلال هذا العام سيما وان اغلب المصافي لم تؤهل أو أعيد إصلاحها وكذلك عدم اكتشاف آبار جديدة تساعد في تحسين الوضع النفطي في البلاد وبالتالي فإن صادرات النفط بدأت تتراجع100 ألف برميل سنوياً””!!
بالنسبة إلى تراجع الإنتاج في الحقول النفطية والغازية أمر طبيعي، لذا سوف لا أناقشه، لكن نلاحظ أن المتحدث قد خلط بين أمرين متعارضين تماما، وهما زيادة تصدير النفط الخام، والأمر الثاني هو زيادة الطاقة الإنتاجية للمصافي العراقية، حيث أن زيادة طاقة المصافي تعني تقليل فرص تصدير النفط الخام، فربما هي سقطة لسان من السيد المسؤول.
عموما، بالرجوع إلى الأرقام الرسمية للإنتاج العراقي نجده يقترب جدا من مليونين ونصف مليون برميل يوميا، وإن ما يصدر منه هو مليون وتسعمائة وثلاثين ألف برميل يوميا في الوقت الحالي، وبعد أقل من أسبوعين من الآن سيزيد بمقدار أربعين ألف برميل يوميا، ومازال أمام الوزارة نصف سنة يمكن زيادة الإنتاج خلالها ليكون أكثر من مليونين برميل يوميا، وهذا السقف يعتبر أعلى من هدف الوزارة خلال عام2009.
هنا يحق لنا السؤال، فإذا كانت الوزارة قد ألزمت نفسها بسقف إنتاج بحيث تستطيع تصدير مليوني برميل يوميا، وقد تحقق ذلك قبل منصف العام، فأين التقصير؟!
أضف إلى ما تقدم، وكما أسلفنا، أن التوسع في بناء مصافي نفط وإعادة تأهيل المتضرر والقديم منها يعني أن هذه المصافي سوف تحتاج إلى مزيد من النفط الخام، وبالتالي سوف يقلل من فرص تصديره كنفط خام للأسواق العالمية، وهذا ما حصل بالضبط، فالزيادة بالطاقة الإنتاجية التي شهدتها المصافي العراقية لا تقل عن200 ألف برميل يوميا كما أسلفنا، ولو لم تزداد الطاقة الإنتاجية للمصافي لاستطاعت الوزارة تصدير هذه الكميات مما سيزيد من الطاقة التصديرية لتصل إلى مليونين ومأتي ألف برميل يوميا، وهي طاقة تصديرية تزيد على الخطة لهذه السنة بمأتي ألف برميل يوميا.
ما تقدم يعني أن الوزارة قد وفت بالأمرين معا، وهما زيادة سقف الإنتاج لتغطية الزيادة بالاستهلاك المحلي، وزيادة أخرى للوصول إلى مستوى تصدير وهو مليوني برميل، ومع ذلك مازال أمامها وقت طويل حتى نهاية السنة، يمكن أن يتحقق خلال هذه الفترة سقف إنتاج أعلى من الحالي.
مجال الصناعة الاستخراجية:
أما في مجال الاستخراج استطعت رصد بعضا من الإنجازات تاركا للوزارة مسؤولية إكمال أو تصحيح ما استطعت رصده من خلال وسائل الإعلام:
• تم حفر وتأهيل أكثر من300 بئر نفطي في العراق، وهي الآبار التي ساهمت إلى حد بعيد بالحفاظ على مستوى الإنتاج من الآبار القديمة والتي من الطبيعي أن ينخفض إنتاجها مع الزمن.
• مازالت الشركات التابعة للوزارة مستمرة بطرح مناقصات لحقر وتجهيز المزيد من الآبار، حيث قبل بضعة أسابيع تم توقيع عقد مع شركة وذرفورد العالمية لحفر20 بئرا نفطية في حقول ميسان، أو(ذي قار؟).
• تم شراء16 برج حفر متطور وصل بعضا منها وهي تعمل الآن في الجنوب على حفر المزيد من الآبار.
• تم عقد شراكة بين شركة الحفر الوطنية مع شركة بريطانية لإنشاء شركة جديدة مستقلة سوف تبدأ العمل قريبا، وهذا يعني مزيدا من الآبار المنتجة.
• بدء عمليات تطوير حقل الأحدب النفطي.
• تم إعادة تأهيل العديد من المنشاة النفطية التابعة لمنظومة استخراج النفط في المناطق الشمالية والجنوبية من العراق.
• لولا منع العمل بقوة السلاح لعمليات التطوير في حقل كركوك العملاق لاستطاعت الوزارة رفع الإنتاج النفطي بنسب جيدة جدا لا تقل عن مائتي ألف برميل يوميا من حقل كركوك.
• يجب أن لا ننسى أن الوزارة الآن تناضل لوحدها من دون دعم على جبهة الحقول الحدودية التي تستغل ظلما من قبل الجيران من دون أن يكون هناك اتفاقات ثنائية معها، في حين هي مهمة يجب أن تتصدى لها وزارة الخارجية قبل النفط.
ما تقدم من منجزات في مجال الاستخراج تحسب للوزارة ولا يمكن أن تحسب عليها بأي حال.
ومما قاله أيضا مقرر لجنة البرلمان هو “”أن النفط العراقي الآن يعد الأقل سعراً بسبب نوعيته السيئة””، ولا أدري ما علاقة الوزير بسوء نوعية النفط؟ فهل كانت نوعيته أفضل قبل مجيء الوزير؟ فالنفط لا تصنعه الوزارة، بل تستخرجه كما جادت الطبيعة به، حيث لدينا في العراق أنواع مختلفة، فيه النوع الثقيل والخفيف وما بينهما، وفي العادة يقيم سعر النفط بحسب وزنه النوعي، وأن أسعار النفط العالمية المعلنة تعتمد مؤشرين معروفين لأسعار نفوط خفيفة وأسعارها عالية نسبيا، مثل برينت في بحر الشمال ونايمكس المؤشر الأمريكي للنفط وهناك نفوط أخرى تعتبر مؤشرات محلية، على سبيل المثال، نفط عمان الخفيف في الخليج العربي، وعلى ضوئها تقاس أسعار النفط.
علينا أن نتذكر دائما أن شركات النفط لا تصنع النفط بل تستخرجه كما وهبته الطبيعة ولا علاقة لها بنوعيته إطلاقا، ولابد أن نسأل أيضا هل كان النفط بنوعية أعلى من الحالية عندما كانت الوزارة من حصة حزب هذا المسؤول؟
أكثر ما أثار استغرابي قوله أيضا، “”غياب الانضباط بالكميات المتحركة من النفط الخام، الأمر الذي سهل عمليات السرقة وإهدار المال العام””، في حين أن هذا الأمر، وكما يعرف الجميع، موروثا منذ زمن النظام السابق حين رفع النظام عدادات النفط عام1995 لكي يستطيعوا تهريبه كيفما يشاؤون دون رقيب، حيث بقي هذا الواقع، أي تهريب النفط الخام، مستمرا لأربع سنوات تقريبا بعد سقوط النظام السابق، وقد كان لي شخصيا شرف السبق بفضح هذا الموضوع على المستوى الإعلامي خلال شباط2006، من خلال الفضائية العربية، أي قبل أن يستلم الوزير منصبه بأكثر من ثلاثة أشهر، حيث فشلت الوزارات السابقة بنصب عدادات بديلة أو تصليح القديمة وإعادة نصبها، لكن حاليا تم نصب منظومة عدادات جديدة في الموانئ الجنوبية وهي تعمل بكفاءة معقولة.
ألا يعتبر نصب العدادات في موانئ التصدير نجاح لهذه الوزارة؟!
أولم تكن الوزارة من حصة الحزب الذي ينتمي إليه مقرر لجنة النفط في البرلمان يوم كان النفط يسرق من موانئ التصدير عندما كانت تعمل بلا عدادات؟
هذا أهم ما استطعنا قراءته من أوراق الاستجواب لوزير النفط لحد الآن، ولنا حديث آخر بعد الاستجواب، فربما لديهم ما هو أكثر مما قيل في الإعلام، كما ونتمنى على مجلس النواب أن يمنحنا فرصة سماع الاستجواب بالكامل.
الأهداف:
لكن هناك أمر آخر قد استجد أثناء كتابة هذا الجزء يحتاج إلى معالجة موضوعية قد تطول بعض الشيء، حيث أن الوزارة على وشك توقيع على العقود لجولة التراخيص الأولى خلال الشهر الجاري لتطوير أربعة حقول نفطية وحقلين غازيين في نهاية العام الجاري، وستوقع عقود لجولة تراخيص ثانية ل11 حقل نفطي في نهاية هذا العام، حيث أن هذه العقود، وفق نظرية المؤامرة التي لا أعتنقها، هي مربط الفرس بالنسبة للمهاجمين، الهدف من ذلك إفشال هذه العقود وإسقاط الضالعين بها، لأنها عقود تعتبر أكثر إنصافا بكثير من عقود المشاركة بالإنتاج وتحقق قفزة بالإنتاج العراقي كبيرة بحيث يصل إلى أربعة أو خمسة ملايين برميل يوميا.
لأن لو تم التوقيع على تلك العقود، فإن أحلام البعض بالحصول على حصة كولبنكيان، مستر خمسة بالمية، تكون قد ماتت إلى الأبد، لذا فإن الهجوم شرسا للغاية.

2009-06-16