الرئيسية » مقالات » مزاوجة الإخاء و الوطنية في وداع حارث العبيدي

مزاوجة الإخاء و الوطنية في وداع حارث العبيدي

بعد ان ركنت الحرقة على رحيله المفاجئ ، وتراخت الدموع السواكب التي فجرها استشهاد هذا الشيخ الواعي ، وبعد ان صلى عليه المودعون والجنازون ، بأمكان المرء، وبهدوء القول، أن ينعى الدكتور الشيخ الوقور حارث العبيدي الذي اجتمعت فيه خصلة عجيبة لم تجتمع في غيره من زملائه الماضين ولا العاملين من اعضاء مجلس النواب العراقي أو اعضاء الحكومة الحالية ولا السابقة .ومن يتكلم عن مناقب الشهيد العبيدي لا يمكن أن يغفل انه المدافع عن الوحدة الوطنية التي جسدها في جميع خطاباته سواء تحت قبة البرلمان أو على منبر الجمعة في جامع الشواف وغيره أو في لقاءاته الإعلامية ، ولم يدع فرصة لإستنهاض همم العراقيين للوحدة الوطنية الا اقتنصها ووظفها في قوله وعمله ، وقد كانت هذه السجية من عظائم السجايا التي تمتع بها الشهيد في حياته ، أما وإنه قد غادر هذه الدنيا مضرجا بدماء الشهادة في سبيل الله والوطن والإنسان حتى اجتمعت في توديعه والصلاة عليه رموز دينية ورسمية وبرلمانية من مختلف المشارب والمذاهب والقوميات وكأن الشهيد الذي دعاهم الى الوحدة والتوحد ونبذ الفرقة والتفرق في حياته قد عبـّد لهم الطريق بدمائه الزكية .. فكانوا مهجة حرى واحدة بفراقه، ودمعة حيرى والهة برحيله، وأمل واحد يحدوهم لإستثمار الحزن الوطني عليه لتعزيزالوحدة والتكاتف .

الشهيد الدكتور حارث العبيدي اغتيل على ايدي أشرار الأمة وشذاذ الآفاق ممن يعملون ويدبرون كخفافيش الليل ويمكرون ويفجرون أطراف النهار، وينفقون الأموال الطائلة التي تنهال عليهم من دول ومخابرات عربية وغير عربية لتخريب العراق وتصفية رموزه الوطنية النظيفة ان رقمه واحد من قائمة الأخيار والمضحـّين والمدافعين بأموالهم وأنفسهم عن مصالح الأمة العراقية المظلومة والمنكوبة .. الأمة التي يتكالب عليها من كل جانب الأشرار من بقايا النظام الصدامي المقبور والكلاب المفخخة التي تم إعلافها و تسمينها بفتاوى التكفير الصادرة من علماء السوء وعبــّاد السلاطين والملوك الذين يرسلونهم لزهق أرواح أبناء العراق الغيارى .. وحينما أُسقط في أيديهم إشعال الفتن الطائفية في تفجير المراقد المقدسة واغتيال الرموز الدينية في العراق راحوا يتنادون فيما بينهم أيهم يقتل اكبر عدد ممكن من العراقيين لكي يؤمـّروه عليهم ، ولا فرق عندهم في من يقتلون .. الجنود والشرطيين .. المصلين والناسكين .. البسيطين والعالـِمين.. القائمين بأمر بلادهم والقاعدين .. على السواء ..كل الأمة في العراق مستهدفة من هذا الإرهاب البعثوهابي اللعين. وإلا ماالذي يستوجب قتل الشيخ العابد المدافع عن حقوق الانسان المغلوب على أمره في بعض السجون في العراق التي مازال يتسلط عليها أزلام النظام السابق ومن تربى وتدرب في مدرسة صدام الأمنية الرهيبة؟؟ من المستفيد من تغييب الصوت الجهوري الصادح بقيم الخير وكرامة الإنسان العراقي ؟؟ هذا الرجل الذي لم يـُسمع من فمه مرة كلمة تفرقة طائفية أو سواها في الوقت الذي كان فيه بعض زملائه في جبهة التوافق ورئيسها السابق يصكون الاسماع بعبارات التهديد بإشعال الفتنة كلما أخمدها الصلحاء والطيبون ، ومن مفارقات الزمان الخؤون هذه الأيام ان تستبدل جبهة التوافق رئيسها الشهيد بآخر كان الى الأمس القريب بوقا دعائيا من ابواق النظام الصدامي بحجة مقارعة الاحتلال ومدافعا في قناة الخنزيرة القطرية عن النظام السابق أيام كان الرجل لا يفضل ارتداء الملابس الرسمية في الجامعة كما اعتاد الاساتيذ الكرام في( القاط والباينباغ ) ولكنه كان يفضل البدلة الزيتونية التي تميز الرفاق الحزبيين وتعتبر هوية الولاء العلنية للقائد الرمز.. أين الشهيد حارث العبيدي الذي استشهد في اليرموك كما استشهد قبله في نفس المنطقة الدكتور الخالد على العضاض وزوجته ثم الشهيد عادل اللامي مستشار وزارة الصناعة والدكتورة كريمته وبعدهم الفنان المسرحي والتلفزيوني الجميل وليد حسن جعاز .. يا سبحان الله وفي ذات المنطقة التي يسكن فيها الرئيس الجديد لجبهة التوافق الذي داهمت داره القوات الأمنية ذات يوم ووجدت عنده الأسلحة وأربعة سيارات معدة للتفخيخ واعتقلت عددا من حراسه ومرافقيه، والاخبار التي ترشحت عن مجلس النواب هذه الايام تقول ان في نية ثلاثة منهم تقديم أدلة دامغة على ارتباط الرجل بمخابرات صدام سابقا ومخابرات عربية حاليا الغرض منها دعم العمليات الارهابية وتخريب العملية السياسية .. واليوم تطالعنا صحافة منظمة خلق الارهابية الايرانية على الانترنت بخبر الدكتور العاني وهو يدافع عن هذه المنظمة التي كانت ظهيرة قوية لصدام في قمع الانتفاضة الشعبانية ويدعو الحكومة العراقية الى التعامل مع سكان أشرف بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الانساني الدولي والاعتراف بحقوقهم. وأكد العاني: أظن أن ابقائهم على وضعهم الحالي وعدم اللجوء إلى ترحيلهم أو تضييق الخناق عليهم، مع توفير جميع الظروف السياسية والأمنية لأداء دورهم السياسي، واجب وطني مشرف’. فان أي عمل لتضييق الخناق عليهم بمعنى تقديم مكافأة للنظام الايراني الذي هو عدو الشعب العراقي. أين هذا السياسي الحاقد على شعبه من ذلك الشهيد الذي كان قطب الرحى في المفاوضات بين الكتل السياسية المتصارعة ورمزا للإعتدال السياسي ونصيرا للمظلومين، فأينما تبحث علن الحكمة والروية وحب الخير تجد حارث الخيرات العبيدي وزميله سليم الجبوري يضجان بالحـِلم والتروّي.. فلم تسجل عليه يوما وقفة تفريق للصف الوطني أو موقف تخريبي للعملية السياسية. هكذا هم رموز الأمة يترجلون من صهوات جيادهم شهودا على زمن التردي وشهداء لله على غيرهم ..

كم أخذتَ من حطامها كي يعلق بكفنك الطاهر .. بل كم أبقيت للذكرى العطرة التي سيذكرها الذاكرون ، ويترنم بها المنشدون من المظلومين والمستضعفين الذين كنت نصيرهم بحق , وكيف اخترت يوم رحيلك الأبدي خارجا من المحراب وقد سبق اليها كبار الشهداء .. ألا والله إنكم المفلحون وقتلتكم هم الخاسرون .

ناصرية دورتموند

16 حزيران 2009