الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -25

حرب وسجن ورحيل -25

حتى المجانين لم يسلموا من براثن الأجهزة الصدامية القمعية في تلك الفترة السوداء من تأريخ العراق فبدلا من أخذهم ألى المستشفى لعلاجهم وهذا ماأمر الله به لكن الذين لايعرفون الله جاؤوا بهم بهم ألى السجن لسبب واحد هو أن حظهم أولئك المجانين العاثر يتنافى ورغبات تلك الأجهزة القمعية في مراقبة حتى المجانين لتأمين حماية تامة للنظام بتعليمات مباشرة منه . وأتذكر هنا أغنية غناها المطرب العراقي ياس خضرالذي أتمنى له الشفاء فيها مقطع يقول : ( مالذة العيش ألا للمجانين ) ولو استطعت لقلت للشاعر الذي كتب القصيده أن يغير كلمة المجانين ألى الثعابين ويقول: ( مالذة العيش ألا للثعابين ) تلك الثعابين التي نمت وترعرعت في مراتع الجريمة والغدر وكانت أداة قمع لتنفيذ كل ماأمرت به من أجرام يفوق الوصف ويتعدى العقل البشري والظلم لو دام دمر وبعد أن أهدرت تلك الأفاعي السامة حقوق البشر في العراق هربت من ساحة الميدان عندما حان النزال وحملت ماحملت معها من أموال سرقتها من دم الشعب العراقي وقوته ألى دول الجوار واليوم تطلق فحيحها وتذرف دموع التماسيح على ماحل بالعراق وشعبه من جراء الأحتلال ولا أمل لها سوى ب ( المقاومه ) التي ستعيد لها مجدها الغابر لتعيد الكره وتتربع على جماجم الناس من جديد .
ولم يعد قول الشاعر :
وحلاوة الدنيا لجاهلها – ومرارة الدنيا لمن عقلا
له مصداقية في زمن الطاغوت لأن الطاحونة الصدامية طحنت الجميع العقلاء والمجانين معا ولم يعد للمجانين لذيذ العيش في تلك الظروف القاهره وقد عانوا من الظلم الكثير أضافة للمصيبة التي هم فيها . لقد كانت مجموعة من أولئك الأبرياء المساكين يقبعون معنا في مؤخرة القبو الذي كانت تتواجد فيه براميل القمامة والمراحيض وكأنها سرداب صغير داخل ذلك القبو الذي كنا نتواجد فيه حيث كانوا يجلسون القرفصاء متلاصقين مع بعضهم البعض قرب براميل القمامة المشوفة التي تمتلأ كل يوم ويخرجها سجينان بالدور . كان أولئك المجانين عراة تماما في تلك الزاويه وعددهم سبعة أو ثمانية على ماأتذكر وكان أحد السجناء وهو سوري الجنسيه حيث صودرت سيارته المارسيدس المحملة بالبضاعة المتوجهة ألى الخليج هو وأثنين من زملائه قرب محافظة واسط لمخالفتهم التعليمات الكمركيه حسب ادعاء السلطات وقد زج بهم في السجن ريثما يحدد وقت محاكمتهم وسآتي على شرح قضيتهم في وقت آخر . لقد كان ذلك الشخص السوري مولعا بسكب الماء على أولئك المجانين المساكين بوسطة سطل كان في السجن وكان الماء غزيرا في ذلك الوقت وهو الشيئ الجيد الوحيد وعندما كان يصب عليهم الماء صبا كانوا يبدون في غاية السعاده حيث أن البالوعة التي تحتهم تلتهم الماء بسرعة فائقة وكأن أحدا ما يدغدغ مشاعرهم فيرفعون أصواتهم بكلمات غير مفهومة وهم يضحكون ويؤشرون بطلب سكب المزيد من الماء عليهم وسط تلك الأجواء الملتهبة وجو السجن الخانق بالحرارة والدخان
وكان يحظون برعاية كل السجناء وعطفهم ويجلبون الطعام لهم من الطباخ أثناء التوزيع وكان ذلك الرجل السوري يقول أن الله ألهمني لمساعدة هؤلاء المساكين وتنظيفهم عسى أن يفرج عني كربتي التي أنا فيها وقد حدث نوع من الصداقة بينهم وبينه وحينما يقبل عليهم يهشون ويبشون له وقد لاحظ السجناء
أن أحدهم يضع الطعام الذي يعطى له في برميل القمامة مباشرة وينهض بعد منتصف الليل ليبحث في البرميل ويأكل مايجد فيه وقد حاولوا منعه من ذلك فلم يفلحوا وحاول أحد السجناء خزن الطعام وتقديمه له في منصف الليل فلم يأكله ألا بعد أن يرميه في برميل القمامه وكنت أشك بأن العديد منهم مصاب بأمراض وغالبا ماكانوا يحكون جلودهم وفروات رؤوسهم بأظافرهم الطويله وقد تعهد بعض السجناء بقص أظافرهم وفعلوا ذلك لفترة معينة لكنهم لم يستمروا لشدة الروائح الكريهة التي كانت تنبعث من أجسادهم وطالب السجناء بنقلهم ألى مكان يتلائم ووضعهم ولكن ذهبت نداآتهم مع أدراج الرياح .
وفي الليل كانوا يتكومون على بعضهم ويبدون وكأنهم أجساد متلاصقة ببعضها ولو رآهم مسؤول عن حقوق الأنسان على تلك الحاله لما صدق عينيه ولكن لم يوجد شخص يحمل تلك الصفه في تلك الظروف ولو حملها فأنه يغطي على عورات النظام لأن النظام لايسمح لأي شخص لاينتمي أليه بزيارة أي سجن من سجون العراق الكثيرة آنذاك . وقد لفت انتباهي شخص مجنون أسمه( عبد الرضا الشلولو ) وكان المسكين مولعا بجمع الخرق البالية وشدها في كيس حول نفسه ولم يؤذ في يوم ما أحدا قط لابل أنه كان يتلقى الأذى من بعض الصبية والمراهقين وهو يبتسم وعندما كان ينهض صباحا يسأله السائلون (عبد الرضا وين رايح ؟) فيجيبهم ( على باب الله ) أي لممارسة جمع الخرق الباليه ولاحقه أحد الأجا نب يوما بكامرته ليلتقط له عدة صور وهو يجمع الخرق حول بطنه وظهره لأنه كان يعتبرها حالة غريبة وبعدها قبض عليه من قبل الأجهزة الأمنية وصودرت كامرة الشخص الأجنبي مع الصور لأنهم اعتبروها انتهاك للقانون في زمن الحرب وقبع عبد الرضا عاريا مع جماعته في ذلك السجن وعندما كان يسأله السجناء (عبد الرضا ليش جابوك هنا ؟) فيجيبهم المسكين ( أمر حكومه ) وعبد الرضا يعرفه جميع أهل الكوت وقد توفي قبل سنين بعد أن لحقه الظلم الصدامي دون أي ذنب اقترفه .
طلب مني بعض السجناء أن أكتب عريضه ألى مدير السجن جواد الحركاني لنصب مروحة ثانية في السجن فقلت لهم أن طلبكم هذا لن يلبيه أحد فألحوا علي أن أكتب العريضه فكتبتها وسلموها ألى أحد الشرطه ليضعها على طاولة مدير السجن وفي اليوم الثاني جاء جواد الحركاني وهو يرعد ويزبد ويهدد ويسب السجناء ومن كتب لهم العريضه وأخذ يوجه أسئلته نحونا ( اليوم طلبتوا مروحه باجر تطلبون اركندشن ) ( وين انتوا كاعدين ابيت اللي خلفكم لو بالسجن ) ( يبين بدت المطاليب يمكن أكو من يحرضكم ) ( تدرون لو ماتدرون هذا اللي اتسووه يعتبر تمرد ضد القانون ) ( هاي أول مره وآخر مره أشوف عريضه منكم ومره ثانيه ماتلومون الا أنفسكم أفتهمتوا ؟) ومزق العريضه وداسها بحذائه وذهب . فقلت لهم ألم أقل لكم أن طلبكم هذا بعيد المنال فسكتوا ورضخوا لحكم القوي الذي لايرحم .
جيئ في أحد الأيام بسجل من قبل كاتب السجن محمد وأخرجونا واحدا واحدا تحت الحراسة المشددة للتوقيع على تعهد شخصي بعدم مس الرئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادتين القطرية والقومية بأية كلمة يشتم منها رائحة المعارضه وأن حدث ذلك فالعقوبة هي الأعدام في زمن الحرب وقد وقع الجميع على أعدامهم حتى المتهمين بسب الرئيس سابقا تم تثبت عملية الأعدام عليهم أما المجانين فقد أخذ ت بصماتهم.
كان مفوضوا الشرطة متفاوتين في سلوكهم بين الشدة والعطف على السجناء وكان أفضلهم صبار (أبو عادل ) حيث يجلب لهم بعض الحاجيات من ذويهم ويشتري لهم مايطلبونه من السوق وأمور أخرى يقوم بها كانت تصب في صالح السجناء وكان يسمعني دائما جملة (الله كريم أنت طالع ميه بالميه ) أما المثل الأسوأ في السلوك المشين فكان المفوض سليم وكأنه نسخة طبق الأصل من مدير السجن فكان سيئ الخلق والسلوك ولا يتورع عن سب السجناء وأسماعهم الكلمات النابية وتهديدهم بالويل والثبور والتشدد على الزائرين وطردهم قبل انتهاء الوقت المحدد للزياره وكان في العشرينات من العمر ويلقبه السجناء ب ( العكرب )
لأعد ألى عالم السجناء ومنهم ( أبو عادل ) وكانت لذلك السجين قصة غريبة حيث هربت أبنته مع عشيقها وقد فشل في البحث عنها وبعد فترة من الزمن جاءه شخص وأخبره بأنه يعلم بمكان أبنته وعشيقها ومستعد لآستدراجهما ألى مكان معين يتفق عله مع أبيها وعليه الباقي وقد ساومه على مبلغ معين واستلم شيئ من المبلغ المتفق عله لقاء جلب ( العشيق ) الضحيه وفي الموعد المحدد كمن أبو عادل في المكان المخصص وهو يحمل رشاشته الكلاشنكوف التي استلمها من المنظمة البعثية في المنطقه باعتباره مقاتلا في الجيش الشعبي وجيئ بالضحية الذي لاعلاقة له بالقضية ألى المنطقة المحددة باعتباره العشيق الذي خطف أبنة أبا عادل وهو لايعلم بأن مقتله قد غدا قاب قوسين أو أدنى وما أن دخل المكان المحدد حتى ابتعد عنه ذلك الشخص الذي استدرجه ألى المكان ليصوب له أبو عادل رشاشته نحو صدره ويفرغ عدة رصاصات فيه ويحوله ألى جثة هامدة ويدفن بواسطة الشخصين في أحد البساتين . وهنا طلب أبو عادل الشخص الذي جلب ( العشيق المزيف ) بالتعرف على مكان أبنته وبدأ ذلك الشخص بالمراوغه وطلب من أبي عادل التريث والصبر وادعى بأن الدار الذي تعيش فيها أبنته قريبة من أحدى الدوائر الأمنية والقضية تحتاج ألى حكمة بعد قتل ذلك الشخص البريئ وظلت المماطلات مستمرة وطلب مبلغا آخر لحسم الموضوع وأثناء تلك الفتره أخذت عائلة المغدور تبحث عن أبنها وبلغت الشرطة بذلك وبدأ التحقيق مع الكثيرين من أهل القريه ومن بينهم (أبو عادل ) الذي قتل شخصا بريئا ولم يعثر على ضالته بعد أن خدعه ذلك الشخص الذي ادعى كذبا بأنه يعلم بمكان أبنته وعشيقها وأخيرا اعترف أبو عادل بجريمته وذهب مع الشرطه لأظهار جثة البريئ الذي قتله برشاشة (الجيش الشعبي ) وأخرجت الجثة وسلمت ألى أهلها وجيئ بأبي عادل والشخص الذي خدعه ألى السجن ولم يعثر على أبنته وعشيقها بعد أن قتل شخصا بريئا وعندما كان يسأله السجناء هل يشعر بتأنيب الضمير عن قتله لذلك الأنسان البريئ كان يجيب ( بالله غيروا الموجه مدكلي شلكم بها الحجي شي ايريد أيصير من وره هاالجلب ابن الجلب اللي مايخاف ألله واللي دخل براسي القضيه وخلاني أصدك بيه ) وكان يشير ألى صاحبه الذي ابتزه وخدعه والذي كان قابعا في أحدى زوايا السجن ويبقى صامتا طول الوقت ولا يرد على أي استفزاز وكأنه أصم .
وأريد أن أقول شيئا أن أكبر جريمه بحق البشريه هي انتهاك حقوق الأنسان البريئ في أي زمان ومكان لقد شهدت انتهاكات وانتهاكات لايحتملها العقل البشري السوي وأحذر كل من ينتهك حقوق أنسان بريئ ولابد له أن يتلقى العقاب الألهي أن لم يتلق العقاب الوضعي وستبقى روح الأنسان البريئ في عالم البرزخ تطالب بحقها من الذين ظلموها ولن تهدأ أبدا ألى أن يأخذ الله حقها من ظالميها .
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم .) 42- الشورى .

جعفر المهاجر – السويد