الرئيسية » مقالات » هل الإنسان أولاً أم إثنيته وقوميته ودينه ومذهبه وفكره؟

هل الإنسان أولاً أم إثنيته وقوميته ودينه ومذهبه وفكره؟

صدر منذ سنوات الكتاب القيم للكاتب والروائي المعروف الأستاذ أمين معلوف تحت عنوان “الهويات القاتلة”, وقد حظي هذا الكتاب باهتمام كبير من جانب الكتاب والقراء على حد سواء. وقد تسنى لي قراءة هذا الكتاب الإنساني بإمعان وأخذت منه بعض المقتطفات حين كتبت بعض مقالاتي مشيراً إلى أهميتها وداعياً إلى الاهتمام بمضمون هذا الكتاب وخاصة في دول منطقة الشرق الأوسط المتعددة القوميات والأديان والمذاهب والعقائد الأخرى وذات الاتجاهات الفكرية العديدة. ومن لم يتسن له قراءة هذا الكتاب, أملي أن يسعى للحصول عليه ومطالعته. ويحمل هذا الكتاب إلى القارئات والقراء فكرة جوهرية أساسية هي أن الإنسان هو الأول وهو الأساس وليست هويته أياً كانت, خاصة وأن إنسان الشرق الأوسط, لا يحمل هوية واحدة بل هويات عديدة لا يمكن ولا يجوز تقليصها إلى هوية واحدة, ولكن الأهم من كل ذلك والذي يجمع بين البشر هو الإنسان ذاته الذي يفترض أن يُحترم وأن يمارس حقوقه وواجباته بمساواة تامة ودون تمييز وبعيداً عن الهويات المفرقة للبشر.
وحين نشرت مقالي الموسوم “هل يحق للعرب والمسلمين إنكار المحارق والمجازر الفاشية ضد اليهود”, مشيراً إلى المحارق الرهيبة والمجازر الدموية التي ارتكبت بحق الإنسان في ألمانيا الهتلرية, وخاصة ضد اليهود والعدد الهائل منهم الذين قتلوا على أيدي العصابات النازية الفاشية, كتب المدعو السيد أبو نيرودا الذي خجل من ذكر اسمه الصريح بسبب عدوانية وعنصرية التعليق الذي نشره في الحوار المتمدن بتاريخ 11/6/2009 وتحت عنوان “ما هكذا تورد الإبل يا دكتور كاظم” يقول: ” دكتور كاظم ماعرف مادخلك بالموضوع هل انت يهودي وهل ماتدعية اسرائيل والصهيونية العالمية صحيحا ؟ نعم هناك مجزرة ولكن من يقف وراء المجزرة لماذا القفز على الحقائق؟ كل اليهود في اوربا كانو مليونان فكيف هتلر قتل سته؟لماذا لا يقبل اليهود بالتحقيق ولماذا كلما انتقد احد او اراد البحث انقلبت الدنيا ولم تقعد ؟ ارجوك يا دكتور كاظم ان تعتذر للعرب على تهجمك لصالح فئه انت تعرفها.” أترك للقارئ معرفة الأخطاء النحوية والإملائية الكثيرة في هذا المقطع القصير. وهذا ليس بالأمر المهم, إذ من المحتمل أن يكون الرجل لم يحظ بعناية المدرسين أو لم يكن مجتهداً لتعلم اللغة العربية. إذ أن الأهم من كل ذلك هو ما ورد في هذا المقطع القصير من أفكار بائسة وذات وجهة شوفينية وعدوانية. ومع شكري للأخوة السادة الذين كتبوا مشيرين إلى الأخطاء الفكرية التي ارتكبها, فلا بد لي من مناقشته لتبيان الخلل والأخطاء القاتلة التي ارتكبها في ما كتب وليس كل الأخطاء التي تستوجب المناقشة.
لم يبرهن الأخ أبو نيرودا على أنه لا يعرف شيئاً في فن الكتابة والإملاء فحسب, بل لا يعرف شيئاً عن التاريخ الأوروبي وعن عدد السكان اليهود في أوروبا حينذاك وتوزيعهم الجغرافي, في حين كان في مقدوره أن يعود على الحاسب الإلكتروني والإنترنيت ليوفر له الأرقام الدقيقة عن عدد سكان أوروبا التي وقعت تحت الاحتلال الألماني أو التي كانت ضمن مناطق المعارك الحربية في الحرب العالمية الثانية أو التي سارت على طريق الفكر العنصري لهتلر. لقد أصبح الإنترنيت يوفر مثل هذه الإمكانية لأبسط الناس, فكيف بمن يحاول التعليق على قضية مهمة من هذا القبيل. فالدخول إلى google أوYahoo كفيل بمساعدة أي إنسان في الحصول على المعلومات الضرورية عن عدد مواطنات ومواطني الدول الأوروبية في العقد الرابع والخامس من القرن العشرين. وأنصحه أن يقوم بذلك, إذ كان الأجدر به أن يقوم بذلك قبل أن يرد على ما كتبته. ويتساءل أبو نيرودا, بعد أن يعترف بوجود مجزرة ضد اليهود وغيرهم, ولكن من يقف وراء هذه المجزرة؟ والسؤال بطريقة صياغته يوجه الاتهام إلى الصهيونية العالمية التي كانت تسعى إلى إقامة وطن لليهود في فلسطين وفق وعد بلفور 1917. دعني أقول بأن الصهيونية قد رغبت في كل الأحوال بأن تقنع اليهود في مختلف بقاع الأرض للهجرة إلى فلسطين, ومنها يهود ألمانيا. ولكن هل بهذا السؤال يريد أن ينفي عن النازية الألمانية صفة الفاشية والعداء للسامية واليهود منهم على نحو خاص؟ هل يريد أن يبرئ, حتى لو كانت الصهيونية هي المسئولة جدلاً, الأداة التي نفذت تلك الجريمة البشعة بحق مواطنات ومواطني أوروبا بتلك الوحشية؟ أمر غريب ومنطق أفلج يمارسه كل من فقد الرؤية الإنسانية السليمة وبوصلة التفكير العقلاني! كانت الصهيونية العالمية دون أدنى ريب تسعى إلى أن يهاجر يهود أوروبا إلى فلسطين, ولكنها لم تنجح في ذلك, كما فشلت في الثلاثينيات والأربعينيات في إقناع يهود العراق للهجرة إلى فلسطين, لأن مواطنات ومواطني أوروبا والعراق كانوا متمسكين بالبلد الذي ولدوا فيه وعاشوا فيه وعملوا فيه وأصبحوا منذ مئات السنين جزءاً من شعوب تلك البلدان. ولكن الفاشية التي عمدت إلى قتل اليهود وتصفية وجودهم في أوروبا هي المسؤولة عن تلك الجرائم البشعة في ألمانيا وعن هرب من استطاع الهرب من أوروبا على الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الدول للحفاظ على الحياة. والقوى القومية العربية اليمنية والفاشية هي التي كانت مسئولة عن الفرهود في العراق وهي التي دفعت اليهود لمجموعة من اليهود للتفكير بالهجرة, في حين أن قرار إسقاط الجنسية هو الذي فرض عليهم الهجرة القسرية. لقد قال العرب بحق “أجلس أعوج ولكن أحكي عدل أو باستقامة “, وكم كان مهماً للسيد أبو نيرودا أن يلتزم بهذه الحكمة المجربة
ثم يتساءل هذا السيد فيقول “دكتور كاظم ما أعرف دخلك بالموضوع هل أنت يهودي…. والسؤال هو أقبح من فحوى بقية التعليقو إذ أنه ينفي عن الإنسان إنسانيته ويربطه بهوية معينة ثانوية. والسؤال المضاد هو: هل ينبغي للإنسان أن يكون يهودياً لكي يشجب ما حصل لليهود في ألمانيا أو في بقية أنحاء أوروبا في زمن الهتلرية أو ما حصل لهم في العراق في فجيعة الفرهود في 1 و2 من شهر حزيران/يونيو 1941 وما نشأ عنها من مخاوف لدى اليهود؟ هنا يفترض أن نعي تلك الموضوعة التي أدت إلى عواقب وخيمة في العلاقات بين البشر, أي العلاقة بين “أنا” و “الآخر”. ينسى هؤلاء الناس الذين يطرحون المسألة: أنا الأفضل والأحسن والأفهم ومن الإثنية الأرقى والأعلم, في حين ينحدر الآخر من الأدنى والأسوأ والأكثر جهلاً, بأنهم ينطلقون من أرضية التمييز بين البشر وينطلقون من أحكام مسبقة ونمطية متخلفة في الرؤية إلى الذات وإلى الآخر. إن إدانة محارق ومذابح اليهود في أوروبا أو عمليات القتل والسلب في الفرهود أو مذابح الأنفال في كُردستان العراق أو المذابح في أفريقيا من البيض ضد السود أو المذابح ضد شعب دار فور في السودان … الخ لا تحتاج لأن يكون الإنسان يهودياً أو مسلماً أو مسيحياً أو من أي أثنية أو قومية معينة أو من السود أو البيض لكي يدين هذه المجازر, بل يكفي أن يحس الفرد, امرأة كانت أم رجلاً, بأنه إنسان ويتعامل مع أخيه الإنسان, لأن الإنسان هو اثمن ما في هذه الدنيا بغض النظر عن هويته الأثنية أو القومية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية, حتى الإنسان العنصري أو الفاشي لا يجوز قتله, وفق ما أرى, بل وضعه في السجن, إن ارتكب الأخطاء أو مارس الدعاية الفاشية والعنصرية لتجنب احتمال ارتكابه جرائم بحق الناس لأنه في مثل هذه الحالة غير محسوب العواقب. الإنسان هو الأول وليس الدين أو المذهب أو القومية أو أي شيء آخر. إذ أن كل ذلك يأتي بالدرجة الثانية, ولا هوية يمكن أن تعلو على هوية الإنسان.
السيد المعلق على مضامين مقالي المشار إليه سابقاً نسى تماماً أو لا يعرف شيئاً عن محاكم نورنبيرغ في ألمانيا التي عقدت في الفترة بين 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1945 و1 تشرين الأول/ أكتوبر 1946, إضافة إلى محاكمات أخرى جرت في دول أوروبية أخرى في أوروبا وفي اليابان ضد مجرمي الحرب وضد الذين ارتكبوا جرائم جماعية وضد الإنسانية, وفي مقدمتها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود أو ضد المجموعات البشرية الأخرى ومنهم الغجر (السنتي والروما) في أوروبا أو ضد المسيحيين والشيوعيين والاشتراكيين من جانب النازيين وأتباعهم في أوروبا من منطلقات عنصرية وفاشية استبدادية ومعاداة الآخر. إنا لست مسيحياً أو إيزيدياً أو صابئياً مندائياً عراقياً, كما لست كردياً أو تركمانياً, ولكني شجبت وأدنت كل الجرائم التي ارتكبت في العراق ضد هذه المجموعات البشرية من مواطنات ومواطني بلادي, العراق, وكذلك شجبت وأدنت تلك الجرائم التي ارتكبت من الإسلاميين السياسيين المتطرفين والمليشيات الطائفية المسلحة ضد المسلمين السنة والشيعة في السنوات الست المنصرمة أو في فترات حكم القوميين والبعثيين. والسبب في ذلك هو أني كأي إنسان سوي آخر أحس مع بقية البشر بإنسانيتي, وحين يفقد الإنسان إنسانيته يتصرف كقومي وكمسلم وكمسيحي ويهودي …الخ متعصب في مواجهة الإنسان الآخر, أي ينطلق من مواقع التمييز بين البشر. وهو الخطأ الفادح الذي عرض البشرية إلى الكثير من المجازر العنصرية الجنونية, بما فيها الحروب الصليبية أو موقف البيض من السود في الولايات المتحدة على امتداد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أو حتى النصف الأول من القرن العشرين, وبعض التمييز لا يزال قائماً, بالرغم من انتخاب أوباما, لدى بعض قوى البيض في الولايات المتحدة. يمكن للسيد أبو نيرودا أن يطلع على موقع الحوار المتمدن على مقالاتي المنشورة حول العنصرية والفاشية وعواقبها على البشر. وللعلم لم يرفض اليهود في أوروبا أجراء التحقيقات بشأن تلك المجازر, بل كانت هناك معاهد علمية أنجزت الكثير من الأبحاث والدراسات الميدانية حول دور الفاشية والنظام النازي, ولا تزال هناك دراسات مهمة بهذا الصدد. ويمكن قراءة مئات الكتب حول تلك الجرائم التي يندى لها جبين البشرية بالعار والشنار.
حين يتنكر المدعو محمود أحمدي نجاد لجرائم الفاشية أو “الهولوكوست “, فهو لا يجسد إنسانية وعدلاً وموضوعية, بل يعبر عن فكر ونهج سياسي ودعاية فاشية قومية ودينية متعصبة بشعة. وسيقود إيران إلى عواقب وخيمة بعد أن انتخب بالتزوير لرئاسة الدولة ثانية, كما تشير الأخبار العالمية والمعارضة الإيرانية. إنها البداية لنهاية محتملة غير قصيرة لهذا النظام الإسلامي المزيف والبشع في إيران.
لقد طلبت من الأخوات والأخوة العرب الذين سكتوا عن تلك الجرائم وأيدوا الدكتاتور أو هللوا له أن يستنكروا الجرائم التي اقترفها النظام البعثي ضد الشعب الكردي وضد الكُرد الفيلية في العراق, كما طلبت منهم أن يستنكروا الجرائم التي ارتكبها نفس النظام ضد العرب في الوسط والجنوب أو في مناطق غرب بغداد, لأن ذلك تعبير عن وعي متأخر, ولكن ضروري لبشاعة الجرائم التي ارتكبت. وأشرت إلى ضرورة الاعتذار لأن النظام اقترف تلك الجرائم باسم العرب والعروبة والدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية. وهو مطلب عادل لا لأنهم اشتركوا في ارتكاب تلك الجرائم, بل لأنهم سكتوا والساكت شيطان أخرس, أو أيدوا وهللوا وبالتالي فهم قد ساهموا بصورة غير مباشرة في ذلك. أما أن يطلب مني الاعتذار للعرب حول ما قلته عن أولئك الذين ينكرون تلك الجرائم البشعة فهي المأساة والمهزلة, وهو تعبير عن عقلية سقيمة ورؤية بائسة.
إن احترام الرأي والرأي الآخر ضروري جداً, شريطة أن يبتعد هذا الرأي عن فكر العنصرية والفاشية أو تأليه الدكتاتورية أو الدفاع عن جرائمها مجتمعة ضد الإنسانية.

15/6/2009 كاظم حبيب