الرئيسية » مقالات » انتخاب نجـاد… إعلان حـــــــرب

انتخاب نجـاد… إعلان حـــــــرب

من يتابع الوضع الإيراني و كيفية إدارة النظام للأمور يمكن له أن يطلق حكما غير دقيق أو موضوعي على الأمور هناك، فها هو الباحث الأمريكي ذو الأصل الإيراني علي إلفونيه ينقل عن جايمس دوبينز الباحث في مؤسسة راند قوله: (بعد إسرائيل و تركيا، إيران هي الأمة الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط) و ينقل أيضا عن ريتشارد أرميتاج و الذي كان عضوا مهما في إدارة الرّئيس السابق جورج بوش (الإبن) قوله: (لاحظت أن هناك اختلافا دراماتيكيا “مثيرا” بين إيران و العضوين الآخرين في محور الشر ـ يقصد كوريا الشمالية و عراق صدام حسين ـ و هو كونها ديمقراطية). غير أن علي إلفونيه يعترض بالقول أن المظاهر أحيانا تكون خدّاعة، فالانتخاب في إيران يمثل تقليدا شكليا أكثر من كونه تغييرا حقيقيا.

و هنا لست خبيرا في تفاصيل الانتخابات بحيث أحكم مسبقا بكونها مزورة أو “تمثيلية” تديرها السلطة و ما إلى ذلك من الأحكام المسبقة العاطفية التي لا تقوم على أساس من الواقع، لكن المثير هنا هو أن كل المؤشرات و استطلاعات الرأي كانت تشير إلى تفوق كبير للإصلاحي “مير حسين موسوي” خصوصا و أنه كان المرشح الأكثر انفتاحا سواء تجاه الخارج أو تجاه المسائل الداخلية من حقوق و حريات و إصلاحات ديمقراطية، المفاجيء هو حصول العكس ـ و كان موسوي أعلن خلال وقت مبكر فوزه بما يفوق 60% من مجموع المصوتين ـ إذ حصل أحمدي نجاد على أكثر من 62% من الأصوات.

انتهت الانتخابات بهذه النتيجة التي يبدو لي أنها كانت نصرا لشخص “علي الخامنئي” المرشد الأعلى ـ و الذي يفترض به أن يكون كذلك مدى الحياة ـ فهو يملك دستوريا صلاحيات تفوق صلاحيات الرئيس و صلاحيات البرلمان “مجلس الشورى الإيراني”، و هو قادر على احتواء أي نتيجة تفرزها صناديق الاقتراع، و لهذا نجد أن كل الانتخابات التي جرت في إيران لم تشكل أي تهديد لمركز الولي الفقيه “الفقيه السلطان” حتى في زمن الرئيس الأسبق محمد خاتمي، لأن كل المرشحين و على الدوام هم من ذلك النمط الذي يتناسب و مصلحة المرشد الأعلى و مجلس الخبراء “مجلس خبركَان” حيث يحصر الترشيح في نمط معين، لا على أساس المذهب بل حتى على أساس الولاء للقائد على خامنئي الذي يمسك كل الخيوط في يده.

كانت الولايات المتحدة و أوروبا و الأمم المتحدة تنتظر من إيران أن تنتخب حكومة أكثر قابلية للتفاهم و الحوار خصوصا فيما يتعلق بملف إيران النووي و الذي ألقى بظلاله على المنطقة و العراق و على عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن يبدو لي أن إسرائيل ستكون أكثر ارتياحا لانتخاب محمود أحمدي نجاد، فلو انتخب الإيرانيون حكومة إصلاحية ذات خطاب سلمي براغماتي و واقعي، لربما كان تفادى النظام الإيراني المواجهة الدبلوماسية و حتى العسكرية مع الغرب، لكن استمرار نجاد في السلطة ـ و الذي تذكرنا خطاباته بخطابات صدام البعثي و القذافي المجنون ـ المعروف بتهديده لإسرائيل و ملء الفراغ في العراق ـ حسب تعبير نجاد ـ و مواجهة الغرب و جعل إيران دولة عظمى، كل هذا سيدفع بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، و الذي يبدو مهادنا لإيران لحد الآن، إلى انتهاج سياسة صارمة و حتى التلويح بالعصا (القوة العسكرية) إذا ما استمر النظام الإيراني في رفضه إيجاد منظومة استقرار في الشرق الأوسط و التدخل في الشأن العراقي و دعم النظام الإيراني ـ حالهم حال السعودية و الدول الأخرى ـ للإرهاب و ما يسمى “مقاومة”.

ربما يرى البعض أنني متسرع في وصف انتخاب ـ و أشكّ في حقيقة هذا الانتخاب ـ أحمدي نجاد بأنه “إعلان حرب”، لكن أفترض أنني أقيم هذا الرأي على أساس من القراءة الواقعية للأمور، فخطاب المواجهة الأيديولوجية و العزة القومية يكون مصيره على الدوام حربا كارثية كالتي أشعلها الدكتاتور المهزوم صدام حسين، كما أن إيران تمثل في رأيي تهديدا أكبر حتى من دولة مصنعة للإرهاب كالسعودية، فدون كل الدول المجاورة و الإقليمية للعراق ـ باستثناء تركيا و الكويت ـ ترفع هذه الدولة شعار “الانتخاب الحر”، غير أن هذا الشعار يخفي تحته مظهرا قبيحا من الدكتاتورية و اضطهاد الحريات الشخصية و العامة و تسن قوانين تحض على الكراهية تحت غطاء الدين و باسم التشيع ـ المذهب الذي كان خارج السلطة على الدوام إلى جانب الفقراء ـ لذلك نجد أن إيران تشبه نظام “الخلافة” الذي ينادي به الإسلام الأموي و أسامة بن لادن، هذا النظام الذي لطخ التاريخ الإسلامي بالدم و الجرائم و اضطهاد العقل، و الأكيد أن تجربة العراق الجديد ـ على علاتها ـ قد هزت العقل الإيراني و أصبح التشيع حرا من جديد منذ أن حرر الأمريكيون مدينة النجف “عاصمة أمير المؤمنين” بحيث أصبح إيران تابعا للعراق و ليس العكس، فمرجعية السيد علي السيستاني الذي رفض “حكم الشيعة كطائفة” أسست لحكم الأغلبية السياسية للعراق و هو ما كان ردا قطعيا و مفحما لمحاولات الإيرانيين لجر شيعة العراق نحو الفخ الطائفي و بالتالي و بعد أن يغرق العراق في صراع طائفي سيكون بمقدور الإيرانيين الهيمنة على القسم الأكبر من العراق لحماية “الطائفة الشيعية” من “الطائفة السنية” و التي ستدعم من أنظمة طائفية أخرى، هذا الموقف السيستاني فتح الأبواب أمام المشروع الوطني العراقي و سيكون من الغريب فعلا أن يكون السيستاني ـ الذي يتهمه البعض بأن أصله الإيراني له دور في فتواه ـ هو منقذ العراق من الطائفية على عكس البرلمان “الذي انتخبه العراقيون بأنفسهم” و الذي لم يصدر لحد الآن أي قوانين حقيقية تنقذ المواطن.

إذا فمن الخطأ أن نرى أن كل ما هو إيراني فهو شرير، و لكن الأكيد هو أن الإيرانيين بحاجة ماسة إلى التغيير و إلى إزاحة “الولي الدكتاتور”.