الرئيسية » مقالات » حملوا الزهورَ إليهم (إنتخابات عابرة للقارات …)

حملوا الزهورَ إليهم (إنتخابات عابرة للقارات …)

الأحد 07 حزيران 2009. يومٌ مشرق ودافئ في مونتريال البعيدة عن مسرح الانتخابات النيابية في لبنان. مونتريال بعيدة .. لكن لبنان قريبٌ جداً ومنطلق بامتياز مثل صاروخ عابر للقارات، عبر كل الوسائل الإعلامية التي تتناول انتخاباتِه عناويناً لها.
لأول مرة، أتمنى أن أُدْخِلَ ورقةً مطويةًً في شقِّ صندوقٍ، فتهبطَ الأسماء دون أن تسقط.
لأول مرة، أتمنى أن يعود بي الزمن إلى الوراء كي أقرأ كل قوانين لبنان الانتخابية وغير الانتخابية، المعدَّلة والمنسية، وأمارس دوري كمواطنة مثلما أفعل هنا في كيبيك.
لأول مرة، تغلبني الشاشة بأرقامها المتصاعدة تارةً والهابطة تارةً أخرى .. إني في كل ليلة ” أكبس زر كمبيوتري الصغير ” فيغفوَ في ليلٍ داكنٍ .. لن أجرؤ هذا المساء على مسَّ ذلك الزر المبتسم مثل تلك الدوائر الصفراء الصغيرة التي تتنطط أمامنا في محادثات الماسنجر، قبل أن أعلم من الفائز وفي أي اتجاه ستحمل الرياح لبناني الصغير.
لأول مرة، يرتابني قلقٌ مخيف من أن تتدلى أسماؤنا وأسماء من نحبهم كمشانق لأحلامٍ أقحوانية المصير في وطن مظلوم.
لأول مرة، ينهرني اليقين فأخنقَ شكي وحزني وخوفي وأسرق ورقةً من دفتري، أكتب عليها رقمين وأضعها بين صفحاتِ كتاب، وأنا طفلة كانت تقول لي الراهبة في المدرسة وأمي في البيت، بأنه مقدسٌ.
لأول مرة، لا أقرأ في كتاب إنما أغمضُ عيني بخشوعٍ أمامَه وأصلي كي أنجح.
لأول مرة، أربح دون أن أدرس أو أن أقرأ أو أن أكتب .. يبدو أن الصابرين يفوزون وإن طال انتظارهم لتحقيق أمنيات متهمة بالهذيان؟
لا لم نكن “نُهَلْوِس” مثلما قال لي أحد معارفي .. لقد ربحنا فدخلت “ثورة الأرز” التاريخ أيضاً وأيضاً وانتصر لبنان على الانهيار، وإن لإشعارٍ آخر!

* * * *
الاثنين 08 حزيران 2009. هو يوم أول لعهدٍ جديد.
هنا، ما يُسمى بالشمال الأميركي، يصحو النهار ولا يتثاءب .. يهبُّ وكأن الليلَ قد استغفله وأسكره كي ينام. هنا، حيث الرياحُ تعصفُ دون أن تعوي، تتراكمُ على الطرقات اعتراضات كثيرة وكبيرة مثل الجبال ولكنها كالثلوج تذوب وتختفي في زحمة الانتصارات الصغيرة.
هنا، لم أنسَ روحي بعد. لم أقص شعري، لم أخلع جسدي ولم أُحْسِن سلخَ بشرتي .. إن نصفي ملتحمٌ بنصفي ووطني الثاني مغتبطٌ بوطني الأول. أتكون الأوطان أدياناً؟
هنا، لم أنسَ روحي. لا أزال أبدأ نهاري بقراءة الأخبار، فاليوم يحتل لبنان الصفحات الأولى في كل المواقع والجرائد العربية والأجنبية.. احتفالات، انتصارات، انكسارات، خطابات، تأويلات، اعتراضات، تحليلات … كلها تمر ونتصفحُها مثل وريقات ” رزنامة “، غير الكترونية طبعاً، تنزلق بسرعة دون أن ننتبه أن لزمنِ كلٍ منا بدايةً واحدةً تُدْمَغ مع ولادة كل إنسان يُخْلَق في مدارِ حياتنا، أما النهايات فهي عديدة تكتتبُ على جباه المُغَيـَبين اغتيالا قسراً. مع كل اغتيال ارتُكِبَ، سقطَت صخرةٌ وشعَّ كوكبٌ في سماء ازدحمت فيها أرواح الشهداء.
الرهان كان على مربعٍ واحدٍ تحت لواء دولة نأتمنُها على أرضنا وعلى حقوقنا في داخل لبنان وفي المغتربات، ففاز المربع الواحد وسقط رهان المربعات. سقط من لم تهزه حرقتنا وحسرتنا وحزننا على من اغتيلوا كي يخرسوا وترحل معهم الحقيقة .. هم لا يدركون بأن حقيقتنا هي على الأقل بوسع 10452 كلم 2، هي بيروت ساحرة الشرق والغرب، هي قّسّمٌ بحجم عّظّمة لبنان، هي اعتدال حكيم في المحن وكلمة جريئة لا تُطّوَّع… الحقيقة هي أن بشير ورفيق وجبران وبيار ووو اللائحة طويلة … لم تتخلى عنهم الحياة إنما خلَّدهم الموت في استشهادهم لأجل لبنان. ونحن لم ننسّ .. قد نسامح ولكننا لا ننسى.
ثمة أخطار كثيرة تهدِّدُ لبنان وسلامه المتردد. الطريق طويل ومثلما الجميع يعلم، الصراعات ليست محلية-وطنية فقط إنما هي إقليمية ممتدة من عمق أعماق تاريخنا المتأرجح دائماً على كف عفريت. هي صراعات تخطت حدود المنطقة لتعبر قارات عديدة…
حتماً، الجبال لا تقع في لبنان، فبالرغم من كل الهموم المتراصة على الدروب، أرى نديم، سعد، نايلة وسامي يحملون الزهور إلى تربةٍ تحتضن من هم الأحب إلى قلوبهم وقلوبنا. أراهم في الصباح الباكر، قبل أن يصيح الديك وتطل الشمس مبتسمة رغم الحنين، يصلون، يدعون ويقسمون الا ينسوا أن كرامة الشعوب هي من كرامة أوطانها .. ونحن شعب لا نملك البترول ولا رؤوس نووية، نحن لبنانيون واللبناني لا يجيد إلا الحياة قبل وبعد الموت.

مونريال – كيبيك
10 حزيران 2009