الرئيسية » مقالات » هزيمة ( الممانعة ) في لبنان

هزيمة ( الممانعة ) في لبنان

مدخل لابد منه :
منذ أعوام وكما هو واضح وفي خضم تعارض القوى والمصالح على مختلف الدرجات والصعد يدور الصراع السياسي الأكثر سخونة في أجزاء واسعة من بلدان منطقة الشرق الأوسط بين معسكرين متواجهين عرفا با ” الاعتدال ” و” الممانعة ” الأول تتصدره أنظمة مصر والسعودية والأردن ودول الخليج الأقرب الى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وتدور في فلكه حكومات عربية أخرى في شمال افريقيا واليمن والى جانبه وبمقتضيات مصالح آنية ليست استراتيجية يحددها مسار الأحداث وبمسافات متفاوتة السلطة الوطنية الفلسطينية والحركة الديموقراطية اللبنانية في اطار قوى الرابع عشر من آذار وقوى وطنية مؤثرة في العراق وليبرالية وديموقراطية في سائر أرجاء البلدان العربية والثاني يمثله المحور الايراني – السوري وتتبعه قوى الاسلام السياسي الأصولي الطائفي مثل – حزب الله – اللبناني – و حركة – حماس – الفلسطينية ومختلف حركات الاخوان المسلمين في المنطقة والمجموعات الموسومة بالارهاب المتفرعة عنها والتيارات القوموية الأصولية من بقايا البعث بشكل خاص وجماعات مرتدة انحرفت عن الماركسية والحركات اليسارية الأخرى وبين الخندقين تقف تيارات سياسية وثقافية – محايدة – أو لامبالية أو رافضة للاثنين .
تمحور الصراع نظريا والذي حدد معالمه وشعاراته وعناوينه بطبيعة الحال كلا من نظامي طهران ودمشق ليس بالضرورة من أجل تحقيق ماهو معلن من القضايا الأساسية مثل تحرير فلسطين من النهر الى البحر والاراضي العربية المحتلة عبر المقاومة المسلحة ومواجهة الغرب بوسائل حربية والاطاحة بنظم الاعتدال وضرب المصالح الأمريكية وازالة اسرائيل بل استخدام تلك الشعارات المزاودة لتحقيق مأرب ومصالح في خدمة تفاوض النظامين مع أمريكا والغرب واسرائيل واستخدام القوى والمجموعات كأدوات ليس الا لقاء دعم مالي وأمني ولوجستي هنا وهناك وقد نتج عن ذلك التحالف غير المقدس أضرارا بالغة لحقت بحركة التحرر والتقدم والتنمية لدى مختلف الشعوب كما أدت الأعمال الارهابية الى اراقة الدماء في أكثر من مكان على حساب عشرات الآلاف من الضحايا في العراق ولبنان وفلسطين تلك الساحات المفصلية الثلاث التي تم التركيز عليها أساسا اضافة الى مواقع أخرى استهدفتها العمليات شملت أمريكا اللاتينية وافريقيا والسعودية ومصر والاردن لتحقيق مشروع محور ” الممانعة ” وتعزيز وتمدد النفوذ الايراني في الخليج خاصة وصولا الى لبنان وفلسطين والحفاظ على نظام دمشق المستبد المهدد بالسقوط المنبوذ من الشعب السوري .
وكان واضحا مدى استثمار هذا المحور للوضع المتردي في العراق بعد اسقاط الدكتاتورية العاتية وانهيار مؤسسات الدولة والأخطاء الفادحة التي ارتكبت هناك حيث احتاج العراقييون لمتسع من الوقت لاعادة الأمور الى نصابها عبر العملية السياسية الديموقراطية السلمية التي سارت ببطىء وبدلا من الآمال المعقودة على تعاون الجوار عاث المحور الممانع ارهابا وتقتيلا وتفجيرات في كافة أرجاء البلد المنكوب على غرار ما فعله ومازال في لبنان مسعرا الفتن بين الطوائف والقوميات معيقا سبل الحوار والتفاهم بين المكونات العراقية ومن أخطر ما يمارسه حتى الآن دفع القوى التابعة الى المغامرات العسكرية والاعمال الانتقامية واغتيال المخالفين ففي فلسطين دفع – حماس – بقرار سياسي الى تنفيذ الانقلاب العسكري في قطاع غزة على السلطة الشرعية الذي ألحق أفدح الأضرار بالقضية الفلسطينية وتصفية اعضاء ومراتب حركة فتح والسلطة الوطنية وعدم الالتزام بمتطلبات الحوار والمصالحة الوطنية والقرارات الدولية بشأن السلام والحقوق الفلسطينية وفي لبنان قام المحور مع شريكه – حزب الله – كما تشير الدلائل وآخرها الوثائق المنشورة في مجلة – دير شبيغل – الألمانية بتنفيذ اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ورفاقه وعشرات من رجال الدولة والاعلام والسياسة والثقافة كما دفع اعوانه الى اتخاذ مواقف كيدية واعتداءات بسلاح حزب الله على بيروت في السابع من أيار بالعام الفائت وسائر المناطق ورفض تداول السلطة ديموقراطيا والتعامل مع الآخر المخالف بلغة التهديد والتخوين والوعيد .
سقوط مشروع ” الممانعة ” :
كان لابد من سرد تلك الوقائع ولو بعجالة من أجل فهم مايرمز اليه الحدث اللبناني بانتصار قوى الرابع عشر من آذار الديموقراطية في الانتخابات البرلمانية على قوى الثامن من آذار المعبرة عن توجهات ومصالح الطائفية السياسية الخارجة من رحم الاسلام السياسي الأصولي والمسيحية السياسية والعصبيات المناطقية وبقايا القومويين والتيارات الفاشية الموالية لمحور طهران – دمشق في مواقفه الممانعة اللفظية وهو بلاشك واضافة الى أنه انتصار لشعب لبنان ووحدته الوطنية وتعايشه الحضاري ولديموقراطيته التي كانت مهددة بالزوال فانه يشكل هزيمة لمشروع ” الممانعة ” ليس في لبنان وحده بل في سائر أرجاء الشرق الأوسط وسيكون له التأثير البالغ على مستقبل النظامين المستبدين السوري والايراني والأوضاع الداخلية في البلدين ومخططاتهما تجاه العراق وعلى خطط حزب الله وحماس المغامرة تجاه لبنان وفلسطين وهو دليل أولي على امكانية انهيار وتلاشي ذلك التحالف الجديد – القديم بين الأصوليتين الاسلاموية – القوموية الذي كان مؤشرا سلبيا للأحداث في الأعوام الأخيرة جلب المزيد من المآسي والويلات وأقيم بمبادرة ورعاية تنظيم القاعدة وولاية الفقيه وحزب البعث وحركات الاخوان المسلمين .
يتفهم المرء حساسية الوضع اللبناني وكثرة الباحثين عن الذرائع في الداخل والجوار والأبعد للانقضاض على نتائج الانتخابات وتحويل هزيمة ” الممانعة ” الى انتصار الأمر الواقع حسب سوابق حاصلة وعلى ضوء ذلك يعذر المنتصرون على ” ابتلاع ” نصرهم من دون ضجة وعدم الايحاء بما يخدم أصحاب القلوب – المليانة – وفي الوقت ذاته لاينتظر المرء – تنظيرات – جادة وصائبة من أنظمة الاعتدال التي قد تختلف في التفسير والتقييم وقراءة النتائج حسب مصالحها ولكن ألايستحق الحدث اللبناني الكبير أكثر من وقفات تأمل من جانب كل وطني وديموقراطي أينما كان وحيث ما وجد في هذا الشرق أوسط الكبير ؟
الفلسطينييون والعراقييون من أكثر المرشحين للاستفادة من تجربة لبنان التي أثبتت عقم ومضار المشروع الممانع للسياستين الداخلية والخارجية وخطورته على الجذور التاريخية للتطور الديموقراطي في تجارب شعوب المنطقة باتجاه اعادة بناء ما هدمته ممانعتهما طوال السنين الماضية وتعزيز العملية السياسية ومسار الواقعية والاعتدال والمصالحات والتوافقات على قاعدة السلم الأهلي وتداول السلطة عبر الانتخابات وازالة الشبهات والبدع عن مبدأ التوافق الذي حاول الممانعون في لبنان تشويهه بالخلط المتعمد بين موقعيهما – حاكمة ومعارضة في آن واحد – والسير المتناسق مع مبادرات الادارة الأمريكية وأوروبا ومقترحاتها الجديدة بشأن الحل السلمي في فلسطين ومواجهة الارهاب والنفوذ الايراني العدائي ولجم الاندفاعات غير الشرعية الفالتة العنفية والمغامرة لتشكيلات الاسلام السياسي الباحثة عن السلطة والنفوذ واسكات أصواتها الاعلامية بالحجة والقانون التي تبث نوازع الفرقة والانقسام وتؤسس لثقافة الفتن الدينية والقومية والمذهبية ومن نماذجها الفاقعة قناتي – الجزيرة – و – المنار – .
نحن في سوريا وما نعانيه من منظومة الاستبداد الممانعة بمختلف مكوناتنا وتياراتنا السياسية منذ عقود أحوج ما نكون اليوم الى وقفة تأمل أمام الحدث اللبناني الذي سدد ضربة مؤلمة الى نظام بلادنا قد تتلاحق بتفعيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري ورفاقه بعد تشكيل الحكومة المقبلة والتي جاءت وستتواصل بعد الطرد المهين لقوات النظام من لبنان و تدل المؤشرات لدى استشراف المستقبل القريب على امكانية ازالة وهدم مختلف قلاع وبؤر الممانعة التي يستمد منها نظام بلادنا قوته وسطوته في مواجهة الشعب السوري مما يتيح المجال لامكانية التفكير ببناء معارضة وطنية سورية جامعة لامكان فيها لمثيري الفتن والمخادعين من أذناب الممانعة المتخفين من جماعات الاصولتين الاسلاموية – القوموية ومن منظري ” الشوفينيين الجدد ” الذين أشرنا اليهم في مناسبة سابقة معارضة تتسلح ببرنامج واقعي تغييري معبر عن مطامح ومصالح وحقوق السوريين بكل مكوناتهم القومية والدينية والمذهبية .