الرئيسية » مقالات » المطرب ستار جبار بلبلُ في بستانٍ محترق

المطرب ستار جبار بلبلُ في بستانٍ محترق

نجمُ ظهر في سماء الاغنية العراقية في عقد السبعينات انه المطرب ستار جبار ، لامس شغاف القلوب بصوته القوي الممزوج بالشجن العراقي الموروث ، وحزنه الخاص المعبر عن خصوصية حياته القاسية ، وما فيها من حرمان وعدم الاستقرار. ولـد ستار جبــار في مدينة الناصرية عام 1946 من أب مسلم وأم مندائية ، حيث كان ابوه جبار ونيسه كما كان يكنى نسبة الى اسم امه ، لأنه فقد والده مبكراً ، وأصبح برعاية أمه ، حيث إشتهر في تلك المدينة بغناءه وبصوته الجميل ، ومشاركاته المعروفة في الأفراح والاحزان ، حمل الفنان الراحل ستار جبار لقب أبيه ستار ونيسه لفترة طويلة نسبة الى لقب والده وعرف في مدينته الناصرية . منذ طفولته كان يستمع الى صوت والده جبار ونيسة وهو يتغنى بطور مبتكر هو طور الصبي الذي ابتدعه واصبح طوره الخاص ولقد اجاد في غناء اطوار عديدة كطور الحياوي الجديد ائنذاك والغافلي المتداول ، وقد كان خير من يغني طور الشطيت الذي اشتهر به المطرب خضير حسن ناصرية (خضير مفطورة) ومحيي يوسف ، اما طور الصبي الذي ابتكره وتخصص به فقد غناه الكثير من المطربين في تلك المدينة حتى غدا معروفاً إعتمده كل من غنى اللون الريفي ، واستمع ستار جبار الى اصوات مجموعة من المطربين المشهورين في مدينة الناصرية ، منهم خضير حسن ناصرية (خضير مفطورة ) صاحب طور الشطيت ، والراحل حسن داوود ، ومن بعدهم محمد قاسم الأسمر ، هؤلاء معلموه وهذه هي مدرسته الغنائية التي تعلم منها ستار جبار حبه للغناء والطرب ، و حفظ منهم الكثير من الأشعار والألحان واطوار الغناء وفن الأداء ، وتأثر بصوت جدته التي كانت أيضاً تؤدي الغناء والطرب في المناسبات ، وكانت أيضا معروفة في المدينة . طفولته كانت قاسيه جداً حيث دخل المدرسة متأخراً ، ولم ينل الاهتمام من اسرته خاصة بعد إنفصال الوالدين ، وزواج أمه من رجل آخر ووالده من زوجة أخرى ، حيث عاد الى حضن جدته من أبيه ، والتي ماتت وهو لازال صبياً في ظروف قاسية من تشرد وضياع ، وفي مجتمع قاسي لم يحترم الغناء بسبب النظرة الاجتماعية المتخلفة الموروثة رغم حب الناس للغناء ، الذي كان يخفف عنهم احزانهم ويفرغ شحنات الالم من قلوبهم ، ستار جبار كان بلبلاً مغرداً لكن ليس في بستان يزهو باشجاره المثمرة بل في حارة فقيرة بائسة بين فقراء محرومين يعانون شظف العيش ، في ظروف الفقر يصبح الغناء تفريغاً للحزن لكن الفقراء وهم يتعرضون للحرمان والظلم غير قادرين على حماية بلابلهم من الاحتراق بنيران العوز والاهمال والتكفير . لم يتمكن ستار جبار من اكمال دراسته بسبب ظروف اسرته المشتتة وثم التحق في الجيش حيث أدى خدمته في المنطقة الغربية وفي وسط الصحراء ولم يزر مدينته الناصرية الا قليلاً في بعض الاجازات ، و بعد إكمال خدمته العسكرية ، وتسريحه من الجيش أواخر الستينات توجه ستار جبار الى بغداد العاصمة التي يتمركز فيها الملحنون والشعراء ووسائل الاعلام من اذاعة وتلفزيون ومراكز الانتاج الفني ونوادي وصالات الغناء ، تقدم الى لجنة فحص و إختبار المطربين في المؤسسة بمجهوده الشخصي ، وهذه اللجنة التي ضمت خيرة موسيقيي العراق ، منهم روحي الخماش وسمير بغدادي ومنير بشير ، رفضت اللجنة تصنيفه كمطرب لتدني ثقافته الشخصية والموسيقية ، ولكن اللجنة اعتبرت صوته وأداءه مميزاً ونصحته بالانضمام الى فرقة الإنشاد لتطوير مقدرته الموسيقية ودراسة علم الموسيقى والغناء وفن الأداء وانضم الى فرقة الإنشاد في المؤسسة . تطورت مقدرته الموسيقية وصُقلت موهبته الغنائية ، وإكتسب خبرة جيدة من زملاءه المنشدين والموسيقيين والملحنين والمطربين الذين انشد معهم ، و كان ينتظر الفرصة ليغني منفرداً ، ومن بين زملاءه الذين أصبحوا مطربين فيما بعد الفنان فاضل عواد الذي إشتهر بإغنيته المشهورة لاخبر ، والمطرب سعدون جابر الذي بدأ يلمع نجمه بعد أغنية الطيور الطايرة التي لحنها المبدع كوكب حمزة وكتب كلماتها الشاعر المبدع زهير الدجيلي . المطرب ستار جبار جائته الفرصة المنتظرة حين إختاره الملحن المبدع محمد جواد أموري صدفةً أثناء تسجيل إحدى الأغنيات وبعد ان طلب منه الفنان ستار جبار ان يسمح له بأداء الاغنية ، قرر الملحن محمد جواد اموري ان يعطيه اللحن ، فانطلق ستار جبار الى عالم الاذاعة عالم الشهرة في اغنية أفز بالليل ، من كلمات الشاعر عريان السيد خلف إثرها أُعتمد كمطرب في الاذاعة والتلفزيون ، وإستمر في إحياء المناسبات والحفلات داخل وخارج المؤسسة وسجل الكثير من الأغاني له ولفرقة الانشاد ، وإختاره الملحن كوكب حمزه بعد ان أُعجب بصوته ليغني بعضاً من ألحانه ، واعطاه الملحن الراحل كمال السيد اغنية تمر بية ، واعطاه ملحنون اخرون بعضاً من الحانهم التي كتب كلماتها كبار شعراء الاغنية العراقية ، كالشاعر الغائب ذياب كزار ابو سرحان والشاعر الراحل كاظم الركابي ، أصبح ستار جبار مطرباً معروفاً في فترة السبعينات ، ومن اغانيه التي عرفها جمهور الاغنية اضافة الى اغنية أفز بالليل كانت اغنية شدات الورد واغنية الولد نام واغنية مسامحك واغنية ماجنك هذاك انتة واغنية على جف العتاب وغنى باقتدار مبدع وأداء ساحر كثير من أغاني الفنان حضيري ابو عزيز وأغاني اخرى . في دمشق في بداية الثمانينات ، بدأ الفنان كمال السيد إكمال مشواره الفني عبر التلحين والتسجيل لالحانه واهتم بالمطربين السوريين الذين يغنون اللون الفراتي ، اتذكر كان هناك مطرباً اسمه حسين حداوي من منطقة الجزيرة السورية يمتلك صوتاً رخيماً يشبه صوت المطرب ستار جبار ، دربه الملحن كمال السيد على اداء أغاني حضيري ابو عزيز وحاول ان يدفعه في عالم الغناء من خلال تمرين صوته وتطوير اداءه ، لكن ظروف الفقر للملحن كمال السيد والمطرب حسين حداوي لم يسمح لهذا الثنائي بالاستمرار ، اضافة الى عوائق عديدة بسبب الغربة وعدم سماح الموسيقيين في البلد المضيف لملحن من خارج الوسط الفني المحلي ان يقتحم ميدانهم ، رغم دعم المسؤولين في الاذاعة والتلفزيون للفنان كمال السيد ، لكنه لم يقدر ان يشق طريقه في هذه الزحمة والتدافع ، وجدتُ الفنان كمال السيد يحاول ان يحضر صوت الفنان ستار جبار من خلال المطرب الفراتي حسين حداوي ، هل هو استحضار للغناء ام هو استحضار للمكان ام كلاهما ؟ وحين سألته ذات مرة عن اجمل صوت عراقي أجابني دون تردد بانه المطرب ستار جبار الذي ظُلم كثيراً بسبب كونه من مدينة بعيدة عن العاصمة اضافة الى خجله . كانت حياة ستار جبار في بغداد ليست على مايرام ، ولاتختلف عما عاناه في طفولته وصباه حيث التشرد وقساوة الحياة ، والدخل المحدود والسكن الردىء ، يتنقل بين الفنادق الرخيصة ومطاعم الأرصفة ، ينخره الفقر والحرمان ، في مدينة غريب فيها ، يعيش على مساعدات الأصدقاء والمحبين ، ومايحصل عليه من مشاركاته في تسجيلات بعض الأغاني في المؤسسه والتي لاتشبع رمقاَ ، وبالرغم كل هذه المعاناة ، كانت هذه هي محطته الأهم حيث استطاع ان يحقق جزءاً من طموحاته الفنية ، وظل القدر السيء يلاحقه حين اتيح له ان يشارك في حفل مباشر من قاعة الخلد وكانت هذه الفرصة التي انتظرها كثيراً ليحقق امنيته في الانتشار والنجومية ، لكن خجله وارتباكه خيبا أماله وتطلعه للشهرة حيث نسيَّ احدى مقاطع الاغنية وجزء من مطلعها وخرج عن الايقاع قليلاً ، أُصيب باحباط شديد أشعره بان سوء القدر يلاحقه اينما ذهب وانه لن يصل الى شاطيء النجاح المأمول . كان يعيش في بيت قديم في العاصمة بغداد المهددة بالقصف والدمار ومعاناة الحصار والركض لتدبير لقمة العيش ، بيت متهالك أركانه مهدمة ، يهتز مع حركة الطائرات في السماء ، ومع استمرار الانقطاعات في الكهرباء وفي ليلة كان فيها الظلام دامساً يخيم على المدينة وأهلها ، ليلة باردة ، في تلك الليلة وفي بيته المتواضع هذا ، كان يخزن البنزين في غرفة على سطح داره ، وأثناء إحدى الضربات الجوية على بغداد في حرب الخليج الثانية ، وإنقطاع الكهرباء ، هـَمّ ستار لأحضار القليل من البنزين ، وبيده نار مشتعلة فانوس أو لالــه ليضىء المكان ، وما أن فتح غطاء برميل البانزين حتى شـَبّت النيران لتحرق المكان ، وإشتعلت لتلتهم جسده ، رغم محاولاته لإنقاذ نفسه ، ولكونه وحيداً في المكان لم يستطع أحــداً من إنقاذه ، وظل يعاني بضعة أيــام في أحـد مستشفيات بغداد حتى مماته وحيداً ، راحلاً دون عزاء ودون ان تذكره وسائل الاعلام . ايها البلبل العراقي الراحل مبكراً والمحترق بنيران الحروب وسوء الاقدار وتحكّم الطغاة والجهلة ، فقد جُففت المياه ويَبست الاشجار وانتشرت النيران ولا فرصة للهجرة لابد ان تحترق ايها البلبل هذا مابشّرك به الجاهلين ، لكني سأعزيك بكلمات شدات الورد التي غنيتها كثيراً في حارات وبيوت الناصرية الجميلة مدينة الفن والشعر والابداع ، هذه الاغنية التي ابكتني سنوات طويلة وهي ترسم معاناة العاشق والمحروم ولازالت تصور حالتنا ايها الراحل الغالي ، اتمنى ان استمع لأغانيك وهي تنطلق من شبابيك بيوت الناصرية المبتلاة بالظلم والقهر الذي جفف مياه القلوب الندية التي ربما انساها الطغاة الجهلة طعم الحياة وذائقته الحلوة ، فأن تيبست القلوب وإن جفت الينابيع ويبست الاشجار لامكان للبلابل ولن يبكيها احداً ان رحلت او ماتت ، لكن سأعزيك بتلك الكلمات التي ارتفعت في بيوت الناصرية ومدن العراق الاخرى النائمة على الحب والجمال بكلمات اغنية شدات الورد للشاعر الغائب ذياب كزار ابو سرحان . محرومة شدات الورد ياحمرة الشفة ترسن جفافيجن حسن لو مرت الزفة ليل وكمر ونجوم والهيل مامفطوم والروح ماتحمل ثكل ترفة اه شكثر هم القلب شو هلهلن بهداي موش العلة رموشي كحل هذا سواد الماي سيست مابين الحزن والفرح يادنياي خلني يبنيات فوك الزلف ماشات والروح ماتحمل ثكل ترفة هيجي سوالفنة إنّسَت والحب تنكرينة رديلي ياحلوة الوفة وطيبة محاجينة وعيوني ماتحمل سهر والقلب شيعينة بسمة بحلم جذاب وصواب فوك صواب والروح ماتحمل ثكل ترفة شدات الورد سأبعثها مع الفرات الذاهب من غربتي ، قد تطفيء مياهه عطش القلوب وتعيد نداها ، وربما تدفع مويجاته تلك الشدات الى ضفاف ضريحك ايها البلبل المحترق لترتفع شجرة التين من بين تراب الضريح ولتخرج سراً من ضريحك في الليالي المقمرة ولتغني من جديد شدات الورد بحضور شاعرنا الغائب ابو سرحان . كثير من المعلومات في المقالة اخذت من مقالة للاستاذ قاسم حســن الذي اعتمد بدوره على مداخلة للاستـاذ فائز السهيلي الذي عـَرَِف الفنان عن قرب طيلة حياته ، ومداخلات أخرى لمن رافقوه في مسيرته الفنية والذاتيه من ملحنين وموسيقيين ، في أمسية تذكارية عن الراحل ، في غرفة القيثارة السومرية على الشبكة الالكترونية ( البالتاك)