الرئيسية » مقالات » الديمقراطية التوافقية في العراق ضرورة وطنية

الديمقراطية التوافقية في العراق ضرورة وطنية

ظاهرة التعددية الاثنية والطائفية ليست حالة طارئة على العراق بل هي اقدم بكثير من العراق نفسه, ولا مانع ان يصفها البعض بباقة الورد او الفسيفساء او “الموزاييك”, لكن في الوقت نفسه يجب ان يدرك هؤلاء ان باقة الورد تلك تحتاج الى الكثير من الرعاية الفائقة, فهي تحمل في داخلها الكثير… الكثير من الاشواك الجارحة وربما السامة القاتلة, لذا يجب التعامل معها بحذر وحكمة وعقلانية بعيداً عن منطق القوة والتسلط وانكار الآخر .
وضع حلول ناجعة لاحتواء ظاهرة التعددية الاثنية والطائفية في اطار الهوية العراقية الجامعة, قطعاً لن يتحقق عن طريق اتخاذ سياسات تعسفية لا ديمقراطية تفرض من الاغلبية على الاقلية او العكس, والتجربة العراقية الطويلة المريرة المفعمة بقيم التسلط والاستبداد, خير دليل على ذلك, فمنذ تأسيس دولة العراق في العشرينات من القرن الماضي, لجأت السلطات المركزية في بغداد الى فرض الهوية العراقية على الجميع, وهذا امر لا خلاف عليه, لكنها في الوقت نفسه انكرت على الاخر خصوصيته القومية والطائفية, وحالة الفرض هذه بالاضافة الى انكار الخصوصية المذهبية والقومية لشرائح كبيرة من المجتمع العراقي, دفعت إلى تكوين هوية عراقية قائمة على التمييز العرقي والطائفي, وادت كذلك الى تفشي ثقافة وطنية مشوهة لا تفرق بين القومي والوطني .
المشهد العراقي بعد سقوط الدكتاتورية في بغداد عام 2003, من اصطفاف اثني وطائفي حاد, لم يكن سوى انعكاس طبيعي لفشل طريقة حكم العراق من قبل طائفة او قومية بعينها, فرغم تعرض الاكراد لكل انواع التطهير العرقي, لم تفلح القومية العربية الغالبة من فرض اجنتدتها, ورغم تعرض الطائفة الشيعية العراقية للاضطهاد, لم تفلح الطائفة السنية في التأثير على تشيع الشيعة, بل على العكس تماماً, اصبح الاكراد اكثر تمسكاً بهويتهم القومية, والشيعة اصبحوا اكثر تشيعاً من قبل, واذا كانت الدكتاتورية المركزية اثبتت فشلها في حكم العراق فأن ديمقراطية الاغلبية ليست افضل منها في معالجة قضية التنوع العرقي والمذهبي, فالديكتاتورية المطلقة اثبتت على الاقل “مهارات عالية” في التحكم بكل مفاصل الدولة العراقية والقدرة على قمع كل مظهر من مظاهر التعددية الاثنية والطائفية, ولو الى حين, اما ديمقراطية الاغلبية فهي ستؤدي حتماً الى نتائج لا تقل خطورة عما خلفته الدكتاتورية المركزية المطلقة في حقبة ما قبل عام 2003, لانها في الحالة العراقية الراهنة ستتحول الى ديمقراطية الاكثرية القومية والاكثرية الطائفية, وبفعل الهامش الكبير من الحريات التي توفرها ديمقراطية الاغلبية على عكس النظام الدكتاتوري, فهي بشكل او آخر ستؤدي الى اثارة نزاعات قومية وطائفية مستمرة تؤثر في استقرار العراق ومستقبله .
العراق بلد غير متجانس لا قومياً ولا دينياً ولا طائفياً, وتوجه البعض الى تمويه هذه الحقيقة بما يتناسب وامنياتهم او معتقداتهم الايديولوجية او انتماءاتهم القومية والطائفية او لغايات انتخابية او سياسية, امر في غاية الخطورة على مستقبل العراق ووحدته, كذلك الحال بالنسبة الى توجه البعض الى التضليل على حقيقة الصراعات القائمة بين مكونات المجتمع العراقي, على سبيل المثال لا الحصر, ما يدعيه البعض في تفسير الصراع التاريخي بين الاكراد والعرب, واعتباره مجرد صراع بين حكومات عراقية مركزية وبين متمردين او ثوار اكراد لايهم, هو تسطيح فظ للحقيقة, فالصراع الكردي العربي هو صراع اثني بأمتياز بين قوميتين واحدة مضطهدة واخرى سائدة, ولم يكن يوما من الايام محصوراً بين الاكراد والحكومات العراقية, فعمليات التعريب التي تعرضت لها المناطق الكردية وخصوصاً منطقة كركوك, كانت حلقة من حلقات الصراع بين الاكراد والعرب, والتمسك العربي اليوم بالابقاء على كركوك المعربة ومحاولات الاكراد تطبيع الاوضاع, ليست الا جولة من جولات الصراع الاثني الكردي- العربي, وجرائم “الانفال” التي تعرض لها الاكراد والصمت العربي العراقي الشعبي والنخبوي على تلك الجرائم هو شكل اخر من الصراع نفسه, والميل العربي الى الحكم المركزي القوي والميل الكردي للحكم اللامركزي الفيدرالي, والاصرار العربي على ديمقراطية الاكثرية بينما الاصرار الكردي على الديمقراطية التوافقية, ليست الا وجه من وجوه الصراع القومي بين العرب والاكراد, اذا الصراع كان قائماً في السابق ولا يزال وسيكون في المستقبل, وهذا امر مفروغ منه, لكن ترويض هذا الصراع ومعالجته او على الاقل الحد من مخاطره, يجب ان يكون “الشغل الشاغل” لكل من يهمه امر وحدة العراق .
العرب, الاكراد الكلدان الاشوريين التركمان, الشيعة, السنة, الصابئة والايزيدين… وغيرها من المسميات, هي مجموعات عرقية وطائفية لا يمكن انكار وجودها بجرة قلم, ولا بقرار مركزي رئاسي, او بخطاب وزاري, ولا حتى صدام حسين الدكتاتوري الفظيع استطاع مزجها بالهوية العراقية الصرفة, و”الصرفة” هنا وفق المنطق العروبي والطائفي العراقي, هي الهوية العراقية العربية التي تفرض فرضاً على الاكراد, والهوية العراقية الشيعية التي من الممكن فرضها في المستقبل على السنة في ظل الديمقراطية اللاتوافقية, لان الشيعة اليوم يشكلون الاكثرية في العراق, وديمقراطية الاغلبية اللاتوافقية في راهن الحالة العراقية, واستنادا الى الست سنوات الاخيرة بعد تحرير العراق, وما شهدناه من هبة طائفية قوية سنية كانت ام شيعية, ستعبد الطريق الى نوع اخر من الدكتاتورية في العراق الجديد, تسمى بدكتاتورية الاكثرية القومية والطائفية, بعد ان كانت في السابق دكتاتورية قومية شبه طائفية .
من دون ادنى شك, العراق اليوم يمر بمرحلة مفصلية مهمة, والمخاطر التي تهدده كثيرة ولا تحصى, لكن اكثرها فتكا يأتي من داخل العراق نفسه, فعملية الالتفاف على الدستور العراقي الدائم لعام 2005 والدعوة الى الاخذ بديمقراطية الاكثرية على حساب الديمقراطية التوافقية, تراجع حقيقي عن حلم العراق الحر العادل والمزدهر المستقر, والادعاء بأن الدستور العراقي لعام 2005, كتب وصوت عليه في ظروف استثنائية “ووسط اجواء فيها أستعجال”, كلام سليم وصحيح فيه الكثير من الصواب, فتلك الظروف الاستثنائية التي اغاظت البعض, افقدت الاكثرية العربية من التحكم بالاقلية الكردية, وافقدت الاغلبية الشيعية من فرض اجندتها على الاقلية السنية, وربما بفضل تلك الحالة بالتحديد وبفضل الديمقراطية التوافقية, يمكننا اليوم الحديث عن عراق أمن وموحد, ويمكننا كذلك الحديث عن مستقبل افضل لشعب عانى الكثير من جراء سياسة انكار الاخر, ورغم المساوئ العديدة للديمقراطية التوافقية كنظام حكم قائم في العديد من المجتمعات ذات التنوع الاثني والطائفي, فهي تعتبر الحل الامثل لمشكلات العراق, واذا كانت الديمقراطية التوافقية تجربة ناجحة وفعالة في الكثير من الدول المتقدمة مثل كندا وهولندا وبلجيكا والنمسا وسويسرا, فلما لا تكون مناسبة للعراق يا دولة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي ?