الرئيسية » شؤون كوردستانية » بومة الخراب : إلكر باشبوغ

بومة الخراب : إلكر باشبوغ

اتبعوا رئيس الأركان التركي ” إلكَرْ باشبوغ “, يدلُّكمْ على الخراب…
يتأتَّى ذلك كاستنتاجٍ أوَّلي, من تصريحات ” باشبوغ ” لصحيفة ” حرييت ” التركية مؤخراً, خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية, وهي تصريحاتٌ, أقلُّ ما يمكن أن يُقالَ عنها, أنها تعيدُ الوضع إلى نقطة الصفر, وعقاربَ الساعة إلى الوراء, وتتركُ هدنة حركة التحرر الكوردستانية مُعلَّقةً في الفراغ, وتضربُ كلَّ جنوحٍ تركي مُحتمل إلى الحلِّ الديمقراطي للقضية الكوردية بعُرض الحائط, إذْ تتماهى ردودُ فعل الجنرال الغاضب مع منطقٍ مُفوَّتٍ عاجز, لا ينهلُ مفاهيمه من قاموسٍ عصري منفتح, بلْ يستمدُّها من طرائق تفكير نمطية لا تزالُ مُزدهرةَ في أوساط العسكر, الذينَ لا يريدونَ إغلاقَ كتاب الحرب المفتوح, فمجرَّد محاولة إغلاقه إيذانٌ بأفولِ أدوارهم المصقولة بعنايةٍ منذ عقود, وأيُّ حلٍّ للقضية الكوردية في تركيا سيُقمِّطُ العسكرَ في الثكنات, ويُقلِّصُ من غابة النفوذ التي لهم, سيما وأن المؤسسة العسكرية في تركيا هي مؤسسةٌ تدخليةٌ ووصائيةٌ من النخب الأولى, وهي مُفارقةٌ بذلكَ للمؤسسات العسكرية الأخرى الشريكةِ لها في بُلدان حلف الناتو.
لا نملكُ, ونحن نقرأُ إجابات إلكرْ باشبوغ على اسئلة الصحفي ” مَتَهان دميرْ ” السبع, في الحوار المنشور في صحيفة حرييت التركية بتاريخ 4 حزيران 2009 , إلاَّ استنتاج أنَّ الجنرالَ من أشدّ المُناصرينَ الغُلاةِ للحلول العسكرية في التعاملِ مع مشاكل وقضايا وأزمات تركيا, والقضيةُ الكورديةُ في صدارتها, كما وأنَّ الأوَّالية بالنسبة إليه هي لاعتيادية العنفِ, ما دامَ لا يُعيرُ الهدنة الأحادية ومناشدات السلام في تركيا أدنى اهتمام, مُنطلقاً في ذلك – ربَّما – من وعي مُستلبٍ كلية من هيمنة ثقافة العنف الإقصائية, وهوَ وعيٌ شقيٌ إذْ لا ينظرُ للمواطنين الكورد والأتراك إلا كفُقاعات صابون, ولا يهمُّه البتة إنْ سقطَ منهم آلافُ الضحايا وقوداً للعقائدية الأحادية المُوَجَّهة لأمثاله, فكلُّ طرحٍ ديمقراطي سلمي للقضية الكوردية في تركيا هو بمثابة التجاوز لخطوط المؤسسة العسكرية الحمرِ, وباشبوغ حين يتكلم, لا يقتصرُ في الردِّ على تصريحات منظومة المجتمع الكوردستاني وهدنتها, وإنما يُبعثرُ الرسائلَ يميناً وشمالاً, ولمْ يكُ الرئيس التركي غول بمنجاةٍ من رسائله, التي يمكن عدَّها تحذيريةً نابذة للحلِّ ومُسوِّقة للعمل العسكري, وتقلبُ الطاولةَ على رؤوس المتفائلين وسُعاة الحلِّ إنْ في الطرف التركي أو في الطرف الكوردي.
يمكنُ إيجازُ موقف رئيس الأركان التركي باشبوغْ, من تجميد العمال الكوردستاني لعملياته العسكرية, الموَجَّهة ضدَّ الجيش التركي, وأجواء السلام النظرية في طورها الهيولي, بالعنوان البارز التالي : لا للحلِّ, نعمْ لاستمرار الحرب.
وإذا ما أردنا تفكيكَ خطاب الجنرال الغاضبْ, سنلحظُ أنَّه يتكوَّنُ من عناصرَ عديدة هي : إدامةُ الأعمال العسكرية حتى إزالة حزب العمال الكوردستاني نهائياً, والمطلوبُ الأساسُ من مقاتلي الكوردستاني هو الاستسلامُ فقطْ دون قيدٍ أو شرط, ويرفضُ باشبوغْ بالمطلق المطالبَ المتكررة من الجيش التركي بفرملة العمليات العسكرية لإتاحة المجال أمام الحلِّ السلمي, فالمؤسسةُ العسكريةُ ترفضُ الانزواءَ والاكتفاءَ بالمشاهدة, وهوَ يُصرِّحُ جِهاراً بلا مبالاته إزاءَ تصريحات القيادي الكوردي قره يلان, فالهاجسُ الأوحدُ لدى الجنرال هوَ الانهمامُ بالعملِ على إنهاء العمال الكوردستاني عسكرياً.
وإذا كانَ بديهياً ومتوقعاً من جنرال يترأسُ المؤسسة العسكرية, في بلده المأزومِ على خلفية صراعٍ داخلي دائرٍ منذ ربع قرن, تعليقَ آماله على الحلِّ العسكري, وهو أمرٌ سبقَ تكراره من قبل كلِّ من ترأس المؤسسة إياها, إذْ لا يُعقلُ أن يُقرَّ رأسُ المؤسسة العسكرية التي هي الضامنُ والحامي الأول للدولة بعجزه وعجز مؤسسته, من مُنطلقِ إنقاذ ماء الوجه في أقلِّ تقدير, لكنَّ الملاحظَ من خلال الحوار, أنَّ باشبوغ – إضافة لذلك – يطلقُ موقفه الرافضَ ورهانه على إنهاء العمال الكوردستاني, استناداً إلى قراءته واستنتاجاته الخاصَّة الساذجة, وتُخبرُنا قراءته أنَّ الحزبَ تلقى في الآناء الأخيرة ضرباتٍ قاسية, وخفَّ الدعمُ الدولي له, وأنَّ إقليم كوردستان العراق لم يعدْ بالنسبة لمقاتليه بمثابة الجنة المفترضة, وليأس العمال الكوردستاني من اعتماد العنف, ولكنه رغم ذلك يُقرُّ بأن الحزبَ لا يزالُ على قيد الحياة, وإن كانَ قد وصل – برأيه – إلى مرحلة من الضعف لمْ يصلها من قبل.
ولكن ما هي معالمُ هذا الضعف الذي انتاب حركة التحرر الكوردستانية, إذا كانت وسائل الإعلام التركية تتحدثُ عن عشرين قتيلاً في صفوف الجيش التركي خلال فترة الهدنة الأحادية فقطْ ؟. وأبعدَ من ذلك, ليسَ ثمةَ داعٍ لتذكير باشبوغ وأركان مؤسسته بوقائع أورامار والزاب وبيزليه وهيزان.. إلخ, لتفنيد قراءته المتهافتة غير العيانية وغير الدقيقة.
ثمَّ أن الجنرال باشبوغ يردد كالببغاء ما لا يعيه, وهنا نتذكرُ من الإرث الثقافي مقولةً لأحد الحكماء : ” إن شاءَ ربُّكَ أن يُهلك عبده، أفقدهُ أولاً عقله “, وإلا فما معنى هذا الجنوح أو الانزياح الكامل إلى المنطق الثأري الاستئصالي, وإبقاء كوردستان وتركيا في موقد حربِ استنزاف طويلة وقاتلة ؟. وفي غمرة رفضه المطلق لهدنة العمال الكوردستاني لمْ ينسَ الجنرال باشبوغ إبداءَ رأيه بشكلٍ غير مباشر في انفتاح بلده على إقليم كوردستان الفيدرالي أيضاً, مُطالباً كلا الرئيسين : الطالباني والبارزاني, التحولَ إلى شرطةٍ تركية متقدمة, ومُلاحقة العمال الكوردستاني بالوكالة, لإثباتِ حسن نواياهما, وللتدليلِ على صداقتهما لتركيا, وبالتالي تحويلُ كوردستان الجنوبية إلى حديقةٍ خلفية للدولة التركية, أيضاً فإن قراءة باشبوغ الاختزالية, ويشاركه في ذلك رهطٌ من المسؤولين الأتراك وإعلامييهم تقدم العمال الكوردستاني كحزبٍ متحصن بجبل قنديل ومعتصم فيه, وهو أمرٌ مُجانبٌ للصواب, إذا ما علمنا أن الوحدات القتالية للحزب منتشرة في عموم الجغرافية التركية : إقليم البحر الأسود, والمناطق المتاخمة للبحر المتوسط, وسلسلة جبال أمانوس, وكم كنت أتمنى لو قرأ الجنرال باشبوغ والذين معه يوماً القول الكونفوشي الدال : ” إذا ما استخدمنا الكلمات الخطأ، فلن نستطيع اشتقاق النتائج الصحيحة “.
ورغمَ علمنا أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة المحورية في تركيا, وأنَّ ضباطها هم المؤثرون الفعليونَ في الحياة السياسية حين تدخل منعطفاً حراكياً, إلى درجة اعتبار أنَّ الدولة التركية لا تملكُ جيشاً بل الجيش هو الذي يملك الدولة, لكنَّا نعلمُ أيضاً أن غالبية رؤساء أركان الجيش التركي كانوا لا يكفون فيما مضى عن ترديد مقولاتٍ ببغاوية كالتي أطلقها الجنرال باشبوغ في واشنطن, ولكنهم تراجعوا عنها فوت التقاعد, فالقاسم المشترك بين 24 جنرالاً تركياً متقاعداً – استطلعت صحيفة مللييت التركية آرائهم في شهر تشرين الأول 2007 حول العمال الكوردستاني, عشية التحضيرات التركية لاجتياح إقليم كوردستان الفيدرالي, لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكوردستاني – كان التالي : لا جدوى من العمل العسكري, ولعلَّ تصريحات رئيس الأركان الأسبق حلمي أوزكوك مؤخراً ( لقاءه مع الصحافي فكرت بلا ) تصبُّ في هذا الإطار, فما هو هذا الفارق الجوهري الكبير بين الجنرال باشبوغ والذين سبقوه تجعله واثقاً من نفسه على نحو مفرط, وعلى ماذا يراهن, وهل لديه وصفة سحرية أو أسلحة سحرية مُخبأة بعناية لا نعلمُ من أمرها شيئاً ؟.
ما أنا واثقٌ منه, أنَّ الجنرال باشبوغ بعد شهر آب 2010, أي بعد أن يجتمع مجلس الشورى العسكري التركي الأعلى سيُحالُ إلى التقاعد, وحينها سيُقرُّ بدوره أنْ لا جدوى من العمل العسكري, وحينها سنقولُ له : صح النوم, تأخرت كثيراً.
______________________________
مصطفى إسماعيل