الرئيسية » شؤون كوردستانية » من ملفات الحركة الكردية السورية (2)

من ملفات الحركة الكردية السورية (2)

العلم القومي الكردي والعلم الوطني السوري

في برنامج “الطاولة المستديرة” للأستاذ غسان المفلح في قناة زنوبيا، مع كل من السيدين الدكتور منذر الفضل الخبير القانوني الدولي العراقي والدكتور سعد الدين ملا الناشط السياسي الكردي السوري، هذا البرنامج الذي وصلني رابطه البارحة عن طريق البريد الالكتروني، يستغرب الأستاذ غسان المفلح الضليع في الشؤون السورية لحال الكورد في العالم الخارجي الذين يحملون علمهم القومي الكردي فقط دون العلم السوري، على الرغم من أن الكرد السوريين لم يساهموا في “ترميز” علمهم القومي هذا، بل هو مستورد من كردستان تركيا أو العراق، على حد قوله… واعتبر ذلك انتكاسا للوطنية السورية بين الناشطين الكرد…وفي حين سكت العلاّمة منذر الفضل عند هذه النقطة الهامة (ولربما لأنه اتهم من قبل الأستاذ غسان المفلح باقتطاعه فترة طويلة من البرنامج !) فإن الدكتور سعد الدين ملا أورد توضيحا مقتضبا دون تعمّق في شرح الأسباب التي تدعو الكرد السوريين إلى حملهم العلم القومي بدلا عن الوطني السوري، فذكر أن العلم السوري الحالي هو علم بعثي، وأخبر جلساءه والسامعين المشاهدين بأن جمعية خويبون (الاستقلال) الكردستانية التي تشكلّت في عام 1927 وانطلقت من سوريا هي التي اتخذت هذا العلم، بمعنى أن الكرد السوريين مشاركون في “ترميز” علمهم القومي… ولكنه مع الأسف لم يصب كبد الحقيقة، فالعلم القومي الكردي أقدم عمرا من جمعية خويبون، وقد تم اقتراحه بهذا الشكل من قبل جمعية ثقافية – اجتماعية كردستانية في عام 1921 كانت قد تأسست في استانبول حسب ما نعلمه عن تاريخ حركة التحرر الوطني الكردية…
وحقيقة لايرى الكرد السوريون أي فارق بينهم وبين اخوتهم في شمال أو جنوب أو شرق كردستان…فالعلم القومي الكردي ليس علم دولة ذات حدود دولية ومعترف به لدى الأمم المتحدة، ولكنه علم يجري بمثابة الدم في عروق كل كردي أينما كان، تقرأه في أشعارهم ومراثيهم الحزينة، وتراه في لوحاتهم الفنية، وعلى أجساد شهدائهم الطاهرة حين يودعون مثواهم الأخير، وهو أجمل هدية تقدمها لعروس كردية أو أي وظيفة رسم تطلبها من طفل كردي في مدرسة…العلم القومي الكردي صار رمزا لأمة مقهورة مظلومة ومهانة منذ قرون من الزمن بعد أن كانت تقاوم مع جيرانها في المنطقة في ظل الراية الصفراء للسلطان صلاح الدين الأيوبي أشرس غزو استعماري دولي…وهذا العلم القومي رفرف على ذرى جبل آغري أثناء ثورة خويبون التي قادها الجنرال احسان نوري باشا (1927-1930) وعلى سراي الرئيس الشهيد القاضي محمد أثناء فترة جمهورية كوردستان التي كانت عاصمتها مهاباد، ووضعها الرئيس الشهيد أمانة وطنية وقومية في أيدي الزعيم الأسطورة مصطفى بارزاني الخالد، لتصبح رمز ثورة أيلول الكبرى (1961-1975) ومن ثم لترافق الثورة الكردية في وجه الارهاب البعثي الذي يعتبر أشرس ارهاب يعاني منه الشعب الكردي حتى انتفاضة عام 1991 التي شهدها اقليم كردستان العراق ، وهاهو العلم القومي الكردي ذاته يرفرف اليوم على مباني ومدارس وثكنات ومشاريع اعمار كردستان العراق بصورة رسمية…
الكرد السوريون يجدون أنفسهم أكثر أمنا وحرية في ظل هذا العلم، رغم الحدود والقيود التي تفصل بين أبناء وبنات الأمة الكردية التي لاتقل عن أربعين مليون انسان، تم تمزيقهم وتقسيمهم انتقاما من صلاحدينهم الأيوبي بمعاهدة استعمارية انجلو-فرنسية في عام 1916…وهذا يعلمه الأستاذ غسان المفلح تماما، وكان مثار نقاش التنظيم الذي سجن بسببه منذ زمن طويل في سوريا، ذلك التنظيم الذي أقّّر بحق الأمة الكردية (حتى في الجزء السوري من كوردستان) في الحرية والاستقلال…أم أنه يسجّل تراجعات فكرية وسياسية منذ أن خمد في أوروبا الناعمة بركان ثورويته التي قدّم لها سنوات طويلة من شبابه؟…
النقطة الأخرى الهامة التي استوقفتني لدى متابعة هذا الحوار الثلاثي المثير في قناة زنوبيا هي أن السيدين الفاضلين الدكتور منذر الفضل والدكتور سعد الدين ملا تطرّقا إلى موضوع “الشعب الكردي السوري يعيش على أرض وطنه…(!)” ولكنهما لم يذكرا اسم هذا الوطن وما يقصدون به… وفي الوقت الذي تملّص الدكتور منذر الفضل من توضيح الحقيقه حول هذه النقطة بقوله :”أنا لا أستطيع قول كل ما أعرفه (!)” فإن الدكتور سعد الدين ملا، وهو ممثل لحزب كردي (يكيتي) يعتبر نفسه من أجرأ التنظيمات الكردية على الساحة السورية، تفادى ذكر ذلك الوطن بأن كرر تسمية “شمال سوريا” لأسباب سياسية بحتة، وركّز على الاضطهاد الذي يعاني منه هذا الشعب الذي يعيش على أرض وطنه (!)…كما طالب مشكورا بتوحيد المناطق (الجزيرة، كوبان، جبل الأكراد) التي تعيش فيها غالبية كردية في وحدة ادارية ضمن الدولة السورية الحديثة مستقبلا…
وسنعود إلى موضوع (الأرض التي يعيش عليها الكرد) في مقال آخر إن شاء الله، ولكن علينا الآن انهاء الموضوع الذي بدأنا به: العلم الكردي والعلم السوري…
قبل كل شيء يجب التأكيد أن ليس هناك كردي سوري واحد رفض أو يرفض الخدمة الالزامية أو العمل في أي مجال كان من مجالات الحياة تحت علم سوري يشعر بأنه يتمتّع في ظله بسائر حقوقه الانسانية كأي مواطن آخر وتحترم في ظله خصوصياته القومية والثقافية…وفي الوقت الذي يستغرب الأستاذ غسان الملفح من حمل الكرد السوريين لعلمهم القومي في المناسبات والنشاطات والاحتجاجات، وهذا لايحدث خارج البلاد فحسب يا أستاذنا القدير وانما داخل سوريا أيضا، فإنه بالتأكيد لايستغرب لحال الفلسطينيين الذين يحملون علمهم “القومي أو الوطني” رغم أنهم لم يصبحوا –أيضا- دولة مستقلة، ولم نجد فلسطينيا واحدا حتى اليوم ، حتى الذين يمثلونهم في الكنيست، يحمل علما اسرائيليا… والسبب معروف جيدا: انه الاضطهاد والاحتلال…
فلماذا يطالب الأستاذ غسان المفلح الكردي السوري الذي بنيت أكثر من (40) مستوطنة عربية في أرض وطنه بدوافع عنصرية بحتة (أنظر كتاب محمد طلب هلال: دراسة في محافظة الجزيرة والحسكة لعام 1962) والذي أصدر الرئيس السوري مؤخرا مرسوما تشريعيا (49) يستهدف انتزاع حقه في الاستملاك والاستئجار للعقارات والأراضي ويسد في طريقه الباب صوب القضاء، والذي حرم مئات الألوف من شعبه بموجب قانون احصاء استثنائي دنيء الأغراض، كما طبّق في (أرض وطنه) مشروع “حزام عربي” بمئات الكيلومترات لفصل كرد سوريا عن كرد العراق وتركيا تماما، والذي يتم قتل شبابه الذين يخدمون خدمتهم الالزامية على أيدي ضباطهم واحدا تلو الآخر (حتى الآن مايقارب العشرين جنديا)، كما يمنع هو وأطفاله من تعلّم لغته الأم، ولايسمح له حتى بسماع أغنية كردية في تلفزيون أو راديو سوري…وتمارس بحق شعبه سائر المشاريع العنصرية المتخلّفة عن روح العصر…أن يرفع علما لايشعر في ظله بالاستقرار والأمن والحرية؟
كيف يطالب الأستاذ المفلح هذا الكردي الذي يعيش طوال حياته ك(لاجىء أجنبي) في أرض وطنه بأن يحمل العلم السوري؟ فإذا كان الكرد سوريين حقا، فلماذا لا يمنحون الهوية السورية (وهي هوية عربية مائة بالمائة)، أما إذا كانوا لاجئين أجانب رغم عيشهم في ذات البقعة من الأرض عقودا من الزمن (وهذا مخالف لشتى قوانين التجنيس في العالم) فلماذا عليهم حمل علم لاينتمون إلى بلاده؟…
مع الأسف، لم يتعمّق السيدان الكريمان، الدكتور منذر الفضل والدكتور سعد الدين ملا في هذه النقطة المتعلقة بالعلم الكردي وفي شرح الأسباب التي تدفع بالكردي إلى حمل علمه القومي الكردي عوضا عن حمل العلم الوطني السوري، واكتفيا بالقول بأن المعارض السوري (العربي) لايقف مع المعارض الكردي جنبا إلى جنب… ومنهم الأستاذ غسان المفلح الذي أقّر بنفسه في الحوار ذاته بعدم مشاركته في الاحتجاجات على الساحة الأوربية…الكردي المقهور يحمل علمه القومي ليرى العالم أنه يقف في هذه الساحة أو تلك ممثلا عن شعبه المضطهد، ولكنه لا يمنع شريكه في الوطن السوري والمعارضة السورية من حمل العلم الوطني السوري وليس (البعثي السوري) في كل المناسبات…بل سيحمل الكردي أيضا ذلك العلم السوري الذي يشعر في ظله بالحرية والأمن والاستقرار، كما يرفرف اليوم علم العراق الجديد إلى جانب العلم القومي الكردي فوق كل مبني كردستان العراق…
أم أن اللبيب من دفش الترام يفهم؟!

عبد الله قنديل – ناشط سوري
‏الثلاثاء‏، 09‏ حزيران‏، 2009