الرئيسية » مقالات » يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

يمسخ الاستبداد كل شيء إلى كذبة يحدد هو شكلها و درجة حرارتها و طولها و عرضها , لكن على الرغم من ذلك فإن كل أكاذيب الاستبداد الممسوخة هذه تنقلب أخيرا إلى نكت عبثية , بالأمس كانت ذكرى رحيل الرئيس السوري الأب , أنا من جيل لم يعرف زعيما , أو ربا , إلا حافظ الأسد , يحتاج النظام لذلك أن يجعل من هذه الحقيقة اللا منطقية أساس منطق حياتي و حياة كل سوري , و لذلك يكذب النظام , يكذب دون توقف وبشكل تافه و غبي , ما زال النظام يردد تلك الشعارات التي حفظها كل سوري و رددها في المسيرات التي دفع إليها دفعا و في “الاحتفالات” التي عليه أن يصفق فيها , توقف الزمن بالنسبة للنظام عند لحظة استيلائه على السلطة و كل ما تلا ذلك اليوم ما هو إلا تصفيق مستمر إجباري و مكرر لتلك اللحظة “التاريخية” , و لأن الوعي السياسي في بلدي مضبوط على درجة ناقص صفر , قد يبدو هذا كله معقولا أو منطقيا لرجل الشارع , بنفس الدرجة التي يتداعى فيها عالمه مع كل يوم , و بنفس الدرجة التي يتناقل فيها أخبار الحاشية المقربة و قصة أموال باسل الأسد , هذا لا يعني أن الاستبداد غبي بالضرورة , لكنه بالتأكيد ليس مصابا بالذكاء , ما دام التفرد و القمع , الاستباقي في أغلب الأحيان وفق نظرية بوش , هما سيدا المشهد , فالنظام غير مضطر للتذاكي أصلا كما أن أية محاولة للتذاكي بعد كل هذا الكم من الغباء و الاستغباء لن تفيده بل و ستهز صورته أمام السوريين العاديين , كان حظ المصريين أخيرا أن يجربوا شيئا من هذا النفاق السلطوي المضحك المبكي عندما مات حفيد الرئيس حسني مبارك فانفلتت جوقة المنافقين التي رباها النظام في رثائيات لا تنتهي ذكرتنا نحن السوريين بما جرى عند وفاة باسل الأخ الأكبر للرئيس الحالي , لم يعرف المصريون مثل هذا الحداد السلطوي منذ سقوط السادات في 1981 , أما حوادث العبارة و قطار الصعيد فهي أسخف من أن تستحضر هذا الحداد السلطوي , ففي عالم الطغيان , في عالم الديكتاتوريات المحنطة لا وجود حقيقي للبشر المحكومين , يكمل غباء النخبة الواعي أو غير الواعي المشهد , فمن جورج بوش الديمقراطي إلى المقاومة اللبنانية الغارقة في الطائفية إلى قمة رأسها إلى خصمها 14 آذار العلماني المتحضر الغارق في الطائفية هو الآخر إلى الحد الذي تبدو فيه المقاومة أو العلمنة مجرد نسخة متعاكسة من الطائفية , الكذب يؤول صدقا و الرشوة السياسية على أنها أهم شيء في الديمقراطية , الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاستبداد ضمانه هو الخلود , لكنه يريد أن يستثمر الموت , موت الديكتاتور أو ابنه أو حفيده , لصالحه , كشيء إضافي على الأغلب , اعتمادا على أن الموت يوحد كل البشر في مواجهة الفناء , لكن و ليس فقط لأن الديكتاتور أو ابنه أو حفيده لا يموت كما يموت أغلب الفقراء , الذين لا يملكون في أغلب الأحيان حتى ثمن الدواء , فيموتون لأسباب لا تستحق الموت , كجزء من قوانين و منطق الحياة في ظل الاستبداد , كلا , إن الموت ليس مصيرا واحدا لكل البشر , تذكروا هنا أن بعض البشر هو بالتحديد من يقتل بعض البشر…………