الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -24

حرب وسجن ورحيل -24

بعد مرور شهرين من الأعتقال في غرفة مملوءة بالحشرات والروائح النتنة أطلق سراح زوجتي لكنها أصيبت بعدة أمراض نتيجة الظروف السيئة التي لاتتلائم وأبسط حقوق الأنسان وهي مربية قضت في التعليم سنوات طويلة وأم لخمسة أبناء لالذنب ارتكبته سوى أن أبنها هرب من العراق دون علمها ولأن أرادة رئيس النظام المقبور ارتأت وشاءت ذلك وطبق القرار على جميع الآباء والأمهات في جميع أنحاء العراق في تلك الفتره وهي الآن مقعدة تعيش على الأدوية المسكنة بعد أن أجريت لها عملية جراحية في العمود الفقري ويكلف علاجها الدولة السويدية حوالي 500 دولار شهريا ولسان حالها يقول :
أذا كان خصمي حاكمي ماذا سأصنع
لمن أشتكي بلواي أو أتوجع ؟؟؟؟؟؟
ومن حقها أن تتساءل وتقول للحكومة العراقية وللذين يحسدون اللاجئين ألى دول الغربة هل باستطاعتها أن تتلقى العلاج الآن في بلدها مجانا وهي التي ربت أجيالا عديدة ؟ أما المعاناة الأخرى فنتركها لله لأنه هو الذي جلت قدرته أعلم بها .
أعود ألى تلك الأجواء المأساوية التي قضيتها في ذلك القبو الذي كان يطلق عليه أسم السجن لقد أزيح هم كبير عن كاهلي بعد أطلاق سراح زوجتي لرعاية أبنائي وبناتي الذين كانوا جميعم في المدارس والجامعة وكانوا بأمس الحاجة لمن يتولى أمرهم .
بعد مرور أسبوع على أطلاق سراح زوجتي بعثت برسالة ألى نقيب المعلمين ( سامي كاظم عليوي ) بواسطة زوجتي طلبت فيها أبداء روح المساعدة لي ماديا كسلفة أو السعي لأطلاق سراحي لأنني لاأملك من حطام الدنيا شيئا بعد أن قطع راتبي ولأنني أشعر بظلم كبير وقع علي دون أي ذنب واستنادا ألى بند في النظام الداخلي لنقابة المعلمين يتعهد بالدفاع عن المعلمين في حالة اعتقالهم بتعيين محام وانتظرت كثيرا ولم يرد على رسالتي أبدا وقد ورد ألى سمعي أنه قتل أخيرا في أحد شوارع الكوت على يد مسلح وليس لي ألا أن أقول رحمه الله .
لقد ضاق أحساسي بالمكان والذي كان يزيد أحساسي بالضيق هو الأزدحام الشديد ورائحة العرق المنبعثة من أجسامهم وثالثة الأثافي هو ذلك الدخان المنبعث من سجائرهم التي كانت تلتهمها تلك الأفواه المتعبة وكأنها من ألذ أنواع الفاكهة . كان الدخان يتصاعد نحو سقف القاووش الأسود وكأنه خطوات المسافر نحو الموت حيث يتحول ألى غيمة كثيفة تحت السقف وكأنها كابوس جاثم فوق الرؤوس ولا تشتتها ألا التوسلات المستمرة بالشرطة لفتح ساحبة الهواء بالضغط على الزر المخصص لها من الخارج بعد دفع مبلغ يناسب الوقت الذي تعمل به الساحبه .
كنت أتمعن في تلك الوجوه الشاحبة المتعبة فأرى معظمها قد ذبل وكأنها في العالم الآخر وهي كالأوراق الصفراء في عز الخريف وكانت نوبات السعال المنطلقة من تلك الصدور المتعبة وكأنها حشرجات الموت . فقلت لأحدهم عليكم أن تطلبوا من الشرطي لكي يشتري لكل منكم شراب للسعال فأجابني أحدهم ( والله ياعمي آني شارب منه سبعين مره الفوح مال التمن أحسن منه ) فعقب آخر (أي والله دبس أسود على حاله جربته هواي مايفيد أبد ) فعقب آخر ( أحلف بالعباس مغشوش ميه بالميه ) فأجاب آخر ( يمعودين متكلي شنسوي هذا الموجود لاليلنه ليل ولا نهارنه نهار موذبحتنه الكحه مالتكم يوميه ساعه مانكدر انام من هاالموسيقى لاالله يموتنه ولا يكلبها حتى نخلص من هاالعمر الأسود ) فأجاب آخر قائلا ( يمعودين صلوا على نبيكم جيبوا كل واحد 100 دينار حتى نوصي الشرطي يجيب الكم دوه كحه من الصيدليه ومن تطلعون من السجن خلي اتسويلكم نسوانكم وامهاتكم ورد لسان الثور واحدكم يصير مثل الحصان ) فامتثلوا للطلب وأعطى كل شخص من الذين يسعلون مائة دينار وسجلت أسماءهم وأعطينا المبلغ للشرطي مع العمولة الخاصة وجلب الشرطي قناني الشراب بعد ساعات وطلب منا أخفاء الأمر لكي لايعاقبه مدير السجن لأن ذلك الأمر كان ممنوعا .
كان كل واحد يتحدث عن عالمه الخاص وعن قضيته وعن أخبار المحامين الذين يبتزونهم ولا يعملون شيئا لموكليهم بقدر مايأخذون وكنت الوحيد بين السجناء الذين لايحق له توكيل محام ولا يحق لأحد مقابلتي ولا يمكنني أن أنسى الأخ الوفي والصديق المعلم فيصل عيدان الذي حاول عدة مرات زيارتي في السجن ولكنه رد على أعقابه وهو حي يرزق الآن وأقول له شكرا لك أيها الأخ العزيز وعند الشدائد تعرف الأخوان ولن أنسى موقفك الأخوي مازلت حيا .
كان حديث السجناء يقطعه أحيانا هدير طائرات مقاتلة تمر من فوق السجن ومعظمها طائرات عراقية تتوجه لقصف المواقع الأيرانية وفي أحيان نادرة تخترق الأجواء طاثرة أيرانية ترمي حمولتها من القنابل في أماكن ليست ذات قيمة استرا تيجية لعدم كفاءة الطيارين الأيرانيين أولا ولقدم تلك الطائرات ثانيا. وقد ضربت العديد من الدور السكنية من قبل تلك الطائرات كما كان يخبرنا الشرطة بذلك وعندما يختفي صوت الطائرة ويتلاشى يبدأ السجناء بالحديث عن الحرب وفصولها الدموية والمأساوية وعن أخوانهم وأقربائهم الذين فقدوا في تلك الحرب ولم يعرفوا مصيرهم وكان غالبا مايتغير مجرى تلك الأحاديث ويتحول ألى ثرثرة عقيمة تدعو ألى الرثاء أحيانا مثل أيهما أجمل صوتا من المطربين العراقيين ناظم الغزالي أم داخل حسن زهور حسين أم وحيده خليل ؟وغالبا ماترتفع الأصوات ويتحول الحديث ألى مشادات كلامية غالبا ماتنتهي على خير بعد تدخل البعض لأيقافها بعد أن يتعصب كل معجب لرأيه وأحاديث مختلفة كانت تدور شرقا وغربا لاتستحق التدوين وعندما كانوا يتحدثون بحديث له طعم كنت أشاركهم فيه وأبدي رأيي وكانوا يقولون لي ( عمي أنته معلم واحنه نريد منك شوية أبو ذيه دارمي سويحلي شعر شعبي أنته هوايه بخيل بهاالسوالف ) فكنت أقرأ لهم ماعلق في ذهني من أشعار ديوان الحاج زاير وعبد الأمير الفتلاوي مثل ( سنجاف الكلام ) و( قيطان الكلام )وعندما كنت أقول لهم :
سنجاف الكلام اليشتري منه
طيف أيشوف جنه ابروضة الجنه
كانوا يقهقهون ضاحكين ويقولون (وين راح انشوف قيطان الكلام وسنجاف الكلام واحنه هنا بها النكره ؟) فأطيب خواطرهم بجملة (الله كريم ).
كان السجين الشاب ( صبيح ) بتشديد الياء البالغ ثمانية عشر عاما بدويا يرعى الجمال في الصحراء مع عمه الذي كان يشاركه في الرعي وفي أحد الأيام حدث خلاف بينه وبين عمه حول أي الجملين أسرع من الآخر فاشتد الجدال وما كان من صبيح ألا وباغت عمه وهوى على رأسه من الخلف بعصا غليضة كان يحملها معه فقتله في الحال وهما في الصحراء وجيئ به ألى السجن وكان السجناء يقولون له ( ولك ليش كتلت عمك مو هذا مثل أبوك أكو واحد يسويها ) فكان يجيب بكل برود ( والله آني جنت أتكشمر وياه وما جنت أصدك يموت ) أي كنت ألاطفه فلقبه السجناء بلقب ( أبو كشمر ) فقلت لهم أن قضية صبيح تشبه قضية ( كليب وجساس ) وكيف أن جساس قتل بن عمه وزوج أخته جليلة بنت مره كليب وتوسعت تلك المعركة واستمرت أربعين عاما . فعقب أحدهم ( والله يمكن راح هاي القضيه تعلك واتصير مثل ذيج القصه لأن أولاد عم صبيح متحلفين بيه بس يطلع من السجن راح ايكتلوه ويمكن أتجر القضيه هوايه ناس ) وهنا تدخل أحد السجناء وطلب مني أن أحكي لهم تلك القصة الجاهلية ليستمتعوا بها وحكيت لهم عن بعض جوانبها وهم يصغون ألي وكأن على رؤوسهم الطير وحينما انتهيت عقب أحدهم موجها كلامه نحو صبيح قائلا( ولك صبيح دبر حالك راح تلحك أخوك جليب .)
في الليل كان النوم شبه معدوم بالنسبة لي وللبعض وغالبا ماكنت أحصل على بعض الرفسات القوية في بطني وظهري من بعض السجناء الذين كانوا يغطون في نوم عميق بعد تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة وكان البعض يشخر والبعض الآخر يسعل أما البعض الآخر فكان يحصر نفسه في زاوية ضيقة ويبقى مفتح العينين ولا ينقطع عن التدخين حتى الصباح .
عند حضور مدير السجن جواد الحركاني صباحا يملأ المكان بالصياح والزعيق ويصبح أفراد الشرطة أمامه كالأيتام في مأدبة اللئام وكانت تحت أمرته مجموعة من الشرطة يبعثهم لوسط المدينة ليلقوا القبض على أصحاب البسطات من الباعة المتجولين من بائعي الخضرة والسمك وغيرهم وبعض الشباب بحجة تحرشهم بالفتيات أثناء خروجهن من المدارس وكانوا يجلبون ألى السجن رغم ضيق المكان فتحدث الفوضى والهرج والمرج ولا تنتهي الأمر ألا بعد منتصف الليل بعد أن يدفع كل واحد منهم ألف دينار مقابل أطلاق سراحه واستمرت هذه العملية طيلة مكوثي في ذلك السجن دون أن يردع جواد الحركاني هذا أحد أو يسأله أحد من المسؤولين في المحافظه بدليل أنه كان يتمادى في سلوكه المشين يوما بعد يوم لأنه كان ينسق أموره مع البعثيين الكبار في المحافظه وكانت تربطه معهم علاقات مصالح مشبوهه بدليل أن البعض منهم يزور السجن ويكيل المدح له أمام السجناء ويلقبونه ( أبو خطيه ) أي أنه يعطف على الفقراء . وقال لنا أحد البعثيين الكبار يوما بعد أن وقف أمامنا ونحن خلف القضبان ( أحمدوا ربكم لأن عدكم مدير سجن ذهب خالص ) ولم يعقب على كلامه أحد لأن القضية محسومه سلفا . كل هذا كان يتم على حساب كرامة الأنسان المسحوقة حتى العظم في زمن قراقوش العصر المقبور صدام ومن المؤلم أن تبقى هذه النماذج السيئة من بقايا ذلك النظام المقبور والمتمسحين على أعقابه ألى هذا اليوم في السلطة وضحاياهم موزعين في دول الغربه تعصف بهم الأوجاع والآلام فجواد الحركاني مازال عميدا في سلك الشرطة في أحدى مناطق محافظة واسط أما الضابط الشريف( منعم عبد الرزاق موحان ) والذي يعرفه كل أبناء الكوت لنزاهته وسلوكه المنضبط وفصل في زمن الطاغية من سلك الشرطه بعد أن عين لفترة قصيرة بعد السقوط مديرا لشرطة الكوت لكن الأمريكان لم يوافقوا على بقائه لأنه لم يخضع لأوامرهم وهكذا تستمر المفارقات العجيبة في عراق الفجائع .
جعفر المهاجر – السويد