الرئيسية » المرأة والأسرة » كيف يتمثل الشباب الوسط الاجتماعي الجديد

كيف يتمثل الشباب الوسط الاجتماعي الجديد

التنقل ما بين مكان إلى آخر هو من أكثر العوامل تأثيراً في الإنسان، لأنه يتحول من مكان ذو صفات اجتماعية وطبيعية معينة إلى آخر ذو صفات مغايرة للمكان الأول، وهذا ما يوجب على هذا الإنسان التحول إلى حد ما باتجاه تلك المتغيرات التي تؤثر عليه بدرجات مختلفة، ولكن تبقى تلك المؤثرات نسبية وتتغير وتتوافق مع المكونات الأساسية لدى ذلك الشخص ومدى قابليته للتغيير واستقبال الجديد في حياته.

وتأتي مرحلة الانتقال من الريف إلى المدينة أو من المدينة الصغرى إلى الكبرى في مقدمة رحلات الهجرة التي تكثر فيها هذه الحالة، وربما يكون عامل الهجرة المرتبط بالدراسة والانتقال إلى الجامعة هو العامل الأكثر تأثيرا، نتيجة الانتقال من ثقافة ضيقة إلى ثقافة أكثر انفتاحا، ولذلك فإن المتغيرات التي يتعرض لها الشخص أيضا تكون مختلفة وعميقة.
حالة خاصة
” ك.م” فتاة ريفية استطاعت أن تحصل مجموعا يؤهلها لدخول الجامعة في دمشق، وإذا ما كان الأمر يبدو إلى الآن سارا فإن ما تعرضت له هذه الفتاة فيما بعد لم يكن فيه إلا ما يدل على تغيرات عميقة في نفسية تلك الفتاة عبر سنوات الدراسة في الجامعة.
تنورة طويلة وحجاب وألبسة تدل على احتشام. تلك هي الصورة التي انطلقت بها الفتاة في مسيرة الدراسة ولكن ما حدث هو أنها خرجت من الجامعة وهو تلبس البنطال وتلون شعرها بالأحمر وترتدي (بلوزة ضب) فماذا حدث، وما هي القوة الكبيرة التي غيرت في معالم هذه الفتاة؟.
محاولة تقليد
وربما يكون في الأمر الكثير من الوضوح، لأن ما حدث لا يثير الكثير من الاستغراب وخاصة إذا علمنا بأن هذه هي حال العشرات من الفتيات القادمات من الريف واللاتي يتعرضن للكثير من التغييرات المتناقضة في شخصيتهن سواء كان ذلك التغيير شكلا أو مضمونا.
وتأتي عملية التغيير ابتداء من محاولة تقليد الغير التي يظن الشخص بأنه أفضل منه أو مميز عنه ويتم الاهتمام به أكثر، وهذا ما يدفع بالقادم إلى محاولة كسب الاهتمام إلى حد ما، مم يقربه من القاطن الأصلي، أو حتى محاولة التماهي مع بعض القادمين المتفقين في ذواتهم مع المجتمع الجديد أصلا نتيجة تربية عائلية أكثر انفتاحا على الجديد والبعيد.
التغيير نحو الأسوأ
وإذا ما اعتمدنا القول بأن التغيير فيه ما هو ايجابي دائماً إلا أننا يجب أن نتعرض لطبيعة هذا التغيير الذي لا يتم بطريقة سوية، لأن مجرد محاولة التقليد الأعمى من شأنه أن يؤدي إلى السلبية في التلقي والسلبية في تمثل ما تم تلقيه من الآخرين الذين يود الشخص أن يصبح مثلهم دون التفكير في مميزات شخصيتهم، الأمر الذي يجلب عليه الكثير من السلبيات، سواء من النواحي النفسية أو الاجتماعية والتي تؤدي به إما إلى التمادي في القيام بالشاذ من السلوك أو إلى الانهيار النفسي نتيجة عدم قدرته على التقليد السليم الذي لا يوصله إلى درجة من يقلد وعدم قدرته من جهة أخرى على إرضاء المجتمع الذي يحيط به والذي ينبذه لأنه حاول التخلي عنه لاشعوريا وعبر محاولة رفض قيمه الموجودة في شخصيته.
ختام التقليد
وبالعودة إلى ما آلت إليه أحوال الفتاة ك. م نجد بأنها لم تستطع إلا أن تكون ضحية لهذه المتغيرات الصعبة على التحليل، وخاصة حين يكون الإنسان هو بذاته موضوع التأثر،وكانت المحصلة أنها لم تستطع أن تكوّن أي صداقات في المجتمع الطلابي الذي انتمت له لمدة طويلة دون القدرة على فهمه والقدرة على التماشي معه، وحين أنهت دراستها وقعت في تناقض أكبر فهي الآن مدعوة لأن تتخلى عن كل ما حاولت أن تقلده في شخصيتها، وإذا ما كانت العودة قد وفّرت لها شيئا من الاستقرار إلا أن تلك العودة أدت بها إلى الشعور بالهزيمة، مما أدى إلى تغييرات في أخلاقياتها ونفسيتها التي تحولت إلى شيء من العدوانية، غير قادرة على السيطرة على تلك النبتة التي تولدت من احتكاكها دون توازن مع الوسط الآخر المغاير في مكوناته النفسية والاجتماعية عنها.
إن تلك الطفرة التي شكلت مجموعة من الحالات الشاذة في الجامعة مثلا ، لم تعد طفرة الآن بل تحولت إلى حالة عامة وبنسب عالية، والسبب يعود غالبا إلى المؤثرات الخارجية التي لا تؤثر فقط على هؤلاء المتنقلين إلى المدينة بكل جديدها، بل تؤثر أيضا على أبناء ذلك المجتمع الذي ينتقل أفراده من حالة إلى أخرى دون الحاجة إلى التنقل عبر المكان الذي يغير من ملامحه حسب ما يرد من جديد من الغرب وغيره من الحضارات المؤثرة على واقعنا، وهنا يجب الانتباه إلى حجم تلك المؤثرات التي تقضي على الكثير من القدرات الشابة والتي لا تستطيع التأقلم مع الجديد بسهولة مم يؤدي بها إلى الفشل وفقدان الكثير من الطاقات الشابة.
http://www.thara-sy.com/thara/modules/news/article.php?storyid=914