الرئيسية » مقالات » إنتخابات لبنان.. مبروك للديمقراطية

إنتخابات لبنان.. مبروك للديمقراطية

كان الشعب اللبناني في السابع من الشهر الجاري على موعد مع الإنتخابات النيابية (البرلمان) وقد جاءت النتائج لصالح قوى (14) آذار حيث حصلت على (71) مقعداً نيابياً وبنسبة 55% من أصوات الناخبين مقابل (57) مقعداً لقوى (8) آذار؛ أي بنسبة 45% من الأصوات. وهكذا فقد أكد الشارع اللبناني، مرة أخرى، وقوفه مع المشروع السياسي المطروح من قبل ما يعرف بجبهة (الإعتدال) والتي تمثلها داخلياً (تيار الموالاة) وعربياً تقوده كلٍ من السعودية ومصر والمدعوم أمريكياً وأوروبياً وقد أسقطت بذلك – أي الشارع اللبناني – حجة (المعارضة) وإدعاءاتها ضد الأكثرية النيابية لقوى (14) آذار بأنها “أكثرية وهمية” نظراً لظروف الإنتخابات السابقة لعام 2005م وما شهدها لبنان من أحداث سياسية وعلى الأخص إغتيال رمز الوحدة الوطنية ورئيس حكومتها؛ الراحل رفيق الحريري؛ حيث كانت قوى (8) آذار تدعي بأن تلك الظروف قد أثّرت في الواقع اللبناني وأصوات الناخبين، مما جاءت النتائج حينذاك لصالح قوى (14) آذار وبفارق غير كبير وكانت تراهن على نتائج الإنتخابات الأخيرة – قبل أيام – في إستباقٍ للحدث وتطعن في أكثرية تيار الموالاة وتنعته بالوهمية.

وقد سبق يوم الإنتخاب/ الإمتحان – وكما في كل الدول الديمقراطية والتي تحترم رأي المواطن – الكثير من الجدل والنقاش السياسي في الشارع اللبناني وحتى العربي والدولي وذلك لما لها (أي لتلك الإنتخابات) من أهمية قصوى – رغم صغر جغرافية لبنان – في عملية الصراع السياسي الدائر بين ما يسمى بقطبي “الإعتدال” و”الممانعة” في المنطقة وقد كان كل فريق يدعي “الوطنية” لمشروعه السياسي وبأنه يمثل الأكثرية الشعبية أو الجماهيرية. ولكن ها قد جاءت النتائج، وكما رأينا ومن خلال وسائل الإعلام وعلى لسان وزير داخليتها السيد زياد بارود، تؤكد فوز قوى (14) آذار وبفارق لا بأس به من الأصوات وقد أعترف السيد حسن نصر الله زعيم (حزب الله) اللبناني شخصياً بذلك ولم يطعن في النتائج أو نزاهة العملية الإنتخابية وإن مقولته الأخيرة “أنهم – أي حزب الله وملحقاته – يمثلون الأكثرية الشعبية” لا يغير من المعادلة بشيء؛ فهي ليست بأكثر من عملية “تنفيس” لحالة المهزوم. وبالتالي فإن الأكثرية النيابية لقوى (14) آذار هي أكثرية حقيقية، بمعنى أن الناخب اللبناني هو الذي حدد وقوفه مع أي من المشاريع السياسية المطروحة في ساحتها وذلك من قبل الفرقاء المختلفين والمدعومين من قوى إقليمية ودولية.

وهكذا فقد أثبت الناخب اللبناني بأن شعوب المنطقة ليست بشعوب قاصرة لا يمكن أن تستوعب الحالة الديمقراطية كما تدعي ذلك الأنظمة الديكتاتورية والإستبدادية في تسلطها على شعوبها و”مركزة الدولة” بيد طغمة حاكمة وبحجة “الشرعية الثورية” وبالتالي عدم إفساح المجال للشارع الوطني بأن يمارس العملية الديمقراطية، والإستعاضة عنها بما يمكن تسميتها بـ “الديمقراطية الإرشادية” أو “الإصلاح السياسي والإقتصادي” – وعلى مراحل – حتى لا تعم حالة الفوضى داخل بلدانها وذلك حسب إدعاءات تلك الأنظمة. بل أن نتائج الإنتخابات اللبنانية – وقبلها الكويتية – أثبتت وبجدارة توق شعوب المنطقة وحاجتها لمناخات ديمقراطية حقيقية تعبر من خلاله عن طموحها في النظم السياسية القادمة والتي يجب أن تقود بها بلدانها ومؤسساتها الشرعية والدستورية. وهكذا فقد أسقطت “الحجة” من أيدي تلك الأنظمة وكشفت عن مدى هشاشة إدعاءاتها تلك وزيف حججها ودرجة خوفها ورعبها من إنتخابات حرة ديمقراطية تسودها الشفافية بعيداً عن “منطق الوصاية”.

النقطة الثانية والتي أفرزتها نتائج الإنتخابات النيابية في لبنان هي: أن المسقبل هو للمشروع السياسي العقلاني المعتدل وليس للتطرف والمغالاة و”الشعاراتية” وذلك على الرغم من كل الإحتقان السائد في المنطقة ومزاودات الجماعات المتشددة والمتطرفة؛ حيث أن كل تبجح حزب الله، ومن وراءه المحور الإيراني – السوري، بمشروعهم “المقاوم” لم يفلح في إستقطاب الناخب اللبناني. وهكذا فعلينا أن نعيد حساباتنا وبأن هذه الحمية الإسلامية – والتي سميت من قبل البعض بـ “الصحوة الإسلامية” – ليست بأكثر من حالة “رد فعل” على فشل مشاريع “وطنية” سابقة صبغت بألوان قومية أو ماركسية وبالتالي فعلى القوى الديمقراطية والليبرالية أن تُفعّل أكثر من نشاطاتها وأن تطرح مشروعها السياسي الوطني بجرأة وثقة ولا تتخفى وراء شعارات قوموية تُجاري بها كلٍ من التيار الديني الذي يحاول إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وأيام السلف أو القومي الذي أدخل مجتمعاتنا في صراعات داخلية بين مكونات الدولة الواحدة وعلى مفاهيم مغالية في العنصرية والشوفينية.

وهكذا فلا يبقى لنا إلا أن نقول مع الأستاذ (سعيد علم الدين): لقد “انتصر لبنان الرسالة والحضارة والكلمة الحرة والاعلام والابداع والنضارة وثقافة الحياة.. وانتصرت في لبنان قيم الديمقراطية والحرية والتعددية والعيش المشترك والليبرالية..” وذلك على القوى الظلامية والشعاراتية المتطرفة. فألف مبروك للشعب اللبناني الصديق بكل طوائفه ومكوناته وتياراته السياسية و”عقبال” كل شعوب المنطقة ودولها بأن تسير على درب الشعب اللبناني في خلاصها وتحررها من أنظمتها الظلامية القروسطية وأولهم شعبنا السوري بكل مكوناته وأعراقه وأطيافه في تحقيق اليوم المنشود والوصول بالبلد إلى نظام ديمقراطي تعددي فيدرالي يصون كرامة وحرية الإنسان أولاً وأخيراً ويلبي طموح شعبنا السوري عموماً وضمنهم شعبنا الكوردي.

هولير – 10/6/2009