الرئيسية » مقالات » خطاب اوباما .. تغيير في التكتيك الأمريكي وصناعة نجم جديد

خطاب اوباما .. تغيير في التكتيك الأمريكي وصناعة نجم جديد

قيل الكثير عن زيارة الرئيس الأمريكي باراك حسين اوباما لمنطقة الشرق الأوسط وخطابه الذي ألقاه في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي التي استقبله فيها احد رؤساء شيوخ العرب المعمرين ممن لا زال ملتصقا على كرسي الرئاسة رغم انه بلغ أرذل العمر .
والصورة الأولى التي جابهت المتابع للزيارة ( التاريخية ) لاعتى دكتاتوريتين عربيتين في المنطقة مصر التي لازالت تحكم من قبل حاكم واحد احد من قبل 28 عاما بكل تناقضات السلطة وتخلفها وفشلها على كافة الأصعدة وطموح حاكمها ( الجمهوري ) لتوريث السلطة لابنه جمال مبارك ، والسعودية التي تقف من دون العالم بدون قانون أو نظام يقرب من أي شكل من أشكال الدستور ، أو محاكم مدنية قضائية تتوفر فيها ابسط أنواع العدالة ولا أدنى درجات لاحترام حقوق الإنسان واختصار بلد بأكمله وتسميته باسم عائلة .
فزيارة اوباما لهاتين الدولتين بحد ذاتها تترك علامات استفهام عديدة تدمغ كل ما قيل وسطر من بهارج الكلام والتصفيق والتزمير للزيارة ( التاريخية ) ، كون الرئيس الأمريكي لم يجد غير هاتين الدولتين الغارقتين في الدكتاتورية والتسلط ليتشرف بمقابلة شيخين كبيرين كل منهما بعمر احد أجداده لو قيس عمر الرئيس الأمريكي بعمر كل من الملك السعودي وصاحبه الشيخ الرئيس المصري المعمر في الدنيا وعلى كرسي الرئاسة ، ودعم واضح وجلي لدكتاتوريات متركزة في المنطقة .
فمن أول لقطات الزيارة نرى الارتباك والحيرة تلف الملك السعودي الذي كان يجاهد في اللحاق بالشاب الرشيق الطويل الذي كان يخطو بسهولة وثبات على البساط الأحمر بينما كان الملك يحكم طوق عباءته حول جسمه بكل قوة حتى لا تسقط من على كتفيه وهو يسير بجهد واضح محاولا اللحاق بحفيده الشاب اوباما الذي كان رغم مشيته البطيئة يسبقه بخطوات عديدة وبدا مظهرهما وكان الجيل الجديد يسير بكل خفة ورشاقة بينما الجيل القديم يتراجع بفعل الزمن للوراء كثيرا .
وكانت الصورة أكثر وضوحا عند مدخل قصر القبة في مصر وفي قاهرة المعز لدين الله الفاطمي بالذات عندما كان الرئيس المصري يزم شفتيه ووجهه منكمش على ما يبدو اثر آلام الفقرات التي تسببها الشيخوخة بفعل وقوفه طويلا في وقفة عسكرية رسميه بغية سماع النشيد الجمهوري للدولتين رغم كل ما أخذه من حبوب البروفين والاندوسيد المضادة لالتهابات المفاصل والفقرات ، واللازيكس لسريان الإدرار وعدم تقطعه لشيخ في عمره ، وجلسات العلاج الطبيعي والمساج .
وما طرحه البعض من تبريرات وفرح وإشادة بالخطاب ( التاريخي ) للرئيس الأمريكي لا يعدو كونه سوى تهليل وتكبير لشئ يسمى في علم السياسة بـ ( التكتيك في الستراتيج ) . وكما هو معروف فالستراتيجية الأمريكية ثابتة دون تغيير وليست آنية أو بنت وقتها وبموجب مزاج الرئيس الذي يهب ما لا يملك ، فهي نتيجة دراسات ونقاش مخططين للسياسة الدولية من مختلف الصنوف الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنلوجيه وستراتيجيين مدنيين وعسكريين وغيرها ليسير الرئيس وفق خطوطها العامة ، أي رئيس للبيت الأبيض الذي هو موظفا فيه كبقية الموظفين وليس سيدا للبيت كما في دول العالم الثالث كما يتصور البعض ، وبموجب ذلك المخطط البعيد المدى يتصرف الرئيس. ولن يستطيع ( حفظه الله ورعاه ) أن يمس أي خطوة أو فاصلة من فواصل الخطة كونه منفذ وليس مخطط ، ووكيل للشركات والبنوك والاحتكارات العالمية العملاقة في العالم الرأسمالي .
والتكتيك الأمريكي الجيد كان في صناعة نجم جديد بعد أن استنفدت النجومية في محاربة الإرهاب العالمي وخبا ضوئها بانحسار وتراجع الإرهاب الدولي ووضعه في زاوية حرجه بعد أن قامت أمريكا بتحجيمه وتقليم أظافره إن كان في افغانستان أو العراق أو على الحدود الباكستانية . وبدأت العودة من جديد لمغازلة الإسلام السياسي كما هي فترة ثمانينات القرن الماضي عندما بدأت أمريكا بزرع جنين إرهابي في وسط العالم وتهيئة مجاميع طلبان وتدريبها وتزويدها بمختلف صنوف الأسلحة الخفيفة والمستشارين لمحاربة العدو الرئيسي آنذاك أيام الحرب الباردة ( الاتحاد السوفييتي ) ، ومحاربة النظرية المضادة للرأسمالية وهي النظرية الاشتراكية . لكن عودة أمريكا هذه المرة لمغازلة الإسلام جاءت بصورة مغايرة تماما إذ هيأت للظرف الجديد بتكتيك عال جدا بدأته بالرئيس الأمريكي الذي جاء هجينا كمسيحي من اصل مسلم واسود إفريقي من اصل طالب دراسة أفريقي وليس مهاجر للولايات المتحدة الأمريكية ، إضافة لعمره الصغير الذي يسمح له بسرعة وخفة الحركة التي تتطلبها النجومية . فصناع السياسة الأمريكية لم يأتوا بـ ( باراك حسين اوباما ) اعتباطا ولا جاء هو لسدة الحكم عن طريق الصدفة ، ولا عن طريق مجريات الانتخابات الأمريكية الشكلية ديمقراطيا كونها تتحكم فيها أمور دعائية ومالية وتدخلات من شركات واحتكارات ولوبي معروف سلفا ضمن الإدارة الأمريكية ، لان عملية انتخاب رئيس للولايات المتحدة الأمريكية لا تكون سلسة وبتلك السهولة التي يتخيلها البعض ويسطر الجمل الإنشائية من اجلها وكما قال احد ( الكتاب الجهابذة ) العراقيين الدخيل على الكتابة أصلا في إحدى السنوات المنصرمة ( سأنتخب الرئيس بوش ) ، بل هي تخضع لظروف معينة أقوى بكثير من شخصية الرئيس مهما كان يحمل من كاريزما تؤهله للرئاسة وتضعه على باب البيت الأبيض الأمريكي .
والعودة لمغازلة الإسلام السياسي تكون بالحج لأكبر دولتين إسلاميتين برأي الراعي الأمريكي وهما السعودية ومصر ، والنمط السني بالذات الذي توالد منه الإرهاب الاسلاموي مبتدءا بالإخوان المسلمين الجنين السياسي للإسلام الإنكليزي في شخص إخوان مصر المسلمين ، ثم في الخط الاسلاموي التكفيري الوهابي الذي توائم في منتصف ثمانينات القرن الماضي مع الأطراف التكفيرية المنشقة عن الإخوان المسلمين المصريين بعد حادث اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في العام 1981 .لكن الخطأ الأمريكي يظل دون تصحيح دائما حيث إن من توجهت اليهما أمريكا للبدء في مرحلة سياسية معينة هما من الدول المشهور عنهما غياب الديمقراطية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان والتوارث في السلطة الملكية والجمهورية ، إضافة لتجاوز الطرف الإسلامي الآخر المتمثل في النهوض الشيعي الحاضر الذي لم تستطع للآن لا السعودية بكل قوتها البوليسية ورجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ( أحفاد ) من وأد الدولة الفاطمية في مصر وصفى قادتها ومناصريها بكل شراسة ووحشية ( صلاح الدين الأيوبي ) أن يوقف المد الشيعي فالهلال الشيعي على وصف الرئيس المصري محمد حسني مبارك سوف يصبح مستقبلا قمرا مدورا يبهر بضوءه عيون الرئيس المصري ويسيل الدمع منها إذا لم تتلاحق أمريكا وتغير من تكتيكاتها المتواجدة على الأرض بعد أن خبا نجم طلبان والقاعدة وتناسى الناس خطب وعنجهيات أسامة بن لادن ومساعده الطبيب الجراح القابع في كهوف تورا بورا الدكتور ايمن الظواهري ، واستطاعت أمريكا أن تتمركز بكل قواتها في كل دول النفط المطلة على الخليج ماعدا إيران التي تحاول مغازلتها الآن بفعل ما قام به نظام صدام حسين السابق من حروب مفتعلة لإيجاد مبرر قوي لتمركز القوات الأمريكية في المياه الدافئة بعد أن كانت تنظر إليها من على بعد ومن قواعدها التي كانت تستأجرها في ديغوكارسيا ولا تستطيع أن تتجاسر بالوصول إليها بسبب من تمركز أساطيل الدب الروسي السابق في المنطقة .
إذاً أين النجاحات التي سطرتها زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة وخطابه ( التاريخي ) الذي حاول فيه أن يجذب المسلمين وتلفظه بطريقه ممسرحه للغاية لعبارة ( السلام عليكم ) واستشهاده بآيات من القرآن الكريم ؟! . حقيقة لا أنكر ردة الفعل عند البعض من بسطاء الناس ومتلقي الأخبار والجاهلين بدروب السياسة لعدم دراية بألاعيب السياسة ودروبها ودهاليزها الملتوية ، ولكن يبقى الخطاب كرشة ماء بارد على وجه شخص متعب في يوم قائظ وشديد الحرارة لا يفتأ بعد لحظات أن يعرق وجهه من شدة القيظ والحرارة ، لان الطرف الآخر وخاصة الدولة العبرية لا تتصرف بموجب الوعود والعهود بل تتصرف هي الأخرى وفق ستراتيج ثابت في قضم الأرض والامتداد الأفقي وضمن منطق القوي بعيدا عن فذلكات السياسة وضعف الطرف المجني عليه من العرب العاربة والمتأمركه .

* شروكي من بقايا القرامطة وحفدة ثورة الزنج