الرئيسية » مقالات » السياسة الأمريكية الجديدة ومواجهة التوازنات الإقليمية والدولية

السياسة الأمريكية الجديدة ومواجهة التوازنات الإقليمية والدولية

من الثابت والمعلوم لكل باحث ودارس ومراقب للحالة السياسية الثابتة بقواعدها وقوانينها,والمتحركة بتكتيكاتها ومواقعها ومواقفها الديبلوماسية المتغيرة , وفق الظروف والتحولات الدولية والإقليمية وبخاصة في ظل صناعة القرار السياسي على يد كبار اللاعبين في العالم, من الثابت أن السياسة ألأمريكية والغربية عموما لا تخضع لتغيرات محددة في الموقع الرئاسي والحزبي وانتصار هذا الطرف أو ذاك في المعارك الانتخابية , بقدر الاختلاف في الرؤى والتوجهات والخصوصيات التي تخضع في المحصلة النهائية لمؤسسات وطنية أفرزتها تجربتها الديمقراطية, وتراثها الفكري والثقافي والتربوي والإعلامي, على مدى أجيال من التجارب والعثرات والعقبات التي أعطت – في عصارة ذلك- تلك الصيغة المتقدمة, من المؤسسات والنظم القانونية والدراسات الاستراتيجية – على اختلاف في المدارس والمراكز والرؤى والتصورات-, ليأتي اللاعب الجديد من الرئاسة والكونغرس ومجلس العموم ومجالس الأمة, وما شئت من تسميات تشريعية وقضائية وتنفيذية, لتتحرك في الإطار العام الذي رسمته تلك المؤسسات على مدى عقود , وخططت له عقول كبيرة من خلال دراسات ومعاهد وجامعات وأكاديميات متخصصة , تحمل من الكفاءات والتخصصات والاستشارات ما يندر أن تجد لديها الصيغ الفردية الجاهزة ,والعبقريات المتفردة والخارقة للمألوف والعادة, كما نجد في العالم الثالث , والتصورات حول الطوطم والرمز والأعجوبة والألقاب في الأنظمة الشمولية والاستبدادية , دون أن نسبغ النزاهة المطلقة, أو المعيار الفكري والأخلاقي المبرأ من كل سلبية وعيوب, وازدواجية أحيانا, على الممارسات الديمقراطية, مهما تقدمت في صيغها وتجاربها ومؤسساتها , لكونها رهينة الظروف والتطورات والتحولات التي تفضي دائما – في سيورتها وتطورها ومواكبة الأحداث والمنعطفات التاريخية البارزة- إلى الأفضل والأرقى والأكثر خدمة للبشرية ومصالحها الوطنية والقومية والإنسانية , والتي لا تكاد تعفيها من العثرات والأخطاء والمواجهة والتوازنات الإقليمية والدولية , وهو ما نريد التركيز عليه والاستفادة منه وبيان آفاقه في محاولتنا هذه.
وقد تجلت معطيات هذا العمل السياسي في الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي حقق فيها الديمفراطي الإفريقي , ذو الأصول الإسلامية ” باراك حسين أوباما ” فوزا حقيقيا مستفيدا من العثرات التي اعترضت مسيرة الإدارة الجمهورية, على مدى ثمانية أعوام من التحولات التاريخية الخطيرة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومقدماتها ونتائجها وحروبها الحاسمة , وبروز دور تنظيم القاعدة الذي تحرك في نحو ستين دولة في العالم , وشن عمليات منظمة وخاض أساليب قتالية وانتحارية في أفغانستان وباكستان والعراق وتحالف مع كثير من الجماعات والقوى والأطراف والمنظمات, مما كلف إدارة الرئيس الأمريكي ” جورج بوش ” الكثير من الأعباء المادية والعسكرية والتحالفات السياسية وما أفرزته من نتائج وامتعاضات في الداخل الأمريكي وفي العلاقات والتحالفات الدولية والإقليمية, والأزمة المالية العالمية, ومعاناة الاقتصاد الأمريكي ووضع دافعي الضرائب , وتبعات وآثار الحروب الخارجية , في ظل حرب طاحنة على التطرف والعنف والأنظمة الاستبدادية , وما كان من سقوط طالبان والنظام الدكتاتوري الدموي في العراق, ووضوح التوجه الديمقراطي فيه رغم التحديات الأمنية والاقتصادية الخطيرة فيه , وبقايا الرؤية الشمولية مع آثار مناهج وبرامج ومؤسسات تربوية, روجت له وحضت عليه , وما حدث من ملاحقة بقايا الإرهاب وأيتام النظام العراقي البائد , ومحاولات إنجاح التجربة الديمقراطية في العراق , والتصدي لتعقيدات القضية الفلسطينية, والصراع العربي الإسرائيلي وما حصل في غزة من آثار العدوان الإسرائيلي, وقصة الحصار والمعابر والأنفاق , وبقاء التوتر بين حماس وحزب الله وإسرائيل من جهة , ومن تعثر المفاوضات بين حماس والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى , وبروز بوادر أزمة سياسية بين أطراف العملية السياسية في العراق , وطرح مراجعة بعض مواد الدستور , وتعثر تنفيذ المادة /140/ منه , وطرح المالكي للعودة إلى مركزية الدولة, وما حصل في لبنان من اتفاق الدوحة , حول طاولة الحوار المفتوح بين مختلف القوى والأفرقاء اللبنانيين , ليرث الرئيس الجديد , وترث الإدارة الديمقراطية تركة ثقيلة , وإرثا سياسيا معقدا إلى جاني الملفات الساخنة والحساسة في روسيا وقضايا الدرع الصاروخي والنزاع الروسي الجورجي, والملف النووي الكوري الشمالي وتحديات الملف الأيراني, والتهيد الإسرائيلي بمواجهته وقلقها من تنامي القدرة النووية الأيرانية , كل ذلك يشكل عبئا ثقيلا على الإدارة الجديدة , والرئس الجديد الذي يحاول أن يغير ويتغير ويطرح أسلوبا جديدا في التعاطي مع التحديات الدولية والإقلمية التي تواجه إدارته , وما يطرحه من نمط مستجد من التعامل والتفاعل , وهو ما تجلى في خطابه الأخير الذي ألقاه في القاهرة , من منبر جامعة القاهرة في مصر , في الرابع من حزيران الجاري,إلى العالمين العربي والإسلامي, والذي تجلت فيه موهبته في قوة البلاغة والقدرة على تناول القضايا الكبرى بأسلوب مؤثر وعميق, ومدخل إلى النفوس بما يعطيه نمطا فريدا من التبليغ والإحاطة والاطلاع التاريخي, والرؤية الفكرية المعززة لتوجهاته الديبلوماسية الهادئة, ودعوته إلى سماحة الإسلام وتوجهه السلمي , ” ومنع إراقة دم بريء , يعد الاعتداء عليه وقتله بمثابة الاعتداء على الناس جميعا , ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا..” , وما أثارته هذه الدعوة من ردود شتى كان أشدها , وأكثرها حذرا وتوجسا الرد الأيراني على لسان مرشد الثورة الأعلى السيد ” علي خامنئي ” حينما طلب من الرئيس أوباما أن يقرن أقواله الإيجابية عن العالم الإسلامي, ومفهوم التحاور المباشر مع مختلف القضايا العالقة بالأفعال , ألا يكتفي بالشعارات ودغدغة المشاعر , في حين وصفت القاعدة خطابه بجملة تناقضات عدائية مضللة , إلا أن الغالب على الردود العربية والدولية والإقليمية على النمط الجديد المطروح كان إيجابيا , وبخاصة في قضايا الشرق الأوسط عامة والقضية الفلسطينية خاصة حول ” دعوة إسرائيل إلى وقف الاستيطان وحمى التوسع فيه ,وحل الدولتين والعودة إلى طاولة الحوار , وبالمباشرة في الإشراف الدولي, وضرورة تحلي الطرفين بروح المسؤولية العالية وتنفيذ القرارات الدولية , ودعوة حماس إلى الانخراط في العمل السياسي ونبذ العنف والاعتراف بإسرائيل ..”, والرغبة في الدخول في مفاوضات مع طهران حول ملفها النووي , وتهديد كوريا بعقوبات صارمة , وفرض مزيد من العزلة الدولية عليها مع تنامي تصرفاتها وتحدياتها الاستفزازية المتصاعدة على حد قوله, والتركيز الواضح على حق الشعوب في اختيار حكوماتها وفق أسس ديمقراطية, وأن يكون لها الحق في تقرير سياساتها ومصالحها , وما للأقليات من خصوصية وحقوق مشروعة , في ظل تجاهل أنظمة الشرق الأوسط هذه الحقوق , في الوقت الذي نجد غيابا مؤسفا وغير واقعي , وتهميشا للآخرين , ورفضا لوجود المكونات والشعوب الأساسية في بعض البلدان, وإنكارا للتعددية السياسية والفكرية والقومية, كما نجد في بلدنا سوريا , والذي يمكن أن يستفيق على هذا الواقع بمزيد من الحرص على المصلحة الوطنية العليا , مع تنامي موجة الإقصاء والإنكار والفقر والاحتقان , وقد ركز هذا الخطاب على تلميح في هذا الجانب الحيوي , الذي كان قد عمل له في زيارته إلى أنقرة وطرح ” ضرورة حل القضية الكوردية فيها بالطرق السلمية والحوار ” في لقائه بالمسؤولين الترك والكورد ” في الإدارة التركية , ومع السيد أحمد ترك, بعد الفوز المشهود في انتخابات الولايات والإدارات البلدية” , في حين أننا ندرك , ويدرك الباحثون والمؤرخون أن الكورد أمة أصيلة, ذات عمق تاريخي وكفاحي , وكم عددي هائل , رغم ملايين المستعربين الذين دخلوا الإسلام , وتقبلوا لغته واستبدلوها , شأن كثير من الشعوب والأمم والمكونات, التي تشكل وعاءا لغويا وحضاريا للعرب من هذه الملايين المستعربة ( مما يستوجب دراسة مستقلة في القريب العاجل ), كما عالج الرئيس – ومع اقتراب الانتخابات اللبنانية ” بعد أربعة أيام من خطابه) الوضع الدقيق والحساس المحيط بلبنان دوليا وإقليميا, والمؤثرة فيه , مركزا على ضرورة احترام نتائج العملية الديمقراطية المرتقبة في هذا البلد , وتقبل إرادة اللبنانيين في اختيار ممثليهم في البرلمان المقبل , والاحتكام إلى صناديق الاقتراع, كما حدث في العراق, لتأتي النتائج الأخيرة بعد انتخابات تمت بإشراف دولي ورقابة أمنية صارمة – رغم بعض التجاوزات -, وتخرج قوى الرابع عشر من آذار بأغلبية برلمانية, وتقبل المعارضة بخسارتها( /17 مقعدا للموالاة, مقابل /57/ للمعارضة) , داعية إلى ديمقراطية توافقية , كما حصل في النموذج العراقي , وهو – في رأينا – يحقق المصلحة العليا للمعارضة والموالاة , ويضع العملية السياسية برمتها أمام المسؤولية التاريخية لحماية الوطن, ومقدراته وقيمه الديمقراطية, في تقبل الآخرين , واحترام الحق المشروع للمعارضة باحترام متبادل , وحوار وطني بناء , وهو ما ننشده في واقعنا المعاصر, وفي البلدان المتعددة الأعراق والمذاهب والاتجاهات السياسية , صيانة للعملية السياسية الناجحة القائمة على قبول نتائج الفرز الديمقراطي, دون قمع الرأي الآخر أو رفضه أو احتكار القرار السياسي وتجاهله , وهو جوهر العمل الديمقراطي الحقيقي الإرادي والوطني, المدرك للمصلحة الوطنية العليا ومكوناته وتوجهاته الفاعلة على الساحة .
إن الإدارة الأمريكية الجديدة, والمجتمع الدولي بمؤسساته ومنظماته, ودوله المؤمنة بالديمقراطية – وهي تواجه تركة معقدة ودقيقة دوليا وإقليميا – بحاجة إلى حكمة بالغة , وصبر وتحمل لمواجهة التوازنات الدقيقة , ولجم الاندفاعات والدخول إلى مختلف المحاور , وبذل أقصى الطاقات لإنجاح التحاور وتلمس التجانس وتلاقي الحضارات , والخروج من أطر المكاييل والمعايير المختلة , والنظر بجدية إلى قضايا حقوق الإنسان بتوازن , و القضايا العالقة للأمم والشعوب, والبحث عن حلول عادلة لها بالتعاون مع المجتمع الدولي ومؤسساته , ومنع الانتشار النووي وسباق التسلح فيه, ووضع حد لقيم العنف والتطرف والاستبداد والإرهاب والاستعلاء العرقي من أي موطن ومصدر , ورفض القيم التحريضية وترويج الكراهية , والدعوة إلى نشر العلم والمدنية ومقاومة الفقر والتشرد والتخلف , مما تعد قضايا عالمية ينبغي أن يستنفر المجتمع الدولي – بتعاون وتضافر – طاقاته وقيمه وموارده وذخائره من أجل التعمير والبناء والازدهار, ورفض كل أشكال القمع والتعذيب والاعتقال الكيفي, والإكراه على أي عقيدة , في عالم ينبغي أن يحترم التواصل والتشاور والتلاقي والتكامل, وتحدي أخطار الكوارث البيئية والمناخية, وتحديات الهجرة بدافع الفقر والاضطهاد والظلم, مما لا يخضع لإطار الأمنيات بقدر ما يمكن إنجازه في ظل التحديات الجدية والمواجهة الجماعية المسؤولة, لتنعم البشرية بالأمن والاستقرار والرفاهية والمكانة الإنسانية اللائقة .