الرئيسية » دراسات » العراق والقضية الكوردية بعد ثورة 1958 – القسم الاول

العراق والقضية الكوردية بعد ثورة 1958 – القسم الاول

في 4/كانون الأول/1975 ناقشت هيئة من أساتذة السوربون أطروحة الأستاذ عزيز الحاج حول “القضية الكردية في العراق بعد ثورة 1958” التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه ، الحلقة الثالثة . وبعد مناقشات مستفيضة تميز بعضها بالأحتدام ، أعلنت الهيئة المحكمة عن منح صاحب الأطروحة لقب الدكتواره في العلوم الأجتماعية – السياسية بدرجة جيد جداً. وقد تناولت الملاحظات الأنتقادية للأسانذة مسائل كثيرة سياسية وأجتماعية وأقتصادية تخص القضية الكردية في العراق.
وكان أحدهم متحاملاً جداً على الأتجاه التقدمي الذي تعكسه الأطروحة. ومن بين النقاط المهمة التي تستحق الأشارة والبحث، الملاحظات حول:-
1- الأقطاع العراقي (والعربي عموماً) في العهود الإسلامية والعهد العثماني.
2- ثم في تحديد هوية النظام الأجتماعي – الأقتصادي في ريف العراق قبل ثورة 1958.
فأحد الأساتذة لم يوافق على تعبير “النظام شبه الأقطاعي” وأعتبره أصطلاحاً مستورداً من النظام الشيوعي الصيني ولا ينطبق تماماً على واقع الحال. وهو ما لم يوافق عليه. أما بالنسبة للأقطاع في العراق قبل السيطرة البريطانية ، أي في العهد العثماني ، فأن الشخص نفسه لا يوافق على وجود (أقطاع) عربي، وحجته عدم وجود كلمة (أقطاع) بالمدلول الغربي في اللغة العربية… وطبيعي أننا لم نخلط ولا نخلط بين الأقطاعية العراقية – العربية والنظام الأقطاعي الذي كان سائداً في أوروبا في العصور الوسطى (وفي بعضها حتى أواخر القرن 19) فهنالك فوارق جوهرية وعلى رأسها دور الدولة وطابع الملكية ، حيث أن الأقطاع العربي (والشرقي في الغالب) كان يتميز بملكية الدولة (ولو أسماً في بعض الحالات) وكان دور الدولة مركزياً وأساسياً، بينما الأقطاع الغربي كان يقوم على سلطة الأقطاعي المستقل وفي بعض الحالات كان الملك ينتخب من جانب الأقطاعيين. وثمة فوارق أساسية أخرى ليس هنا مجال بحثها. ومن جهة أخرى فأن الأقطاع في العراق كان يتغير ولا يثبت على حال، فهو في أواخر العصر العباسي ليس بالضبط ما أنتهى عليه في العهد البويهي والعهد السلجوقي بحيث دخل عنصر يشبه الأقطاع العسكري. ثم عاد في العهد العثماني ليتراجع في بعض المناطق ومنها وسط وجنوب العراق عن الطابع العسكري. كما أن هذا النظام في المنطقة الكردية كان يختلف عنه في المناطق الوسطى والجنوبية من العراق. ففي الشمال وحتى العقدين الأولين من القرن العشرين كان يوجد في أماكن عديدة من شمال العراق ما يشبه الأقطاع العسكري وما يشبه الأتحادات الأقطاعية على نمط بعض دول أوروبا كـ( بولونيا وروسيا القيصرية …) وفي رأينا أن الأقطاعية في العراق وفي البلاد العربية الآخرى كانت تجمع خصائص أسلوبي الأنتاج :-
1- الأسلوب الآسيوي.
2- والآسلوب القطاعي (الكلاسيكي). ولكنها في الوقت نفسه تختلف عن كل منهما. أننا نعتقد بأهمية التعمق والتوسع في بحث هذا الموضوع ، ولذلك فقد سرّنا جداً البحث القيم الذي نشرته (مجلة أفاق عربية) في عددها الرابع 1976 للدكتور كمال مظهر أحمد بعنوان ( حول الأقطاع ودراسته في العراق). وفيما يلي نلحص أهم الأفكار التي قدم بها السيد الحاج أطروحته والتي أكد عليها خلال أجوبته على مناقشات الأساتذة المحكمين:-
1-1 . أن كل متتبع لمراحل تطور الدولة العراقية الحديثة يجد أن القضية الكردية تحولت منذ الأيام الأولى إلى قضية سياسية ذات أهمية خاصة ، برز ذلك خصوصاً في أعوام 20-1925 . وبعد ثورة 1958 وثورة 1968 ، وبعد تأميم النفط في العراق عام 1972. وقد أحتلت أخبار القضية الكردية في العراق في السنوات القليلة الماضية مكاناً خاصاً في أجهزة الأعلام الغربية، وصدرت حولها كتب ودراسات ومقالات عديدة. غير أن الكثير مما صدر في الغرب بهذا الشأن كان أما يعاني من تحامل أيديولوجي سياسي ضد العراق والشعب العربي ، أو من تحيز عاطفي ضيق لقيادة الحركة الكردية المسلحة، أو من جهل بمواقع الأمور. وبعض الباحثين الغربيين – ومن بينهم أناس جديرون – تصوروا أن القضية الكردية يمكن أختزالها في مسألة فولكلور أو لغة أو بعض الجوانب السوسيولوجية. وطبيعي أن هذه الجوانب من القضية الكردية مهمة وحيوية ، ولكنها لا تستطيع أن تفسر بحد ذاتها أسباب وعوامل التأزم والسخونة والتوترالدائم في القضية إلى حد الأقتتال المسلح بين فترة وأخرى. فهنا لا يستطيع باحثو اللغات أن يقدموا التفسير الكافي ، بل لا يستطيعه حتى علماء الأجتماع إذا قصروا البحث على النواحي الأجتماعية – الأقتصادية – والأتنولوجية وحدها. هنا لابد قبل كل شيء من فرز وتشخيص العوامل السياسية ولا سيما ما يخص السياسية الدولية ، ففي رأيي أن الجانب السياسي هو الجانب الرئيسي والحاسم. أن السياسة هي التي حولت القضية الكردية إلى قضية حادة وساخنة وملتهبة متفجرة ودموية. لذلك فلم يكن ممكناً حلها إلا سياسياً وهذا ما وقع بالفعل. 1-2 أن بالأمكان القول أن القضية الكردية كانت دائماً في موضع أهتمام الدول الكبرى وهيئات اركانها العامة. ويعود ذلك إلى الموقع الأستراتيجي للأراضي الكردية في المنطقة ، ولا سيما وجود البترول الغزير في شمال العراق. وبالنسبة للقطر العراقي ، فبالأضافة إلى ذلك ، نجد الأهمية الخاصة لموقعه في خارطة الشرق الأوسط. فالعراق هو بلد عربي كبير ، وهو بلد خليجي هام ، وهو أحد بلدان الشرق الأوسط ، تلك المنطقة التي تزدحم بعوامل التفجير والصدام. والعراق من البلدان الأساسية المنتجة للبترول ، ولذلك كله كان في موضع مطامع الغزاة والدول الأستعمارية. والأوضاع العامة في القطر العراقي تتأثر بأوضاع بلدان المنطقة كما تؤثر فيها . فقيام ثورة تقدمية معادية للأمبريالية لا يمكن يرضي الأمبرالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة ولا الدول المحافظة في المنطقة. 1-3 لقد عملت المطامع الأجنبية دوماً على تفتيت قوى الشعب العراق وأضعاف طاقات العراق لجعله تابعاً ملحقاً ذليلاً بالسيطرة الأجنبية. فالدولة العثمانية والدولة الفارسية (الصفوية) كانتا تستخدمان – فيما تستخدمان من وسائل وأساليب – ورقة تأجيج التناقض بين السنة والشيعة. وورث المستعمرون الإنكليز هذه الورقة وبرعوا فيها ، وأضافوا إلى ذلك ورقة العشائرية ولا سيما في النصف الأول من العقد الرابع (الثلاثينات). كما أستخدموا إلى أبعد مدى وأبرعه ورقة القضية الكردية. وفي فترة ما أستخدموا ورقة الأقلية المسيحية القومية الآثورية. تلكم هي سياسة “فرق تسد” الأستعمارية ، وكان المستعمرون يستندون في كل ذلك إلى عملائهم المحليين. 1-4 لقد أزداد التنافس الأستعماري بين الدول الكبرى منذ القرن التاسع عشر ولا سيما أواخره، للتغلغل في الأراضي التي كانت خاضعة للدولة العثمانية ومن بينها المناطق الكردية: روسيا القيصرية وبريطانيا بالدرجة الأولى ، ثم فرنسا وألمانيا ومن بعد نزلت الولايات المتحدة الأمريكية. وتفاقمت المنافسات الأستعمارية على العراق بعد التوثق من حيازته على ثروات نفطية هائلة. وتقدم الأطروحة في أحد فصولها عرضاً تاريخياً مسهباً قائماً على الوثائق الرسمية ( وبعضها ينشر لاول مرة) لكيفية أستغلال الدبلوماسية البريطانية للقضية الكردية في العراق في سنوات 1920-1925 إلى حد التهديد بفصل المنطقة الشمالية ( أو ولاية الموصل كما كانت تسمى آنذالك) عن العراق. وكان من أبرز أهداف بريطانيا هو أجبار الحكم العراق الجديد على منحها أمتيازات بترولية . وقد تحقق لها ما أرادت. وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية أخذ عملاء الولايات المتحدة ينشطون في المنطقة الكردية محاولين كسب بعض القوى والفئات الأجتماعية والسياسية أليهم تحت ستار عطف الولايات المتحدة على الأماني القومية للشعب الكردي. غير أنه عندما قامت أول حكومة ذاتية كردية في إيران 1946 فقد أغرقتها بالدماء قيادة العسكريين الأمريكان. وهذا مما يكشف عن اللعبة أو النفاق في الأدعاء الأمريكي بالعطف على القضية الكردية ، وكيف أن السياسة الأمريكية إنما تفكر في أستخدامها أداة سياسية في الشرق الأوسط. وقد أزداد النشاط الأمريكي هذا منذ 1962 على وجه الخصوص ووصلت الأمور إلى أن تتحول القيادة البرزانية في السنوات الأخيرة إلى مجرد أداة سياسية في يد السياسة الأمريكية… وقد قدمت الأطروحة العديد من الأشارات والواقع من هذه الأرتباطات. ولدينا اليوم براهين جديدة: فقد نشرت الصحافة الأمريكية في 3/تشرين الثاني/1975 تصريحات مسؤول كبير في المخابرات المركزية الأمريكية تعترف بأن الوكالة قدمت ملايين الدولارات على شكل أسلحة ومعدات إلى المتمردين الأكراد في شمال العراق في 1972. ومما ورد في تلك التصريحات ، ما ننقلها من جريدة الهيرالد تربيون الأمريكية : ” أن إعادة تموين المتمردين بالبنادق والأسلحة الثقيلة سيجعل العراق منهمكاً بمشاكله الداخلية إلى أمد طويل”. أنتهى النص. في 29/تشرين الثاني/1975نشرت الصحف الأمريكية والفرنسية، أخبار زيارة سرية قام بها الملا البرزاني مؤخراً إلى الولايات المتحدة بأشراف وحماية وكالة المخابرات الأمريكية. وبهذه المناسبة أكدت المصادر الحكومية الأمريكية على المساعدات العسكرية الكبيرة التي كانت تقدمها سراً لقيادة البرزاني ( أنظر جريدة الهيرالد تربيون عدد 29/ت2/1975) ولما كان الإسرائيليون من جانبهم يهمهم أن يظل العراق منهمكاً في مشاكله الداخلية وأن يضعف جيشه. نجد الدلائل الكثيرة على علاقات قيادة التمرد الكردي المسلح في السنوات القليلة الماضية بالسلطات الإسرائيلية ومساعدات الأخيرة للأولى. 1-5 أما بالنسبة لفرنسا فقد كانت منذ آواخر القرن التاسع عشر من بين الدول الكبرى التي عملت لكسب أكبر ما يمكن كسبه في الشرق الأوسط ، ومنها المناطق الكردية ، من مغانم وأمتيازات وقد أستطاعت أن تحصل على ربع الحصص البترولية بعد منافسة إنكليزية-فرنسية طويلة. وكان قد تم الأتفاق في 1919 بين الحكومتين على أتفاق كان من مبادئه الأساسية : ” المباشرة على نهج سياسة مشتركة في الشرق الأدنى وفي البلاد المجاورة للبحر الأبيض المتوسط من أجل أستغلال مختلف الحقول البترولية”. والمعلومات التي لدينا تشير إلى أن ضباط الجيش الفرنسي السري الفاشي كانوا يهتمون بالقضية الكردية وأن بعض الأوساط العسكرية المتنفذة أقترحت عام 1963 التدخل العسكري في شمال العراق ، غير أن الجنرال ديغول (حسب هذه المعبومات) قد رفض ذلك مؤكداً على أن القضية الكردية هي قضية عراقية ويجب أن تظل بعيدة عن التدخل الأجنبي بجميع أشكال هذا التدخل. 1-6 وللأتحاد السوفيتي أيضاً أستراتيجيته (الكردية) . فالأتحاد السوفيتي كان يؤيد أو يعارض الحركات الكردية المسلحة في العراق طبقاً لتحليله لطبيعة الحكومات العراقية المتعاقبة وعلاقاته منها، وطبقاً لمجمل حساباته الأستراتيجية والتكتيكية في المنطقة.

taakhi