الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الثانية بعد المئة

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الثانية بعد المئة

لقد جذبت الموسيقى الكردية انتباه الرحالة الذين جابوا كردستان، ويعلق توما بوا على انطباعاتهم انهم لم يجدوا في الموسيقى الكردية حاجة الى إثبات أصالتها على الرغم من ان البعض كانت لهم وجهة نظر تناقض ذلك (74) ولكن توما بوا لا يعلق على هذا التناقض ونحن نعتقد ان هذا التناقض في الرأي بازاء الموسيقى الكردية عند الرحالة الأجانب يمكن ان يعزى الى اكثر من سبب.
وأول سبب في رأينا، ان بعض الرحالة لم تتسن لهم فرصة الاستماع الى (كل) او على الأقل (معظم) النماذج الموسيقية الكردية، بل ربما استمعوا الى أنموذج او اثنين ثم جاء حكمهم ذا طابع تعميمي وهذا خطأ او على الأقل حكم غير منصف.
وثاني سبب في رأينا قد يعزى الى تأثر الرحالة بالتطور الحضاري وبما في ذلك الموسيقى في البلدان المحيطة بكردستان فهم ربما جاءوا كردستان عبر استنبول او طهران وهذه عواصم لإمبراطوريات، لا بد ان يكون الفن فيها قد تقدم وتطور قياساً بشعب مضطهد تتقاذفه الويلات من الشرق والغرب والكل يحاول طمس معالمه واصالته.
ان المقارنة لا يمكن ان تكون موضوعية بين موسيقى القبيلة الكردية على شواهق الجبال والموسيقى التي باتت تقدم على مسارح الاستانه او طهران. ان عشرات من السنوات الحضارية وعشرات من السنوات السياسية الدموية تقف وراء الموسيقى الكردية لذا لا نعتقد ان التقويم عادل عند البعض من الرحالة.
يحدثنا توما بوا أيضا عن الآلات الموسيقية الكردية وهي الآن في الغالب مصنوعة محلياً ومنها المزمار والطبل والناي والناي المزدوج والطنبور.
لقد ابتدأ البعض من خارج ومن داخل كردستان يهتمون بدراسة الموسيقى الكردية مثل الدكتور كريستنسن الذي أجرى دراسة مستفيضة في موسيقى الرقص الكردية وكذلك درس الآلات الموسيقية الكردية في منطقة هكارى (75).
اما هاملتون فقد ذكر شيئاً بإيجاز عن الموسيقى الكردية اذ عبر عن رغبته في ان يفهم شيئاً عن الموسيقى الكردية فجلس الى جانب عازف شمشال (ناي) على قارعة الطريق وهو يبعث بنايه نغمات رقيقة لأغنية غرامية.
ان هاملتون يخرج بنتيجة ونحن لا نعرف ما اذا كانت هذه النتيجة حقيقية من وجهة نظر (علم الموسيقى) اذ يذكر ان ما سمعه وما يسمعه من الأغاني واغاني الملاحم المرتعشة المرحة او أغاني الحروب التي تسمع فيها ضجة المعركة توقع كلها على السلم الموسيقي الصوفي الكئيب ذي الربع نغمة الشبيه بنغمات ناي حواة الأفاعي. وهو أي هاملتون يصرح بانطباع مفاده ان الكرد لا يكنون تقديراً عالياً لموسيقى الإنكليز (232)، ويبدو ان الكرد بدأوا يسمعون أغنيات غربية من خلال الحاكي وكذلك من خلال (راديو) أتى به هاملتون فأصبح أعجوبة الزمان.
يذكر ويلسون ان الموسيقى الكردية تعزف على مزمار يشبه موسيقى القرب وغالباً ما تكون في إيقاعاتها مفرحة (290) وهذا يتقاطع ورأي ريج الذي ذكرناه، اذ قال عنها محزنة. ولعل ويلسون كان يقصد موسيقى الرقص. اما هَيْ، فله انطباعه المختلف في حب الكردي للموسيقى، وهو يذكر ان الأكراد كما يتراءى له لا يكلفون بالموسيقى لا بل هو يحسب انهم يعدونها لا أخلاقية وان الآلات الوحيدة الموجودة لديهم هي الطبل والمزمار (زورنا) (83) اي ان رأي هَيْ يناقض تماماً رأي ريج في كلف الكرد بالموسيقى.
اننا نعتقد ان هَيْ مصيب وغير مصيب في انطباعه هذا عن موقف الكرد من الموسيقى. فهو خلط بين أمرين بما يخص الموسيقى فالكردي في الحقيقة يهوى الموسيقى ولكنه لا يريد لنفسه ان يكون موسيقياً.
ان الكردي يرقص بأصالة رقصاته الشعبية على صوت الطبل والمزمار لا بل يرقص الرجال والنسوة معاً وبأيدٍ متشابكة وقد أوصلته الموسيقى ذروة الطرب واي تعبير عن الطرب يفوق الرقص؟ لكن الكردي في ذات الوقت لا يريد لابنه بأي شكل من الأشكال ان يكون نافخ مزمار او قارع طبل وهم يعدون هذه المهمة خاصة بالغجر.
ومع ان الحياة الاجتماعية الكردية أخذت وآخذة بالتطور والتغير ولكن ما زالت هناك اسر كردية كثيرة لا ترغب لابنائها امتهان الفن او الغناء وقد تبدو هذه المهنة للأسف معيبة ان لم نقل مشينة عند كثير من الأسر الكردية.
لقد اصبح احد أصدقاء طفولة مؤلف هذا الكتاب فناناً، مغنياً وملحناً وشاء الزمان ان اتجهنا نحو الشعر وامددته بعدد كبير من القصائد معظمها أشعار وطنية ألهبت الحماس الوطني والقومي لدى الجمهور ومنذ ستينيات القرن العشرين، وفي فترات عصيبة وكان شجاعاً في غنائه لتلك القصائد ولكنه مات مبكراً وفي صدره حسرة، ان والد زوجته كان قد اقسم مقاطعة ابنته وزوجها الكلام مدى الحياة لان صهره فنان مع العلم كان من أبناء العمومة. ثم مات.. مات ذلك الفنان وخلف أرملة تجر أذيال الخيبة وما زال الأب ممتنعاً عن الكلام مع ابنته! مات الفنان وانقطع ذلك الوتر الذي كان يشدو معاتباً ضمير الإنسانية باسم قومه. مات مغني الطاحونة لكن الطاحونة ما زالت تدور وتدور وهنا لا بد ان ننصف والد الزوجة ايضاً، لانه ابن مجتمعه، وبالتالي فهو ابن تقاليده ومهمته هي ليست مهمة المبدع، والمبدع من وجهة نظرنا متحدٍ سواء كان الإبداع فناً ام علماً ام فكراً، وما من إبداع دون تحد وكثرة من المبدعين دفعوا ضريبة إبداعاتهم عبر التاريخ، لا بل دفعوا بحياتهم ثمنا لابداعهم.
الغنــاء
يذكر توما بوا ان الباحث الأرمني ابوفيان وصف الشعب الكردي بأنه شعب غناء رجالاً ونساء (76).
وان الأغاني الكردية عديدة في كمها وكثيرة التنوع، منها أغان يغنيها الرجال وأخرى تغنيها النساء وأخرى يغنيها الأطفال. أغنيات تغنى في الجبل وأخرى تغنى في السهول وأخرى يشترك فيها السهل والجبل.
لقد عشق الأديب الكردي المعروف يشار كمال من كردستان تركيا أغنيات بلاده الكردية ذلك الأديب الذي حظي بجائزة نوبل في عام 1973 وتجلى ذلك العشق في وجدانه (72) والغناء الكردي فيه ملاحم كثيرة وقصائد فروسية مغناة مثلما هناك اغانٍ في العشق والحب والهجر والوصال وللمناسبات أغانيها فتلك أغنيات تغنى في موسم الحصاد وأخرى تغنى امام دواليب الغزل وأخرى تغنى على الطاحونة او المجرشة وهناك من الأغنيات التي تغنى من قبل الفتيان اوالفتيات والركب الطويل يشق طريقه نحو أعالي الجبال في الربيع او عندما ينحدر في عودته الى السهل في الخريف (73).
اما باسيل نيكتين فيحدثنا عن إجماع الرحالة على الإعجاب الشديد بالغناء الكردي ويستعرض عدة آراء للرحالة الذين سمعوا الغناء الكردي ويذكر نيكتين مقولة لـ أبوفيان الذي مر ذكره: ان القصائد الكردية الشعبية تطورت كثيراً وبلغت حدود الكمال.
ويأتي ذكر (بلو) في كتاب نيكتين الذي كان قد تعمق في دراسة كردستان في جزئها الشمالي الشرقي وقد عرض هذا مميزات الأغاني الكردية وابرز أهميتها الكبيرة في الحياة الكردية وهو يذكر ان اشد القبائل الكردية بؤساً، غنية في أغانيها وألحانها ولا تقتصر أقاصيصهم التي تنشد وثائق الحرب على الكرد الرحل حسب بل تتعداهم الى الحياة الحضرية اذ يجمع المغني حوله في المساء أفراد القرية ويبعث ذكريات الأبطال المحاربين القدماء او هو يثير الشجون بقصائده عن الحب والألم والفراق (132).
ان ابوفيان يخبرنا من خلال أغان استمع لها بكل ثقة ان الأغاني الكردية تتمتع بالعمق والذكاء والعاطفة. ويذكر نيكتين ان الرحالة والعلماء يعزون جودة الأغاني الكردية الى صفات الفروسية التي يتحلى الكرد بها ثم يستشهد بما يذكره السير (مارك سايكس) الذي يعلل هذا الثراء في الغناء الكردي كونه يتمتع بمميزات يتحلى بها الكرد دون جيرانهم من الترك والأرمن. اما لايارد الذي ورد ذكره في كتاب نيكيتين ايضاً فقد ابدى اعجابه كثيراً في الغناء الكردي لدى اليزيديين اذ هو يصف الغناء الكردي على الأضرحة وهو يخبرنا بأنه لم يسمع قط غناءً يبعث الحزن واجمل مما سمع، ثم يصف انغام المزمار الممتزجة بعذوبة مع أصوات النساء والرجال التي تتوقف بين حين وآخر لتترك المجال للصناجات والطبول (133).

taakhi