الرئيسية » مقالات » عمر القاسم في الذكرى العشرين: اسطورة القاسم..

عمر القاسم في الذكرى العشرين: اسطورة القاسم..

هذه الأيام تصادف الذكرى العشرون لاستشهاد احد رموز النضال الوطني الفلسطيني في المعتقلات الاسرائيلية الذي كان اسمه يتردد على كل شفة ولسان..! فماذا بقي من أسطورة عمر القاسم الذي خرج الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني في وداعه الأخير مارين في قلب القدس مخترقين أهم شوارعها صلاح الدين مثبتين قدرتهم وإرادتهم على تحريرها من قوات الاحتلال ولو لساعات قليلة..
يومها كانت الدنيا.. والنضال نضال.. والكفاح كفاح.. والقلوب عامرة بالإيمان لوجه الوطن الحق..! لم يكن هناك السيد اوسلو ولا السيد دايتون..! يومها كانت الفصائل رغم التباينات بينها يجمعها الحد الأدنى من التنسيق والعمل النضالي المشترك..! لذلك كنت ترى في مقدمة جنازة الراحل القاسم المهيبة كل الرفاق والأخوان من قيادات وكوادر ونشطاء جميع التنظيمات..! كنت ترى قيادات الجبهة الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين..! وكنت ترى رفاق الحزب الشيوعي.. حزب الشعب وكنت ترى قيادات وكوادر فتح والوطنيين المستقلين يداً بيد وكتفاً إلى كتف.
وكنت ترى القوات الضاربة من جميع التنظيمات والفصائل وهي تهتف للشهيد دون تمييز.. كانت ايام الصعود وانتصار الكف على المخرز؟؟ كانت ايام التضحية الخالصة فداء للوطن السليب الضائع وللقضية الأم المقدسة..! كانت ايام يؤمن فيها الجميع ان وحدتهم أمام عدوهم الغادر هي صمام الأمان وسر معمودية الصمود وانتزاع النصر مهما طال الزمن..!
في تلك الأيام كان مانديلا فلسطين – عمر القاسم عميد الأسرى قد أمضى حينها 21 عاماً من الأسر يرسف في القيود والأغلال مرفوع الرأس والهامة..! وكان يحظى بحب وتقدير جميع المناضلين من أبناء الحركة الوطنية الأسيرة وخارجها لصلابته وإيمانه الراسخ بقضيته وعقلانيته وإنسانيته في التعامل مع رفاق الأسر..! وكنا نسمع عنه دائماً عبارات الإطراء لاخلاقه وايثاره وتواضعه القيادي الجم..! حتى أنني سمعت مرة – لا ادري اذا كانت علماً أم حلماً – ان احد السجانين الاسرائيليين أو ربما مدير السجن الذي عرف عمر القاسم عن قرب من خلال التفاوض مع اللجان الاعتقالية للأسرى لتحسين ظروف الأسر انه كان متأثراً لرحيل القاسم الفجائي رغم تمتعه بالصحة والجسم الرياضي الرشيق..! مما يشير إلى قدرة المناضلين الكبار واستطاعتهم التأثير أحياناً على ممثلي السلطة الاسرائيلية واكتساب احترامهم من خلال تمسكهم الصلب بمبادئهم الوطنية والإنسانية ولم استغرب ذلك لأنني عندما حضرت بعض جلسات المحكمة الاسرائيلية للنظر في قضية المناضل عبد العزيز شاهين أبو علي في القدس كنت أشاهد أبو علي يروح في أحاديث طويلة مع احد كبار العسكريين الاسرائيليين – أي حوار الأسير المناضل مع ممثل الحكم العسكري الاسرائيلي الذي فيه نوع من المقاومة والرفض لمسوغات ومبررات الاحتلال وتوضيح أبعاد القضية وعدالتها حتى للطرف الأخر وفي ظروف غير طبيعية بتاتاً..!
يا ترى ماذا يكون موقف الشهيد القاسم لو عاد وشاهد ما يجري على الساحة الفلسطينية من انقسام وتشرذم وتقاتل على جلد الدب قبل اصطياده..! ماذا سيكون رأيه وهو يشاهد رفاق الأمس يتكالبون ويتقاتلون على الأوهام؟ ويصبح النضال في سبيل الحصول على وظيفة دائمة تدر راتباً محترماً هو عين المنى والمراد..! أو السيطرة على مؤسسة تكون بقرة حلوب..! وهو يرى النضال يختزل في مقابلة صحفية أو تلفزيونية أو مقالة عمودية تكتب في الصحف هنا وهناك وكفى الله المناضلين شر النضال..! وهو يرى ظاهرة المسخ والمهزلة التي يعاني منها الشعب الذي قدم الآف التضحيات على مذبح الحرية وها هو نضاله ومشروعه الوطني على كف غفريت وعرضه للتبديد والاندثار..!
كما اسمع من عائلة الشهيد عمر القاسم أصوات نقد جارح لرفاق درب القاسم الذين تنكروا لذكرى استشهاده ولم يعودوا يحيون الذكرى أو يكرمون الشهيد وعائلته المقدسية وكأنهم يتنصلون من الماضي – الجميل – الزاهر بالعطاء والمثخن بالنضال الحقيقي للدفاع عن الأوطان وتحريرها وإعادة الحقوق إلى أصحابها..! ورغم كل ذلك فأنني أحسدك أيها الشهيد عمر القاسم أنت وكل الشهداء الذين ارتقت أرواحهم الطاهرة إلى السماء قبل ان يعيشوا المرحلة المأساوية التي نعيش..!