الرئيسية » شؤون كوردستانية » نفط كردستان في خدمة العراق الفدرالي الجديد

نفط كردستان في خدمة العراق الفدرالي الجديد

بشفافية عالية حسمت حكومة اقليم كردستان العراق في الواحد من الشهر الجاري موقفها من أهم وأخطر المعضلات الناشبة المزمنة بين بغداد وأربيل منذ سقوط الدكتاتورية باتخاذ الاجراءات العملية في تصدير نفط كردستان من حقلي طقطق وكاوكي في منطقتي اربيل ودهوك وللمرة الأولى عبر خط جيهان الذي ينقل نفط كركوك لتصب عائداته المالية في خزينة الدولة العراقية وبذلك تكون حكومة الاقليم قد وضعت حدا للجدل العقيم الذي أدارته أوساط شوفينية حاقدة في الحكومة العراقية عبر وزارة النفط العراقية ووزيرها الفاشل المطلوب للاستجواب والمساءلة في البرلمان وكما أعلن السيد رئيس حكومة الاقليم فان الوزير المعني
” كان يجزم في كل مناسبة بان إقليم كردستان لا يستطيع أن يصدر برميلا واحدا من نفط الإقليم، وكنا نتهم أيضا بأننا نريد استغلال هذا النفط؛ لأننا نريد الانفصال عن العراق وتنفيذ أجندة خاصة بنا، كنا نريد أن نبعث برسالة واضحة إلى شعبنا العراقي، إذ لم يكن الشهرستاني مهما بالنسبة لنا، ومفادها أننا في الإقليم جاهزون لتصدير النفط، وهذا النفط وحسب الدستور فهو ملك للشعب العراقي، سواء كان في بغداد أو في اربيل أو البصرة أو الرمادي، لهذا فان عائدات نفط إقليم كردستان سوف تذهب إلى خزينة الحكومة الاتحادية، رسالتنا كانت سياسية، ورسالة اطمئنان إلى الشعب العراقي، ” وكان السيد نيجيرفان بارزاني قد أشار في كلمته بالاحتفال المخصص لمناسبة تصدير نفط كردستان الى أن هذه المادة الاستراتيجية تحولت من نقمة الى رحمة في العهد الجديد ووسيلة لجلب الخير والاستقرار وفي تعزيز العملية السلمية في عراق مابعد الدكتاتورية وصيانة التجربة الديموقراطية في الاقليم وجسرا لعلاقات الاقليم السلمية مع المحيط .
ان الأمر الأهم هو تمكن حكومة الاقليم الشرعية المنتخبة من تقرير مصير موارد شعب كردستان من نفط وغاز ومنتوجات وماء وما في باطن الأرض أو على سطحه بالارادة الحرة والقرار المسؤول وفي ظل بنود الدستور وعلى مرأى ومسمع العالم ولايهم ما ستصدر من الأوسط الشوفينية داخل حكومة بغداد أو خارجها من أصحاب الشعارات الكلامية الطنانة على غرار ” نفط العرب للعرب ” ومن قوى معادية للعراق الجديد والعملية السياسية والفدرالية والعرب والكرد من ردود أفعال أو مواقف لن تنجح في تغيير الوقائع أو وقف مسيرة التاريخ .
خلفيات الحدث الأخير
من الطبيعي ان يهتم أي متابع لمسيرة العملية السياسية في اقليم كردستان العراق ولدى وقوع أي حدث في ظل المرحلة الراهنة غير المستقرة التي يمر بها العراق عامة بكل بما يصدر عن قادة الاقليم الفدرالي المساهمين في صنع القرار من تصريحات واعلان مواقف في مختلف الشؤون الكردستانية والعراقية والخارجية خاصة اذا كان رئيس حكومة الاقليم الشاب المقتدرالذي يحظى بتوافق الحزبين الرئيسيين المؤتلفين في التشارك بالحكومة العراقية الاتحادية من جهة وادارة كردستان من الجهة الأخرى وبشكل أخص في ظروف كردستانية دقيقة ينتظر أن تجري فيها الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد أقل من شهرين وفي ظل حراك سياسي يؤشر الى احتمال ولادة طيف معارض أكثر جدية في أوساط النخب الحزبية والثقافية بغض النظر عن حجمه وتأثيره وامكانية اختراقه البرلمان القادم وهي تجربة جديدة اذا حصلت في العملية السياسية من شأنها تحريك المياه الراكدة واثارة الأجواء الهادئة التي ترسخت ونتجت عن الاتفاق الاستراتيجي بين الحزبين الرئيسيين الغالبين في تداول وتقاسم السلطة منذ الدورة البرلمانية الماضية على وجه الخصوص والعامل الآخر في تركيز الاهتمام هو تواصل المرحلة الانتقالية في عموم العراق المفتوحة على جميع الاحتمالات وما تنبيء به الأيام القادمة من جواز حصول اصطفافات سياسية متغيرة على شكل جبهات وتحالفات ومشاريع تحضيرا للاستحقاقات البرلمانية والرئاسية أيضا بعد نحو نصف عام واستكمال خطوات بناء النظام السياسي ودولة العراق الاتحادي الجديد وترسيخ المؤسسات الديموقراطية وانجاز المهام الوطنية الأساسية ومن بينها حل الأزمة القائمة بين المركز وأربيل حول عدد من القضايا بتطبيق بنود الدستور وخاصة المادة 140 بشأن كركوك والمناطق الأخرى المقتطعة من كردستان لأسباب قومية عنصرية .
حدد نيجيرفان بارزاني في لقاءاته الاعلامية الأخيرة وبشكل مركز بالغ الوضوح وقبل اقدامه على الخطوة الاسترتيجية بخصوص نفط كردستان ثوابت السياسة الكردية الراهنة وآفاقها المستقبلية وأوجزالمهام الناجزة والمنتظرة بالتركيز على الجوانب الأساسية التالية :
الأول : ليس في ترسيخ المصالحة القومية وطي صفحة الحروب والاقتتال والمواجهات الحزبية – الآيديولوجية بين كرد العراق التي دامت لأكثر من أربعين عاما فحسب بل في مواكبة عملية اعادة التواصل بين المناطق والمدن والسكان وتوحيد الادارات التي كانت منقسمة ومتصارعة وتنظيم عملية اعادة الاندماج على الصعد البشرية والاقتصادية والثقافية التي تعرضت للتفكك لردح من الزمن وباتت تهدد وحدة البنية المجتمعية الكردستانية وذلك باختراق الحواجز النفسية وتجاوز العصبيات المحلية ونزعات التفاضل والتفوق الوهمية بين المناطق واللهجات لصالح اللغة القومية الجامعة التي تغتني وتزداد تألقا بكل روافدها والخطاب الثقافي الكردي الواحد بوجهه الديموقراطي ومضمونه الانساني المعبر عن جوهره التحرري المنفتح على الحضارات المجاورة والعالمية والعاصمة الاقليمية الفدرالية الموحدة وموضعة المرجعيات التي لاتقبل القسمة في مرحلة بناء الكيان التشريعية منها والتنفيذية والقضائية ومركزتها في اطار مصدر واحد للقرار حسب الدستور والقوانين وفي هذا المجال لايرى سوى الضرر في تدخل الحزبين في شؤون الحكومة ليس لأن ذلك مخالف للقانون ومن شأنه التقليل من شأن الكفاءات الوظيفية واستشراس الفساد الاداري بل أن المداخلات ان حصلت فستكون لمصالح أفراد على حساب المصلحة العامة وهنا يلاحظ أن المقصود ليس منظمات المجتمع المدني التي تمتلك الحق في المساءلة والنقد بل الأحزاب المشاركة في السلطة التي يعتبرها البعض في مثل هذه الحالات من خارج مكونات المجتمع المدني .
الثاني : هو التأكيد مجددا على التزام الجميع وخاصة الحزبان الرئيسييان بتداول السلطة سلميا وحسب نتائج صناديق الاقتراع وتحديد مهام رئيسية لكل من يقود الحكومة تتركز في تطبيق القانون وسيادة القضاء والاصلاح الاداري وتنفيذ المادة 140 من الدستور بخصوص كركوك والمناطق الأخرى ومعالجة الأزمة الناشئة بين اربيل وبغداد عبر الحوار وحسب ما ينص عليه الدستور .
الثالث : في عودة الحيوية الى العلاقات الكردستانية العربية على صعيد الدول والحكومات التي تراجعت تحفظاتها غير المبررة تجاه الاقليم وكذلك الحركات السياسية والاستثمارات الاقتصادية وقد توجت بزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الرسمية الى اربيل واعلانه عن افتتاح أول قنصلية عربية في كردستان إن العلاقة بين العرب والكرد دائما كانت وستبقى جيدة، وكشعب كان دائما داعما ومساندا لقضيتنا، ووقفوا ضد الظلم الذي تعرض الكرد له، وكمثال تاريخي على هذا أن الجنرال ملا مصطفى بارزاني عندما عاد إلى العراق من موسكو نهاية الخمسينات خرج عشرات الآلاف من أهالي البصرة لاستقباله، وحتى هذا اليوم يتحدث أهالي البصرة عن هذا الحادث، الذي صار علامة تاريخية بالنسبة لهم، كما أن العشائر العربية العراقية ورجال الدين كانوا دائما مساندين لقضيتنا، .
الرابع : تشخيص ما يصدر من أوساط شوفينية في دول الجوار من حملات اعلامية تشكك في تجربة الاقليم وتبالغ في اثارة أقوال عن الفساد وعلاقات مشبوهة مزعومة مع أعداء العرب وغيرهم بمخطط مرسوم ومدروس من جانب صناع القرار وأجهزتهم السرية بهدف زعزعة ثقة كرد الأجزاء الأخرى من كردستان بتجربة الاقليم وجدواها الوطنية والقومية والديموقراطية وبالتالي اثارة البلبلة ومشاعر خيبة الأمل لدى الحركة الكردية في تلك البلدان .
الخامس : نجاح حكومة الاقليم بسياستها الحكيمة الهادئة في تقويم العلاقات مع تركيا ومضاعفة وتائر الحركة الاقتصادية بين الطرفين لتصل الى أعلى المستويات وقد تبدلت السياسة التركية في غضون أعوام من رفض كامل للاقليم وشعبه وحكومته والتهديد العسكري المتواصل لسيادة كردستان الى شريك اقتصادي وتنسيق في معظم المجالات .
رغم ما قيل ونشر من مزاعم وادعاءات استهدفت تجربة الاقليم من الصميم فان الحدث التاريخي الأخير وضع حدا لكل الافتراءات ومن شأنه اشعار كل العراقيين وخاصة المترددين منهم بكافة مكوناتهم بأخذ تجربة اقليم كردستان الديموقراطية محمل الجد والاستفادة منها لدفع العملية السياسية في العراق الى نهاياتها المنشودة والسعي للانفتاح والحوار من أجل حل الأزمات القائمة حتى الآن ليتحول الحل الفدرالي العراقي للقضية الكردية انتصارا لكل العراقيين وخاصة للمكون العربي ونموذجا يقتدى به في الجوار والمنطقة خاصة اذا كان مرتبطا بالحل الوطني الديموقراطي وازالة الدكتاتورية والاستبداد كما حصل في العراق كما أنه من المأمول أن يشكل الحدث دافعا لاعادة النظر من جانب النخب العربية الثقافية والسياسية في قراءاتها السابقة السلبية تجاه اقليم كردستان العراق والقضية الكردية في المنطقة عامة والتعامل معها كأحد تجليات الحلم الكردي القومي المشروع في اعادة الاعتبار للهوية الذاتية ولحق تقرير المصير في بداية القرن الحادي والعشرين .