الرئيسية » شؤون كوردستانية » تركيا وبوادر حل القضية الكوردية

تركيا وبوادر حل القضية الكوردية

تعتبر القضية الكوردية إحدى أهم القضايا (المشاكل) العالقة في المنطقة وذلك لعوامل عدة؛ منها ما يتعلق بالجغرافية (تقسيم كوردستان بين الدول الأربعة: تركيا، إيران، العراق وأخيراً سوريا) وبالتالي المزيد من التعقيدات في تشابك القضية وإرتباطها بثقافات وسياسات مختلفة وكذلك العامل السكاني الديموغرافي والذي يربو على (40) مليون كوردي موزع بين تلك الدول الأربعة، ناهيك عن كورد لبنان ودول الإتحاد السوفيتي (السابق) وما هم في المنافي والمهجر. وأيضاً ما يتعلق منها بالجانب الطبيعي من ثروات حيوانية ونفطية (كركوك نموذجاً وكذلك الرميلان في الجزيرة – غرب كوردستان) بالإضافة إلى أراضي زراعية خصبة وغابات شاسعة ويد عاملة متوفرة وأخيراً وليس آخراً الثروة المائية في كوردستان والتي باتت في الآونة الأخيرة من أهم الثروات التي تنشب حولها نزاعات – وربما حروب مستقبلية – بين الدول.

وبالتالي فإن تعقيد المسألة الكوردية وتوزع وتشتت الحل بين دول وكيانات سياسية عدة يجلب المزيد من الأزمات السياسية للمنطقة برمتها وللقضية الكوردية نفسها وإن محاولات تجاوزها أو القفز عليها من خلال حلول مبتورة (أنصاف الحلول)؛ من “حقوق المواطنة” سوف تزيد من عمق تلك الأزمات. وهكذا فلا بد من البحث عن مخارج وحلول حقيقية للقضية الكوردية في المنطقة وبالتالي نزع فتيل إحدى أهم (مشاكل) وقضايا منطقتنا الشرق أوسطية والتي بدون الحلول الحقيقية لها ستكون قابلة للإنفجار والتفجير بين الحين والآخر. ونعتقد – جازماً – بأن تركيا (في هذه المرحلة) تستطيع أن تلعب دوراً مهماً في حل هذه المعضلة السياسية إن توفرت لدى القيادة التركية القناعة والجرأة والإرادة الحقيقية؛ كون المصالح السياسية والإقتصادية والتنموية متوفرة أساساً للمضي في هذا المنحى التصالحي باتجاه حل القضية الكوردية في شمال كوردستان (تركيا) وحيث أن الأرضية باتت مهيئة داخلياً وإقليمياً وكذلك دولياً لحل القضية، فمن جهة لم تعد بإمكان تركيا (إدارة الظهر) للمسألة الكوردية – داخلياً – وإعتبار الكورد “أتراك الجبال” وبأن هناك بعض المتمردين و(الإرهابيين) من يقفون وراء هذا الصراع والإقتتال الداخلي بين “الأخوة”. وأقليمياً فإن إقليم كوردستان (العراق) – وعلى الجوار منها – هو واقع دستوري وقانوني داخل نظام فيدرالي ديمقراطي تعددي ولتركيا مصالح سياسية وإقتصادية وكذلك أمنية مع الإقليم ولا يمكن أن تتغافل عنها. أما دولياً فقد باتت القضية الكوردية إحدى القضايا المهمة حقوقياً وإنسانياً وبات الشارع الغربي يضغط على حكوماتها لإيجاد الحلول المناسبة لها؛ كونها ممن ساهموا (أي تلك الدول) في مأساة الشعب الكوردي وحرمانه من حق تقرير المصير أسوةً بغيره من شعوب المنطقة.

وهكذا فإن تركيا – وعلى الرغم من السياسة الكمالية المهيمنة في ثقافة الجمهورية وتحديداً المؤسسة العسكرية وأحزابها (العلمانية الراديكالية) – فإنها المرشحة الأقوى لإيجاد الحلول. وإن ما نشهده مؤخراً من تصريحات بعض القادة السياسيين في تركيا وعلى مستوى مراكز قيادية حساسة (رئاسة الجمهورية والحكومة وحتى الأركان في المؤسسة العسكرية) يعطي إنطباعاً جيداً بأن هناك بوادر لحلول قادمة وللخروج من عنق الزجاجة؛ حيث أدلى الرئيس التركي (عبد الله غول) وخلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع الرئيس القرقيزي (كورمانبيك باكييف) في العاصمة القرقيزية، يوم الأربعاء (2009-05-27) بما يلي: “أن القضية الكوردية أهم مشكلة تواجه تركيا. وأشار غول الى أن القضية الكوردية ستكبر إذا تأخرنا في إيجاد حل لها، كما ودعا الرئيس التركي الأحزب السياسية ومن ضمنها حزب المجتمع الديمقراطي DTP لبذل كل ما في وسعها من أجل حل القضية الكوردية”. (الخبر منقول عن كميا كوردا نقلاً عن PUKmedia).

كان ذاك من جهة تركيا ومن أعلى قياداتها وكذلك فإن لكلٍ من رئيس حكومتها (رجب طيب أردوغان) وأيضاً بعض القادة في المؤسسة العسكرية وحتى رؤساء وزعماء الأحزاب الراديكالية العلمانية والمعروفين بالنهج الكمالي في سياساتهم فقد أبدوا مؤخراً بعض المرونة من خلال خطبهم وتناولهم للقضية (المشكلة). ولكن لا يمكن لتركيا أن تمشي في هذا المنحى من دون توفر الشريك الفاعل والحقيقي (أي الكورد) أصحاب القضية والشريك الآخر في البحث عن الحلول. وإن من يقرأ التاريخ المعاصر للمسألة الكوردية في شمال كوردستان (تركيا) يتأكد بأن الكورد كانوا – دائماً – تواقين للخروج من الأزمة/ المأساة ويمدون “يد المصالحة” ووقف نزيف الدم المسفوك؛ حيث أعلن حزب العمال الكوردستاني خلال فترة الصراع الدموي مع الدولة التركية عدداً من “وقف إطلاق النار” ومن جانب واحد وذلك في أعوام “1993 – 1995 – 1998 – 1999 – 2005 – 2006، فضلاً عن أنه في عامي 2008 و2009، وحدهما، تم إعلان وقف إطلاق النار، من جانب القوات الكردية، أربع مرات متتالية، ثم أعلنت قوات الدفاع الشعبي الوقف الأخير لإطلاق النار من جانبها، اعتباراً من أول إبريل 2009، استجابةً لتوجيهات منظومة المجتمع الكُردستاني (هيئة عليّا تضم مئات التنظيمات الكردية، بينها حزب العمال الكردستاني)، فامتنعت عن شن أي هجمات ضد القوات التركية، حتى يونيو/ حزيران 2009)” (نقلاً عن مقال: “مبادرة الحل آن لها أن تنطلق” للكاتب أحمد زكريا) ولقد تم التمديد للهدنة الأخيرة من جانب قوات الدفاع الشعبي (الكريلا) وكذلك فإننا رأينا مؤخراً بأن ((الرجل الثاني في حزب العمال الكوردستاني مراد قريلان قد قال يوم أمس (أي يوم الثلاثاء 24-5-2009 والتوضيح من كاتب المقال) في حوار أجرتها معه صحيفة “تايمز” اللندنية” نحن نعيش في منعطف، الكورد لا يريدون الاستمرار في الحرب، نعتقد أنه من الممكن حل القضية الكوردية بدون إراقة المزيد من الدماء، نحن مستعدون لحل سلمي وديمقراطي في تركيا ليكون الحل داخل حدود تركيا)) (الخبر منقول، أيضاً، عن كميا كوردا نقلاً عن PUKmedia). وهكذا جاء التأكيد مرة أخرى: بأن الكورد يعملون على البحث عن مخارج وحلول لقضيتهم؛ كونهم أكثر المعنيين بها.

وبعد.. فإننا نتساءل: هل بإمكان تركيا أن تتجاوز (عقدتها) السياسية وأن تبحث عن الحلول مع شريكها الحقيقي؛ الشعب الكوردي في شمال كوردستان (تركيا) وقواها السياسية ومنها حزب المجتمع الديمقراطي وأيضاً حزب العمال الكردستاني وبحضور دولي كراعي لعملية السلام، وبالتالي الوصول إلى صيغ قانونية مشتركة تكفل حقوق الشعب الكوردي في شمال كوردستان وفق مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي ذات الصلة وتكون المدخل لحل القضية (المشكلة) الكوردية في المنطقة برمتها ومنها ما يتعلق بأبناء شعبنا في غرب كوردستان (سوريا). نعتقد بأن الوقت قد حان؛ إن كانت تركيا تريد أن تجد لنفسها (موطئ قدم) بين دول الاتحاد الأوروبي ولعل دخول تركيا إلى تلك المنظومة يعجل من حل القضية الكوردية وذلك وفق المعايير الأخلاقية والقانونية للاتحاد نفسه، حيث لا يمكن القبول بالعضو الجديد (تركيا) وهي تعاني من (مشاكل) جمة وعلى رأسها القضية الكوردية. وهكذا فمن (باب المصلحة) على تركيا أن تبحث عن الحلول الحقيقية للقضية وليس عن (مورفينات مهدئة) تسكن الألم ولكن دون أن توقف المأساة والكارثة والتدمير الذاتي للجسد والجغرافية والتعايش المشترك.

هولير – 6/6/2009