الرئيسية » مقالات » أحمد الجاسم..نورٌ مستطيل ..في أُفق ٍ دائم

أحمد الجاسم..نورٌ مستطيل ..في أُفق ٍ دائم

عندما أقام نادي الرافدين الثقافي العراقي في برلين احتفائية الذكرى العاشرة لرحيل الفنان التشكيلي والشاعر العراقي أحمد الجاسم في برلين العام 2004 وبحضور الاستاذ مفيد الجزائري وزير الثقافة العراقي آنئذ ، كانت خيوط الزمان كلها وكأنها قد تجمعت في ذلك اليوم ، وكانت السنوات العشر التي مضت على عروج أحمد في عالم الملكوت قد تقطعت بها سبل الأمتداد، فتوقف التذكر عن الأجترار، ولم يخطر ببال أحد أن الذكرى الخامسة عشرة على الابواب..لكن الفكرة التي تبنتها جمعية المستقلين العراقيين في المانيا وساعد مشكورا على إقامتها نادي الرافدين الثقافي العراقي في برلين لقيت أصداءها لدى أصدقاء الراحل .. الشاعر حسن حاتم المذكور والفنان ناصر خزعل والكاتب ناصر السماوي والفنان حسين الموسوي والكاتب نعيم عبد مهلهل لتجميع ما تشتت في ذاكرات مكلومات بالفراق لأجزاء من نور العينين السوداوين اللتين اختزنتا شمس برلين الخجولة ، وعبق الثرى الأول المفعم بإلمامات النجيل السومري وانتصارات خـَلـْقية محببة من الالوان والكلمات والغرام الثر، فكانت الإحتفائية الجديدة لمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لرحيله.ان الجهود التي بذلها نادي الرافدين الثقافي العراقي بهيئته الادارية الجديدة لإنجاح هذه الأمسية الاستذكارية لفقيد الثقافة والفن العراقي المعاصر أحمد الجاسم ليعبـّر بأجمل العبارات وأكثرها دلالة على أن جسر التواصل والمحبة والوفاء مازال ممتدا بين الأجيال المتوالدة من تربة الرافدين .. تربة الخصب والنماء ، تربة الثقافة والفنون.

حفلت القاعة التي ضمت جدرانها اعمالا تشكيلية للراحل ، ببرنامج مكثف تضمن كلمة التعريف بالمناسبة ألقاها الشاعر حسن حاتم المذكور بالإنابة عن أصدقاء المحتفى به الذين نظموا هذه الأمسية ، تضمنت بعض القبسات من تأريخ الصداقة الشخصية التي شهدتها العلاقة بينهما لسنين طويل كما قرأ قصيدة للراحل كان قد احتفظ بها قرابة العشرين عاما،بعدها تلا على أسماع الحضور قصيدة استذكر فيها صديقه وصديق الراحل احمد وابن مدينته الناصرية المعطاء الكاتب والناقد والباحث المتخصص كامل شياع الذي اغتالته أياد ظلامية غادرة في بغداد في آب 2008 . ومن ثم تحدث كاتب هذه السطور المتواضعة عن الجانب الإبداعي الكتابي الذي تجاوز فيه الراحل كثافة مصادر الضوء المسلطة عليه كرسام كبير ، فقرأ قصائد شعر كتبها الراحل في محطات حياتية واندفاعات يومية مختلفة ،حين كان الراحل أحد المبشرين لردم الهوة وهدم الحاجز بين الشعر والنثر. ويذكر ان الفنان أحمد الجاسم صدرت له بعد وفاته مجموعة شعرية بعنوان قاموس الشرر عن دار الينابيع ، وهي المجموعة التي تعاون على جمعها والإنفاق على طباعتها الفنان ناصر خزعل والفنان حسين الموسوي مع الشاعر العراقي المقيم في باريس كاظم جهاد وبعض أصدقاء الراحل الآخرين من برلين، كما قرأ أيضا قصيدة الشاعر العراقي الكبير عادل عبد الله التي كتبها في العام 1994 في رثاء صديقه وابن خالته أحمد الجاسم ، الموسومة بعنوان (مداخل لصحن الشهيد أحمد الجاسم).

بعدها قام الفنان أحمد الشرع بإلقاء كلمة نادي الرافدين الثقافي العراقي ،تناول فيها دور النادي في احتضانه للمبدعين من ابناء الجالية العراقية واستذكاره للماضين منهم ممن تركوا البصمات الناتئة في وجه النسيان ،كما أشاد بالإرث الخلاق للفنان التشكيلي الراحل. أما الكاتب لطيف الحبيب فقد قرأ قصيدة للفنان حسين الموسوي في ذكرى رحيل صديقه أحمد. وقبل أن يختتم الشاعر حسن حاتم المذكور الامسية بكلمة شكر للنادي على توفيره أسباب نجاح هذه الامسية الثقافية الاستذكارية والمعرض التشكيلي المقام على هامشها ، قرأ الشاعر محمد الجاسم مجموعة من قصائده القصيرة المستلهمة من وحي علاقته بأخيه الراحل . وكان مقررا أن يشارك الاستاذ نعيم عبد مهلهل الكاتب والروائي المعروف وصديق سابق للراحل أحمد وابن مدينته أيضا في هذه الامسية لكن طارئا عرض لحالته الصحية أعاقه عن الحضور الى برلين ، ومع ذلك أبى إلا أن يشارك فبعث بمقالة الى اللجنة التحضيرية يستذكر فيها الراحل وقرأها بالإنابة عنه محمد الجاسم ،ولاقت استحسانا جميلا من الحاضرين اعتبارا من العنوان الذي وضعه لها الكاتب ( الفنان احمد الجاسم .. صباح أور .. صباح برلين) ، مرورا بسكبه انطباعات نقدية على اسلوب لوحات وقصائد ذلك الفتى الأوري ويومياته التي بعثرتها هواجسه القلقة في سبيل كشف المستور في عمق اللوحة .. ولم يفت الكاتب أن يثير الانتباه الى أن الغربة التي تشتت دموع الراحلين في صباحات البعد عن المهد وصافرة استراحة الدرس تشتت ايضا تراث المبدع الراحل وفي ذلك أسى لخسارة وطنية لتراث كتب عليه ان ينهب في كل حين . لذا جاءت دعوته لاقامة متاحف في داخل العراق لتخليد الراحلين وإغناء فضاء الوطن بنسائم أرواحهم الطاهرة.

ومن الجدير بالذكر ان أصدقاء أحمد الجاسم نظموا على هامش هذه الامسية وفي القاعة الاخرى لنادي الرافدين معرضا تشكيليا ضم عددا من أعمال الرسم لفنانين عراقيين معاصرين من داخل العراق أمثال الفنان حسين الشنون والفنان منير أحمد وهما فنانان مواظبان على اختراق الصمت الاعلامي الذي يغلف المشهد التشكيلي العراقي في الداخل وخصوصا حينما أطلقا مبادرة تأسيس جماعة القوس الأول في الناصرية في العام 2007مع زميلين آخرين لهما هما الفنان علي عجيل والفنان أنور كاظم ، وهي جماعة تشكيلية واعدة بمنهج بارز تذكرنا بكرم الابداع العراقي الذي افرز الجماعات السابقة لهم من أمثال جماعة الرواد التي أسسها فائق حسن وجماعة بغداد للفن الحديث التي اسسها جواد سليم وغيرها كثير ، كان آخرها جماعة الاربعة التي اسسها الفنان الراحل محمد صبري الذي هو ايضا ابن مدينتهم نفسها. ومن الدانمارك شارك ايضا الفنان ناصر اسماعيل الموزاني والفنان حيدر الرسام ، وهما فنانان معروفان هناك ولهما معارض كثيرة وحضور راسخ في الساحة الثقافية الدانماركية.

وقد استعارت الهيئة الادارية لنادي الرافدين الثقافي العراقي في برلين من اللجنة المنظمة لهذه الامسية ثلاثة أعمال للفنان الراحل أحمد الجاسم وعمل واحد لكل من الفنانين حسين الشنون ومنير أحمد للمشاركة في مهرجان أيام الرافدين الثقافية العراقية الخامس في آب القادم في برلين.. ومعروف ان هذا المهرجان الذي يتكرر سنويا للمرة الخامسة هذا العام يقوم على أكتاف الهيئة الادارية للنادي وتشارك فيه وجوه معروفة من مبدعي العراق من كافة دول اوروبا وتتداخل خلال أيامه روح النتاج الفني والادبي مع وجع الجمال المكلوم بالمنافي .. فتحضر في برلين خلاله كل عام شمس العراق ونهراه ونخيله وجباله وحضارته الممدّدة على مآقي العيون(خمسة أيام يتنفس المرء فيها كل عام صدق الكلام وجمال اللوحة وعذوبة القصيدة وروعة العمل المسرحي وصفاء العدسةالسينمائية وشجن الغناء) .

ناصرية دورتموند ـ المانيا

30 مايس2009