الرئيسية » مقالات » مسرحيات برلمانيـة !!!

مسرحيات برلمانيـة !!!

داخل مجلس النواب العراقي ’ تعرض بين فترة واخرى مسرحية مسائلـة لبعض المسؤولين ’ مظهر جميل مـن حيث المبداء ’ لكن وبمـا ان مؤسسات الدولـة العراقية اكتسبت الرقم القياسي في الفساد الأداري والمالي والعلمي على المستـوى الدولي ’ فمعنى ذلك ورغم الحالات الأستثنائيـة جداً لبعض المخلصين ـــ بلاعين الموس ـــ فمؤسسات الدولة بكاملها يجب ان تخضع للمسائلة ’ فما جدوى ان يحاسب الفاسد فاسداً ( واثنينهم طياره ) عبر مسرحيـة كيـديـة تفتقر اصلاً للنزاهـة ـــ كغراب يقول لغراب وجهك اسود ـــ .
المسرحيـة الأخيرة لمسائلـة وزير التجارة السيد عبد الفلاح السواني ’ والذي كانت وزارتـه كغيرهـا ’ كـورة لزنابيـر الفساد الشامل ’ غـير ان المثير للقرف ’ هذا الذي يتخذ مـن تلك المسرحية الكيديـة فرصـة لأعـادة استغـفال الناس في استعراض عضلات نـزاهتـه الموهومـة ’ ان مسائلـة المسؤول الفلاني مثلاً وفي مجلس النواب بالذات ’ لا تتضمن ايـة دوافع وطنيـة وانسانيـة ’ بقدر ما هي محاولـة للتنكيـل بالطرف او الجهـة التي هـو حصتهـا او تحقيق مكاسب سياسيـة على حساب تدمير الآخر ’ وهكذا تتكرر الأدوار حتى اصبح مجلس نوابنـا العتيد دائرة لأنتاج
اسواء انواع الكوميديا المهينة التي لا تستحق الا رمي البيض الفاسد بوجه مخرجيها وممثليهـا ’ ونقطـة سوداء مخجلـة يتجنب التاريخ العراقي ادراجها ضمن الجهد الوطني في مسيرة التحولات الديموقراطيـة التي تتحقق يومياً عبر صبـر وتضحيات الحركـة الجماهيريـة الواسعـة ’ انها حالة معيبـة اكتسبت شكل الجريمـة التي تمارس بدم بارد لأعادة قتـل العقـل العراقي .
” كلهم فاسدين ” هو الجواب العفوي الذي تصرخه معاناة وخيبـة امـل الشارع العراقي ’ الذي هو وحده صاحب الحق في مسائلـة ومعاقبـة زمـر الفساد والرذيلـة .
اذا كانت الوزارة الفلانيـة هي حصـة للأئتلاف الفلاني والأخرى حصـة للأتحاد الفلاني اوتلك الكتلـة والمتبقي حـد الشرطي او الموظف الصغير هو حصص لتلك الطائفـة او القوميـة او لذلك المذهب او الحزب ’ وهكذا بالنسبة للمجالس الأمنيـة والثقافيـة والأعلاميـة والسلك الدبلوماسي ’ اذن فما علاقـة تلك المؤسسات بالعراق وما علاقـة العراق ومنفعتـه منهـا … ؟
مجلس الرئآسـة يتكون من ثلاثـة حصص ’ وكذلك مجلسي الوزراء والنواب ’ فكيف يمكن لتلك الرئآسات التي تتحكم في اهوائهـا وميولهـا وامزجتهـا ثـم قراراتها المصيرية ثلاثـة ارادات غير متجانسة ومتناقضـة تتحايل على بعضهـا ’ ان تعمل منسجمة للصالح العام … ؟
امر مستحيل الا على سبيل المساومات التوافقيـة ’ او ان تكون القرارات تصدر مشوهة معاقـة حمالـة لذات التناقضات ’ فمجلس الرئآسـة يعطـل قرارات مجلس القضـاء ’ ومجلس النواب يشل عمل واجراءات مجلس الوزراء ’ وكـل يبحث عـن اسباب وشروط تضخيـم نفوذ رمـوز طائفتـه او قوميتـه ومذهبـه والجميع يختزن في خلفيتـه اهداف ونوايا غيـر معلنـة ’ فالكـل يعطـل الكـل وينقـل صراعاتـه ومواجهاتـه مـع الأخر الى الشارع العراقي نزيفـاً مآساوياً .
لـو اخذنا وزارة او سفارة او ايـة مؤسسـة حكوميـة اخرى ووضعناهـا حقاً تحت مجهـر المسائلـة والتدقيق ’ لوجدنا مجمل نسيجها يتكون مـن افراد العائلـة والأقارب والمقربين مـن وجهاء الحزب والعشيرة وما انزل اللـه مـن الحبربوشيـة والحوشيـة ’ ولم تجـد فيهـا العراق اطلاقـاً .
المسرحيـات التي تتكرر مهزلـة داخل مجلس النواب ’ يذكرنا امرهـا بصفاقـة العائلـة التكريتيـة التي كانت تتحكم بمصير العراق ’ عندما اعلـن وعلى سبيل السخريـة المهينـة ’ الصبي الشاذ عدي صدام حسين التكريتي عن ضياع بطاقتـه التموينيـة ’ حيث كانت استهزاءً رخيصاً بمعاناة الناس وكرامتهـم ’ يشبـه تماماً ما يتكرر علينـا الآن في مسرحيات المسائلـة داخل مجلس نواب هو في الأساس نموذج مخجـل لفساد شامـل لنظام الأبتزازات والمساومات والتوافقات على توزيـع الحصص والأسلاب والمشاركـة في الغنائـم .
في اعتقادي المتواضع ’ ان الدولـة بكاملهـا يجب ان تقف امام التاريخ للمسائلـة ’ لتتحمل مسؤوليـة مـا كلفت بـه العراق مـن ملايين الضحايا والمفقودين والأرامل والأيتام والمعوقين والمهجرين والمهاجرين وجعلتـه مثالاً للبؤس والحرمان ووضعت اكثر مـن 30 % مـن شعبـه تحت خط الفقـر ’ الى جانب التشويه والتدمير المنظم لمؤسسات الدولـة .
شئنـا ام ابينـا ’ ان نهـج التحاصص والتوافقات والمشاركات الفوقيـة ’ قـد كثف حولـه طابوراً خطيـراً مـن السماسـرة ’ استطاع ان يبتلع ويغيب جهود الوطنيين احزاب ومنظمات وشخصيات وطنيـة ’ لهذا على بنات وابنـاء العراق الا يؤجلوا المواجهـة الفكريـة والثقافيـة والسياسيـة والتنظيميـة مـع ذلك الطابور العاق حتى الوقت الضائع مـن اللحظات الأخيرة لعمليـة الأنتخابات القادمـة ’ وأن يبادروا بوعي وارادة وعبر ثقتهـم واصواتهم الأنتخابيـة كـي يجنبوا الشعب والوطن مخاطر الوقوع فـي مستنقع الألام لأربعـة سنوات آخـرى .

05 / 06 / 2009